المفكر الجزائري محمد شوقي الزين: نعيش عصر أنوار عربياً قد تتأخر نتائجه

حجم الخط
5

تونس – «القدس العربي»: يرى المفكر الجزائري محمد شوقي الزين أننا «نظريا» نعيش «عصر أنوار عربي» مشيرا إلى أن الحراك الشعبي الحالي أحدث تصدّعا في النواة الصلبة للذهنية العربية وبالتالي بات من المستحيل العودة إلى زمان الحزب الواحد. لكنه يؤكد في المقابل أنه ما زال من المبكّر الحكم على الثورات العربية، على اعتبار أن الهزات الثانوية لا تزال فاعلة، مشيرا إلى أن النتائح لن تأتي قبل عدة سنوات وربما عقود.
ويؤكد الزين أن الاستبداد هو «الحليف الموضوعي» للإرهاب، لافتا إلى أن الإنغلاق السياسي القبلي في تونس وسوريا أدى إلى «الانفجار الإرهابي البعدي»، ويحذر من استمرار الصراع «المتواطىء» بين إيديولوجيا إسلامية عنيفة وإيديولوجيا علمانية استبدادية مع غياب طرف ثالث يتجاوز هذه الثنائية العقيمة ويتمثل في المجتمع المدني الذي ما زال ضعيف التأثير والفاعلية.
 ○ تحاول في إحدى المقالات المقارنة بين الثورة الفرنسية وثورات «الربيع العربي» وتحيلنا في هذا المجال إلى عبارة إيمانويل كانط الشهيرة التي يلخص فيها عصر الأنوار «خروج الإنسان من مرحلة القصور العقلي وبلوغه سن الرشد».
هل يمكن القول إننا نعيش «عصر أنوار عربي»؟ وهل ثمة وجه للمقارنة بين «النكوص الأصولي» ومحاولة إعادة الأنظمة الديكتاتورية في بعض البلدان العربية وما حدث إبان الثورة الفرنسية التي جاءت بنابليون للحكم؟
• انطلقتُ من إمكانية وجود فارق بين الزمن والتاريخ. يمكن أن نعيش أزمنة متماثلة نسبياً (على مستوى التصوّرات والسلوكيات) ولكن التواريخ مختلفة. الشيء الذي يجعل الأزمنة متماثلة هو ما سماه الإغريق القدامى «الأيون» (Aïon)، زمن أزلي عابر للأزمنة المتعاقبة، زمن تتماثل فيه الأشكال حتى وإن اختلفت المواد أو المضامين.
لتقريب الدلالة من الذهن، يسمي البعض هذه الفكرة «الثابت» في ما وراء «المتحوّل». فالشيء الثابت في النظرية الماركسية في تفسير الثورات مثلاً هو «انتفاضات الجياع»، أي أن شرارة أي ثورة هي دائماً ذات خلفيات مادية أو اقتصادية. هناك جانب من الصحة إذا علمنا أنه قبيل الثورة الفرنسية، وصلت الحالة المعيشية في فرنسا إلى درجة رهيبة من الفقر المدقع بسبب هبوط المحاصيل، وبسبب هيمنة الطبقات المستحوذة على كل الامتيازات وخصوصاً طبقة النبلاء. كذلك الشرارة التي انطلقت منها الثورة التونسية كانت انطلاقاً من شاب كان يسعى إلى قوت يومه، عندما كانت طبقة النبلاء من بين الأسرة الحاكمة أو الأوليغارشية المحيطة بها تستحوذ على الاقتصاد والامتيازات المتعددة.
لكن لا يفسّر البُعد المادي كل شيء. ثمة أشكال رمزية تدخُل في تفسير الثورات والثورات المضادة: مثلاً، نقل مضامين الثورة من الهموم المعيشية ومشكلات الحرية والتعبير إلى الاهتمامات الإيديولوجية، خصوصاً مع «أسلمة الثورة» بجعل المضامين دينية بحتة. في تونس ومصر مثلاً، انطلقت الثورة من شباب متحمّس للتغيير ومطالب بالحرية والكرامة وانتهت بوصول أحزاب إسلامية إلى الحكم. طبعاً ليست الثورة معادلة رياضية لكي تسير بشكل منطقي: هناك اللامعقول الذي يدبّرها والقسوة التي تميّزها.
ما وقع في مصر في الأشهر الماضية يشبه إلى حد كبير صراع نابوليون بونابارت ضدّ أحزاب دينية بعد الفوضى العارمة التي استبدّت بفرنسا خلال عشرية كاملة من 1792 إلى 1802 بظهور الإرهاب الثوري (تخوين الثوريين لبعضهم البعض والتخلّص من بعضهم البعض بأحكام قضائية فورية وغير شرعية تنتهي بالإعدام على المقصلة) أو صراع المستشار الألماني بسمارك ضد حركة اليسوعيين (حركة كاثوليكية نافذة) في أواخر القرن التاسع عشر. هل حدوث الانتفاضات العربية كفيل بالقول أننا نعيش «عصر أنوار عربي؟» على المستوى النظري، من فعل نخبة بارزة، نعم؛ لكن على المستوى العملي، السياسي منه والاجتماعي، لا يزال هذا مجرّد أمنية، حتى وإن التمسنا في الأفعال والممارسات دبيب الإرادة في الإرتقاء نحو الأفضل.
 ○ في السياق ذاته، تشير في مقالك السابق إلى أن «فلاسفة الأنوار» العرب (بدءا بزكي نجيب محمود وليس انتهاء بمحمد أركون) لم يشهدوا- كنظرائهم الغربيين- نتاج جهدهم الفكري الذي امتد لعقود وهيأ الظروف المثالية للثورات العربية.
في رأيك، ما هو نوع الفكر الجديد الذي سينتجه الحراك العربي الحالي (على اعتبار أن أغلب الأزمات والحروب في العالم أنتجت نظريات فكرية جديدة)؟ وهل باتت الشعوب العربية «القابلة للاستعمار» وفق مالك بن نبي أكثر تقبلا للديمقراطية؟
• الثورة لا تعلّم شيئاً. إنها حالة من استنفار الوعي ورغبة في امتلاك السلطة باستبعاد الخصوم. إنها جولة في الصراع من أجل الهيمنة. لنفهم ما يقع، ينبغي الرجوع إلى ما حدث من قبل وتوقّع ما سيحدث من بعد. ما حدث من قبل هو التقدّم على المستوى النظــري (فلسفات، تأويلات، مشـاريع فكرية) والتخلّف على المستوى العمــلي (السياسة، الاقتصاد، الحريات)، ولم يخـــطئ كـــانط بمقولته الشهيرة: «هذا يمكنه أن يكون جيّداً على مستوى النظرية، لكن لا قيمة له على مستوى الممارسة».
هيّأ المفكرون العرب العديد من المشاريع النظرية في ما يمكن أن يكون عليه الحكم السياسي ونظام الإجتماع العربي، لكن تحوّل الجمهوريات العربية (بعد الإستقلال عن الاستعمارات البريطانية والفرنسية والإيطالية) إلى سلالات حاكمة ذات نزوع استبدادي إلى غاية الانتفاضات، أجهز على كل فكرة أو رغبة في التغيير والممارسة الديمقراطية.
وجدت الشعوب العربية نفسها في حالة من الفاقة السياسية، لأن كل الأبواب كانت موصدة في وجهها، كانت في حالة أقرب إلى «العبودية» فيها إلى «المواطنة». لا ننخدع بالشعارات البراقة التي رُفعت والرنانة التي قيلت حول مجموعة من المفاهيم المزركشة (المواطنة، الديمقراطية، المشاركة..) لأن قيمة الأشياء في الأفعال لا في الأصوات ولغو الكلام. لقد كان هنالك قفر سياسي لم ترتقِ به الشعوب إلى درجة من الوعي في سياسة أفعالها والمشاركة في صوغ مشاريعها.
لم تكن الشعوب قادرة على التغيير؟ كان ينبغي إذن تعليمها لا قهرها، تبيان الطريق لها لا التعتيم والتشويش عليها. لم تكن ناضجة وكان ينبغي استعمال القوة لتنظيمها؟ كان ينبغي إذن تطوير الحق والقانون، لا جعلهما أدوات في التسلط، ولكن وسائل في التوعية والتنمية.
لمن يراهن على فشل الثورات إما لأن الأصولية والجهادية اكتسحت الساحات والأقاليم، وإما لأن الخوف من المستقبل يجعل الناس يرتمون من جديد في أحضان الإنغلاق السياسي بشعار: «الاستبداد مع توفير الأمن» كل هذا لا معنى له، لأن الغالبية لم تختر الإرهاب ولا الاستبداد. لقد وقع تصدّع في النواة الصلبة للذهنية العربية ولا يمكن للزمان العربي أن يرجع إلى الوراء، إلى زمان الحزب الواحد، وهذا في حد ذاته مكسب ثمين؛ كما لا يمكن الحكم على الثورات في ظرف قصير، لأن الهزات الثانوية لا تزال فاعلة، ولأن النتائج ليست فورية ولكن تأتي بعد سنوات أو ربما عقود.
 ○ يرى بعض المفكرين أننا نعيش اليوم ربيعا عربيا غير ناضج، ويذهب آخرون إلى توصيف الواقع الجديد بأنه صحوة إسلامية بعد عقود من الديكتاتورية العلمانية، فيما يكتفي طرف ثالث باعتبار الأمر مجرد مؤامرة غربية لإعادة ترتيب المنطقة، ما رأيك في ذلك؟
• أستبعد التفسيرين الأخيرين (الصحوة الإسلامية والمؤامرة الغربية) لسبب بسيط: الصحوة الإسلامية التي تنتهي بالإرهاب ليست بصحوة. الصحوة والنهضة واليقظة وغيرها من مقولات الوعي المنتبه والمدرك لشرطه الوجودي والتاريخي لا تنتهي بالتدمير والفتك باسم أقنوم ثابت في الشريعة اسمه «الجهاد». كذلك المؤامرة الغربية لا معنى لها في ظل وعي متمكّن من زمانه.
حتى وإن افترضنا أن هناك مؤامرة ما، فإن اللوم لا يقع على المتآمر (لربما هذه هي طبيعة الإنسان الخسّيسة في زرع الفتن وهدم الإرادات ومنع الضعيف من الوصول إلى قامته إذا كان في وضعية القويّ)، ولكن يقع على المتآمر عليه، على سذاجته وسطحيته، على كسله وتخلفه. يُرجع المتآمر عليه تخلفه إلى المتآمر: حتى الفوضى والأوساخ والرشوة والفساد يُسندها ربما إلى المتآمر من باب جنون العظمة والتلويح بالفزّاعة. لكن، هذه كلها أوهام زائدة عن حدها.
المشكلة العويصة الوحيدة التي يخشى منها الباحث هي وجودنا في قطب ثنائي/مانوي لا ثلاثي/جدلي. أعني بذلك أن وجودنا في ظل ثنائية متصارعة/متواطئة بين إيديولوجيا إسلامية عنيفة وإيديولوجيا علمانية استبدادية سيكون وجوداً ساكناً، مختوماً عليه بالتحجّر والتصلّب والتوقف الحضاري.
هل يمكن التعويل على حد ثالث يتجاوز هذه الثنائية العقيمة؟ وما هو هذا الحد الثالث إن وُجد؟ أحدّده في المجتمع المدني، لكنه ضعيف التأثير والفاعلية، ولأن سنوات الإنغلاق السياسي قبل الثورات لم تسمح بوجود مجتمع متعوّد على أدوات النقاش العمومي والسجال الديمقراطي. من هنا نفهم العوز والهشاشة في هذا المجتمع الذي يحتاج إلى تدعيم وتنمية، لأن عليه تقوم أساسيات الإجتماع البشري عموماً.
 ○ أنتج الحراك العربي صراعات عدة اتخذت طابعا إيديولوجيا (ديني – علماني) تجسد في الاستقطاب السياسي في بعض الدول كتونس، وآخر طائفي عبّر عن نفسه بحرب أهلية كما في سوريا، كيف تفسرون ذلك؟
• السؤال الممكن طرحه: هل هذه الصراعات هي حالة صحية أم مَرَضية؟ التاريخ في رمته عبارة عن مجموعة من الصراعات المتعاقبة، تارةً من أجل الاعتراف (هيغل) وتارةً أخرى من أجل الهيمنة والتوسّع (شبنغلر). الزلزال كظاهرة طبيعية هو حالة صحية بالنسبة للأرض، لكنه حالة مروّعة ومفزعة بالنسبة للوعي البشري.
أن يكون هنالك صراع في التاريخ البشري فهذه حالة صحية، تبعاً لأول مقولة لهيراقليطس «الصراع أب الأشياء جميعاً»، أياً كانت طبيعة هذا الصراع؛ لكن الحالة المَرَضية هي عندما يكون الصراع البشري نتيجة انفجار النزوات الحيوانية وارتكاب الفظائع والمجازر بلا أدنى احترام للقواعد المتفق عليها حول أسرى الحرب أو النساء والأطفال (من أي ديانة أو ثقافة كانوا).
أعود إلى الثنائية التي تحدثتُ عنها من قبل وأقول: الاستبداد هو «الحليف الموضوعي» للإرهاب. الإنغلاق السياسي القبلي (في تونس وسوريا)، الفولاذي والحديدي والصلب وكل البلاغيات الممكنة، أدى إلى الإنفجار الإرهابي البعدي. الخشية أن يتمادى هذا التواطؤ بين الضدّين ما لم نكسّر الدائرة المغلقة بحد ثالث يتجاوزهما. أقصد بالتواطؤ أن يغذي الاستبداد الإرهاب وعكسه. باسم الإرهاب يتصلّب النظام السياسي وباسم التصلّب والقهر يزداد الإرهاب ويتمدّد. هذه الحلقة المغلقة، الدائرة على نفسها، هي أعوص ما يعرّض وجودنا للدمار والتآكل على شاكلة «يخرّبون بيوتهم بأيديهم»، فنكون متآمرين على أنفسنا قبل أن نتحجّج بالمؤامرة الخارجية.
 ○ إلى أي مدى ساهم الحراك الحالي في إزالة الشرخ القائم بين المشرق والمغرب العربي والذي ساهمت الأنظمة وبعض المفكرين وعوامل أخرى في تعميقه (الجابري مثلا كان يصر دوما على عقلانية المغرب مقابل لا عقلانية المشرق)؟ وكيف ترى مستقبل هذه العلاقة الجديدة بين عالمين ساهمت التكــنولوجيا (المواقع الالكترونية الاجتماعية) وسواها في انفتاح «مفاجىء ومكثف» بينهما؟
• أمام مصير واحد تمليه الجغرافيا واللغة والدين، فلا مجال للحديث عن شرخ بين المشرق والمغرب. كان هذا الشرخ نظرياً ربماً، لكن واقعياً نحيا الأزمات نفسها والمصير نفسه. وبفعل تطوّر التكنولوجيا الحديثة، فإن الهوة بينهما تقلّصت مثلما تقلصت المسافة داخل القرية الكونية؛ لأنني أعتد هنا بالأفعال لا بالنظريات.
قد يشيّد الباحث نظرية في القطيعة الإبستمولوجية بين مغرب عقلاني بحكم الأرسطية/الرشدية ومشرق لاعقلاني بحكم السينوية/العرفانية، لكن أتكلم بنبرة كانطية وأقول: هذا جميل على مستوى النظرية، لكن لا يفيد ولا قيمة له على مستوى الممارسة.
من شرق الخريطة العربية إلى غربها أرى ممارسات ولا أرى نظريات؛ ممارسات لغوية مختلفة، ممارسات إجتماعية متباينة، ممارسات ثقافية متنوّعة، ولكن تصبّ كلها في هم واحد وهو محاولة كسر الدائرة المغلقة التي تحدثتُ عنها من قبل؛ ومحاولة ابتكار الحياة اليومية في النقاشات العمومية والمبادلات المادية والرمزية، أي ابتكار حد ثالث يتجاوز التحجّر الذي نحياه.

حسن سلمان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية