رسالة إلى شعب إسرائيل: لا تخشوا إيران ذات الاقتصاد المتدهور واخشوا تفرد ترامب بسياسته

حجم الخط
0

بعد يوم من تصفية القائد في الحرس الثوري للسرايا الهجومية الموالية للنظام الدكتاتوري في إيران والحامية له، شعرتُ بحاجة إلى أن أقول للمحللين والصحافيين ممن التقيتهم في أمريكا (وكذا من لم ألتقهم ولكني سمعت وقرأت مقالاتهم): رجائي لكم، اهدأوا وهدئوا. بخلاف توقعاتكم، فإن البورصات لم تنهر، وبصعوبة تحركت بنصف حتى ثلاثة أرباع في المئة. والحراك طبيعي جداً. أسعار النفط لم ترتفع، وبصعوبة ارتفعت بـ 2.8 دولار للبرميل، وهذه حركة عادية جداً.

انظروا إلى الشوارع في مدن إيران، الدولة ذات الـ 81 مليون نسمة. نسبة طفيفة جداً منهم فقط تكبدوا عناء الإعراب عن حزنهم العلني على موت سليماني، “القائد المحبوب الذي تبكيه كل إيران”، كما وصفه المحللون. في جنازة سليماني، مثلما خرجت من بغداد في طريقها إلى طهران، لم يشارك إلا بضع عشرات آلاف النشطاء في المنظمات المؤيدة لإيران. فحقيقة أن عدم نجاح شبكات الإعلام الغربية في إجراء لقاءات مع أحد ما يرحب بموت الرجل الوحشي الملطخة يداه بدماء آلاف الإيرانيين ومئات آلاف السوريين، تدل على عجز الصحافة وليس على مزاج السكان.

 هؤلاء سكان يعانون، فباستثناء سنة واحدة من الانتعاش بعد الاتفاق النووي في 2015 فإن إيران على مسار التدهور الاقتصادي المتعمق؛ فناتج الاقتصاد الإيراني انكمش في السنتين الأخيرتين بـ 10 في المئة على الأقل. بمعنى أن الاقتصاد الإيراني في نهاية 2019 كان أصغر بـ 100 مليار دولار مما يجب أن يكون عليه لولا العقوبات الجديدة التي فرضتها إدارة ترامب. واجتاز التضخم المالي الرسمي حاجز الـ 40 في المئة في السنة، ووصلت السوق السوداء إلى حجوم وحشية. تصدير النفط والغاز انهار، وترميم الحقول القائمة توقف. البطالة أعلى من 15 في المئة من قوة العمل، ضعف ذلك في أوساط الشباب، ولكن النساء والشباب يهجرون جميعاً قوة العمل الرسمية ويكتفون بأعمال سوداء مؤقتة.

 أمام وهن الجمهور الإيراني الغفير يبرز ثراء النخبة العسكرية–الدينية –الحزبية، الخائفة على قوتها ومكانتها. فالحرس الثوري عسكري بل طغمة اقتصادية ضخمة تتحكم بأجزاء مركزية في الاقتصاد الإيراني ومسؤولة عن الفساد وعدم النجاعة والتشويهات. الحرس، من ناحية الإيراني المقموع، هو الرمز الكريه للحكم الكريه.

 يخطئ أيضاً من يعتقد أن مثقفي إيران غير واعين للدور الإجرامي الذي أداه رجال سليماني بذبح الثوار في سوريا والقمع الوحشي للمظاهرات في شوارع إيران نفسها. وهم واعون، ووعيهم يتسلل إلى طبقات الشعب الواسعة. والدليل، كما أسفرنا، يمكن أن نشير فيه إلى مظاهرات الغضب والحزن القليلة نسبياً بين الإيرانيين العاديين –بعيداً عن متفرغي الحزب وموظفي الأجهزة الحكومية والحزبية– على تصفية سليماني.

 بعض المحللين في أمريكا توجوه بلقب “عسكري عبقري”، وهذا تعريف بعيد عن أن يعكس إخفاقات ضباط الاستشارة والارتباط الإيرانيين من جانب فيلق القدس التابع لسليماني في مساعدة جيش الأسد في معارك حاسمة ضد الثوار، وبعيد أيضاً أن يعكس الهزائم التي تكبدها حزب الله في سوريا، رغم الوحشية والقتل المكثف للسكان المدنيين. ليست كتائب سليماني المباشرة وغير المباشرة هي التي أدت إلى انتصار الأسد، بل القصف المتواصل وعديم الرحمة من جانب سلاح الجو الروسي. أما التقديرات الغربية عن قدرات السايبر العظيمة زعماً لدى الحرس الثوري، فمرغوب فحصها وفقاً لمصدر التمويل من الجهات والمؤسسات التي تصدرها: ميزانياتها هي معامل مباشر لمنظومات الرعب هذه. محظور الاستخفاف بالنظام ما بعد الخميني في إيران، ولكن محظور أيضاً المبالغة في قوته.

 إن المشكلة في تصفية سليماني بأمر من الرئيس ترامب ليست في الرد الانتقامي المتوقع، بل في أن تكون هذه أغلب الظن خطوة واحدة منفردة، وليست عنصراً في سياسة واضحة وشاملة. ومثلما كان قصف الصواريخ المنفرد لمواقع الجيش السوري رداً على هجوم الغازات السامة في أيار 2017: فعل وحيد وعديم الغاية قام به رئيس ليس مركزاً وعديم الرؤية الاستراتيجية، لم يؤخر انتصار الأسد في شيء ولم يمنع قتل عشرات آلاف أخرى من المواطنين.

بقلم: سيفر بلوتسكر

يديعوت 6/1/2020

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية