“اقتراب الآفاق” معرض فني فلسطيني حول الأرض وعلاقتها بالفنان

عبد الحميد صيام
حجم الخط
2

رام الله –فلسطين-“القدس العربي”:قدم المتحف الفلسطيني الجديد المقام على أراضي بلدة بير زيت، معرضا فنيا مميزا لستة وثلاثين فنانا فلسطينيا معاصرا عرضوا لوحاتهم بين شهر نيسان/أبريل الماضي ولغاية 5 كانون الثاني/يناير الجاري تحت عنوان “اقتراب الآفاق” كموضوع جامع للمعرض يثير مسألة علاقة الفنان بالأرض.

تنطلق الفكرة الرئيسية للمعرض من موضوع المشهد الطبيعي للأرض الفلسطينية والذي جمع عدة فنانين من أجيال مختلفة ومدارس فنية منوعة واستخدموا مواد داعمة تقليدية وغير تقليدية ليتحدثوا عن المشهد الطبيعي الذي تعرض للتشويه والتهشيم والتجزئة. الفنانون في مجملهم يتعاملون في هذا المعرض مع المشاهد الجميلة التي تقدمها لهم أرض فلسطين فيبنون علاقة معها ويستوحون إبداعاتهم من جمالها ثم يكتشفون بعد عقود من التجربة أن المشاهد تشوهت بسبب التفتيت والمحو والتغريب والفقدان والجدران العازلة، فيتأثر الفنان المرهف بالحس العالي لهذا الاغتراب ويعصف به الحنين الموجع لتضاريس شكلت بعدا أساسيا من شخصيته ونسيجا متناسقا من ذاكرته. ينقب الفنانون إذن في الذاكرتين الفردية والجمعية بحثا عن الصورة الطبيعية للأرض بكامل زينتها وجمالها وتسليط الريشة على ما اعتراها من خراب وتغييب.

يتضمن المعرض أعمالا فنية لستة وثلاثين فنانا وفنانة موزعين على كل مناطق الأرض الفلسطينية، من غزة وحيفا والناصرة والقدس ورام الله ومدن تواجد الشعب الفلسطيني في عمان ونيويورك وغيرها. وتعود بعض اللوحات لثلاثينيات القرن الماضي كما تشمل رسامين معروفين جدا على مستوى العالم العربي والعالم مثل سليمان منصور ونبيل عناني وتيسير بركات ورنا بشارة وسامية حلبي ولاريس صنصور بالإضافة إلى عدد من الفنانين المحدثين.

وفي تصريح لـ”القدس العربي” قالت مديرة المتحف الفلسطيني، الدكتورة عادلة العابدي هنية، إن هذا هو أكبر معرض فني فلسطيني يعرض في مكان واحد يمثل دينامية الصمود لدى الشعب الفلسطيني. وأضافت: كثيرا ما يقرأ الناس عن الفن الفلسطيني لكن استطعنا في هذا المعرض أن نجمع أعمالا فنية منذ الثلاثينيات من القرن الماضي وحتى الوقت الحاضر، وهي فرصة للمهتمين لأن يجدوا كل هذه المجموعة من اللوحات في مكان واحد. وقالت إن الفنانين يمثلون العديد من المدارس الفنية فهم يقدمون صورة عن الفن في العالم بما فيه من تعرجات وتوجهات.  تجد في المعرض الفن الحديث والمعاصر والتقليدي وبألوان مائية وزيت ونحت ورسومات تعبيرية وغير ذلك وبعض الفنانين يستخدمون المواد المحلية في أعمالهم مثل الفنانة رنا بشارة.

وحول الفن في غزة قالت إنه في وضع ممتاز، ربما نتيجة مباشرة للحصار. فهناك عدد كبير من الفنانين والمعارض والمشاركات في معارض خارجية وفي هذا المعرض شارك فنانون من غزة بعدد من اللوحات. الحركة الفنية في غزة تتمتع بالديناميكية والإبداع.

وبعد جولة في المعرض لمجموعة من الزائرين استوقفني عملان فنيان مميزان: الغزال الفلسطيني للفنانة منال محاميد من أم الفحم في فلسطين التاريخية وخريطة الطريق نحو التصفية للفنانة رنا بشارة بنت ترشيحا في الجليل الأعلى والتي تسكن الآن في بلدة بيت جالا قرب بيت لحم.

منال محاميد و”الغزال الفلسطيني”

 

“قمت في يوم من الأيام أنا وأولادي بزيارة لحديقة الحيوانات قرب حيفا. استوقفتني يافطة تشير إلى الغزال الفلسطيني بالعربية والانكليزية أما بالعبرية فالعنوان يقول الغزال الإسرائيلي. استوقفتني العبارة والتلاعب على الهوية. يريدون أن يسرقوا منا حتى الحيوانات التي تعيش في الطبيعة الفلسطينية والتي تكيف وجودها مع تضاريسنا ومناخنا وطبيعة أرضنا. إنه نزاع حول الهوية. إنها دعوة للنزول إلى ساحة الصراع وأنت في بيتك وبلدك ومكانك.  يحاولون أن يسرقوا قصتنا ويمنحونا تعريفهم هم للسؤال من نحن؟  يشوهون أسماء المدن والقرى والشوارع عامدين متعمدين. كانت هناك قرية اسمها عين الغزال فسموها (عين تسفي) أي تشويه وترجمة لهويتنا؟ كلها محاولات تشويه وطمس وتغييب لوجودنا” هذا ما قالته الفنانة منال محاميد.

وأضافت: “بالنسبة للعمل التجسيدي “الغزال الفلسطيني” يحمل أكثر من معنى. أولا لاحظ أنه لا يبحث عن عطف من موقع المسكنة والشفقة، فهو غزال مكتمل من كل شيء: الجمال والقوة والمنعة والعنفوان والوقفه التي تنبئ بالشموخ. لا أريد أن أنتج غزالا مسكينا بل جميلا ولكنه مبتور. إنه تعبير عن واقع جمالي بالرغم من حال التشويه. إنه يمثلني في الصراع على الهوية التي نعيشها تحت ظل نظام الفصل العنصري في فلسطين التاريخية. بودي أن أطرح سؤالا: كيف نحدد الهوية؟ من يستطيع تحديد هويتي كبنت تلك الأرض؟”.

في البداية عملت تمثالا من الصلصال أو الطينة المحلية، ثم بدأت أضيف عليها مواد أخرى حتى اكتمل الغزال وعرضته في صالات عديدة في رام الله وبيت لحم وحيفا. نحن لسنا فقط تحت نظام احتلالي بل تحت نظام عنصري كولونيالي إحلالي ينفي وجودنا أيضا. لذلك فهذا النفي سيدفعنا للتمسك أكثر بوجودنا، وجيل اليوم هو الذي كسر حاجز الخوف وأثبت وجوده ليس بالعدد فقط بل بالعلم والتعليم والإبداع. بكل فخر نحن الآن أمام جيل ليس سهلا ثبت وجوده ووقف على رجليه وصمد بدون دعم خارجي وبدأ يشق لنفسه مساحة ثقافية واسعة تحمل سمة الانفكاك الواسع عن الكولونيالي الجاثم فوق صدورنا رغم بعض العثرات والمخاوف وأولها تفشي العنف المجتمعي.

رنا بشارة و”خريطة الطريق نحو التصفية”

تقول الفنانة رنا بشارة عن عملها الفني: “أسميت هذا العمل (خريطة طريق نحو التصفية). عنوان صادم كما ترى. بدأت بهذا العمل الكبير منذ عام 2007 عندما جمعت خرائط لفلسطين التاريخية والضفة الغربية وغزة والقدس والمناطق المحيطة بفلسطين، ثم صرت أجمع ألواحا من شجرة “الصبار” وأقددها وأجفف الألياف وكأنها أشلاء للأرض الفلسطينية المقسمة والمجزأة. إنها إشارة إلى الكانتونات والبؤر الاستيطانية فوق أرضنا. لاحظ أن ألواح الصبار متشابكة مع بعضها عن طريق خيوط سوداء تمثل التشرذم للأرض وتقطيع الأوصال. إنها صورة للأرض الفلسطينية التي تمر في حال تآكل وتقطيع سواء عن طريق الحواجز أو المستوطنات أو البؤر أو المناطق العازلة. الخيط الأسود يربط بين هذه القطع وهو رمز للحداد والحزن لكنه يمثل الصمود وربط الأرض المجزأة ببعضها البعض. 71 سنة من الاحتلال، الفلسطيني متمسك بأرضه رغم العقبات يقاوم الكولنيالي المستعمر الذي احتل دولة كاملة ومتكاملة أي باللهجة المحلية “دولة خامرة ومخمرة” كما كانت تقول جدتي. إنه السطو المسلح على دولة كاملة ومتطورة. فكل قطعة صبار تمثل الأرض الفلسطينية من الجليل الأعلى إلى النقب. قمت بتجميعها وربطت بينها وكأنني أرتق ما تجزأ من أشلاء فلسطين لنعيد بناءها من جديد من دون أن نفقد منها شيئا”.

أما سر الخريطة الضخمة التي تغطي الجدار كاملا وتحمل أسماء كل قرى وبلدات ومدن فلسطين، تقول بشارة، “تعني أن فلسطين كلها لنا ولن نتراجع عنها من رأس الناقورة إلى أم الرشراش ومن الماء إلى الماء. هذه فلسطين لا تقبل القسمة ولا التجزئة أو التقطيع. أنا من الجليل ولا أتنازل عن شبر واحد من كل فلسطين ومن لا يعجبه كلامي فليشرب من مياه بحر غزة. بالنسبة لي ما يهمني هو الوقت. العجلة التي تدور في أعلى الغرفة تعني لعبة كسب الوقت. لاحظ أن الدائرة التي تدور تنطلق من نقطة تلاقي ثلاث قارات، افريقيا وآسيا وأوروبا. القارات الثلاث تلتقي عند نقطة واحدة هي القدس. أي أن القدس هي مركز الكون. وهذا ردي على الرئيس ترامب الذي قرر أن يهديها للكيان الصهيوني. فلسطين موجودة والقدس عاصمتها وهي مركز الكون ولن نتنازل عنها وسنظل صامدين فيها رغما عنه ومنها تنطلق ألواح الصبار المشبكة بخيوط، لأن شجرة الصبار تمثل صمود وبقاء وتاريخية الشعب الفلسطيني في وطنه. نحن ننبض بالصبار. قلوبنا تنبض بالصبار. إنه رمز لبقاء وشاهد على تدمير 531 قرية فلسطينية هجر أهلها وأبيدوا. وحرب الإبادة ضد شعبنا لم تتوقف يوما. لعبة الوقت تشير أيضا إلى 26 سنة مفاوضات والصهاينة مستمرون في نهب الأرض وهذا تفاقم بعد اتفاقيات أوسلو والتي تعتبر نكبتنا الثانية. النكبة الأولى كانت مفروضة علينا من قوى عالمية أما نكبتنا الثانية فمن صنع أيادي سلطة لم تكن لها سلطة.

اللوحة الكبرى هذه عبارة عن صرخة للعالم تتحدث عن مأساة شعب تشرد وتحول إلى لاجئين. وبدأت فلسطين تتآكل والاستيطان متواصل بدون توقف لأن هناك من يدعم هذا الكيان. أدخلونا في لعبة الوقت. 26 سنة من المفاوضات. الزمن يدور وهم ينهبون الأرض ثم يعيدونا إلى طاولة المفاوضات.

هذه الخرائط عبارة عن تراكم لشكل الأرض وهي تفقد أجزاءها. هذا العمل يعبر عن شعوري اليومي وأنا أمر على الحواجز وما أشاهده من ضياع للأرض وأنا ذاهبة لزيارة جدتي في ترشيحا، أو لما أزور الجليل أو النقب أو الغور وأرى بعيني كيف تتقطع الأرض وتتشرذم والمستوطنات منتشرة في كل مكان مثل ألواح الصبر المعلقة هنا والمربوطة ببعضها عبر خيط أسود. هذا العمل هو توثيق لما يجري على الأرض. أطلقت صرخة فلسطينية حول الخطر الداهم على الأرض وحول الصمود في آن. أما الصوت أو الأزيز الخافت الذي تسمعه يملأ أرجاء المقصورة فإنه إشارة لصوت الدرون (أو الطائرات المسيرة) التي تطير فوق غزة وباقي الأرض الفلسطينية لتوثق كل ما يجري هناك.

هذا العمل الكبير يحكي قصة وجعي وغضبي وحكاية والدي الذي مات بحسرته من دون أن يرى تحرير الأرض والإنسان. هذا العمل الكبير عبارة عن حكاية شعبي وما يتعرض له من عدوان يومي ويرى أرضه تقل ومعاناته تزداد. وقد استغرق تركيبه في هذه الغرفة شهرا كاملا. أما تجميع هذه المواد ونحتها وتجريد الألياف من ألواح الصبار فقد استغرق وقتا طويلا بدأته عام 2007 وهو مستمر. إنها صرخة ضد أوسلو ومخرجاته. إنها دعوة لإعادة بناء أشلاء الوطن. الوطن الجميل الذي هو كل فلسطين بقراها ومدنها وشعابها ومروجها ووديانها وطبيعتها الخلابة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية