لندن – “القدس العربي”:يقول المثل في مصر “أسمع كلامك أصدقك… أشوف أمورك أستعجب”، هذا بالضبط ما ينطبق على فخر بلادي محمد صلاح، بعد أشهر حديث تلفزيوني ظهر فيه العام الماضي، عبر شاشة “بي ان سبورتس”، عقب تتويج ليفربول بكأس العالم للأندية في قطر 2019، معترفا على الملأ وفي حضرة محمد أبو تريكة ومحمد سعدون الكواري والبقية في الاستوديو التحليلي، بأنه لا يبالي بالجوائز الفردية، المهم الألقاب الجماعية، هذا في وقت كان يعيش فيه أوج لحظات النشوة والفرحة بحصوله على جائزة أفضل لاعب في البطولة، كأول لاعب عربي يظفر بهذه الجائزة، لكن على أرض الواقع، تفاجأنا بعد أسبوعين بموقفه الصادم للرأي العام المصري، باعتذاره عن عدم حضور حفل الاتحاد الأفريقي السنوي لتوزيع جوائز الأفضل في القارة السمراء، الذي أقيم في منتجع سهل حشيش السياحي في مدينة الغردقة المصرية.
حكمة سيف
عبر الناقد الصحافي المصري محمد سيف عن قطاع كبير من الشارع المصري البسيط، بجملة بالعامية الدارجة، لكنها بدت كالحكمة التي أصابت كبد الحقيقة قائلاً بالنص: “الفرح فرحنا، ومعمول في بيتنا، وحضرتك كنت لازم تيجي وترد لي الجميل لأني جيت فرحك في بيتي ورقصت كمان معاك”، ليست لوغاريتمات. نعرف جميعا أن حفل “كاف” 2018 أقيم في العاصمة السنغالية “داكار”، وكان الصغير قبل الكبير في القارة يعرف أن صلاح هو المحتفظ بالجائزة للعام الثاني على التوالي، لكن لأن المبادئ لا تتجزأ أبدا، تحمل ساديو ماني مشقة وعناء السفر من شمال إنكلترا إلى أدغال أفريقيا، ليضرب عصفورين بحجر واحد، منها عدم تفويت فرصة الظهور في حفل عالمي يُقام في بلاده، ومنها أيضا شارك زميله المصري فرحته بفوزه بالجائزة للمرة الثانية، ولعلنا نتذكر مشاهد احتفال ساديو بالرقص مع صلاح وكأنه الفائز بالجائزة وليس صاحب المركز الثاني المفترض أن يكون تعيسا بالطبيعة البشرية، أما عندما “دارت الأيام” بصوت كوكب الشرق أم كلثوم، لم يجد أسد التيرانغا من يشاركه أسعد لحظة في مسيرته كلاعب، وقف وحيدا وخلفه “غرافيك” خريطة أفريقيا، كأسوأ عقاب على “شهامته ونبله” في مواقفه السابقة، كأنك عزيزي القارئ كنت تفعل كل شيء من أجل أصدقائك في أفراحهم، وعندما جاء موعد زفافك تخلى عنك الجميع بمن فيهم صديقك المقرب. من حُسن الحظ أننا نعيش عصر مواقع التواصل الاجتماعي، التي أنصفته في مصر أكثر من أي بلد آخر، بحملة تعاطف غير مسبوقة معه، قابلها هجوم في منتهى القسوة على ابن جلدتهم ونجمهم المفضل، لعدم وجود أي عذر لغيابه عن الحفل، والسؤال الذي يفرض نفسه: هل كان سيعتذر لو كان يعرف أنه الأوفر حظا؟ الله أعلم بالنوايا، لكن في الغالب كان سيكرر ما فعله في آخر عامين، بقطع آلاف الكيلومترات ليتسلم الجائزة ويتصدر عناوين الصحف العالمية، إلا إذا كان لديه عذر قهري يمنعه من السفر، وجوهر المشكلة أنه لم يعط أي تبرير لاعتذاره، ربما لو تعامل بشفافية مثل رياض محرز، بتقديم اعتذار رسمي لارتباطه بمباراة دربي المدينة بين مانشسر يونايتد والسيتي في ذهاب نصف نهائي كأس المحترفين الانكليزية، لما كَثُر القيل والقال، بل للأسف الشديد تقوده ردود أفعاله وتصرفاته غير الحكيمة إلى الهاوية وبسرعة الصاروخ.
تم الإرسال بنجاح
صحيح صلاح كان سباقا في تقديم التهنئة لساديو ماني عبر “استوري” منصته على “انستغرام”، لكن ما فضح الأمر، ما فعله في نفس الساعة، بإقحام الصغيرة مكة في نزاعه القديم مع الاتحاد المصري، بنشر صورة ابنته على نفس المنصة مرفقة بتعليق ساخر من تكريم “الجبلاية” كأفضل اتحاد محلي في أفريقيا لعام 2019، وكأنها رسالة واضحة منه لتوضيح سبب غيابه بشكل غير مباشر، وهذا الأمر في حد ذاته أشبه بالمصيبة، لأنه ووكيل أعماله الذي لا يضحك أبدا، من المفترض أنهما على علم بأن الاتحاد المصري ليس مسؤولاً عن تنظيم الحفل، في الأول والأخير الاتحاد الافريقي (كاف) هو المنوط بحفله بالتعاون مع الملياردير البورسعيدي مستر كامل أبو علي، صاحب فندق إقامة الحفل، الأدهى من ذلك، أن اللجنة المؤقتة التي تُدير الجبلاية في الوقت الراهن، ليست لها نزاع شخصي قديم معه، بعد استقالة مجلس هاني أبو ريدة عقب الخروج المخزي من كأس الامم الافريقية على يد جنوب أفريقيا في وجود صلاح، لذا أقل ما يمكن قوله، إن ما يفعله في الآونة الأخيرة، لا يُدمر سوى شعبيته الجارفة في مصر، شعبيته التي تُحدث زلزالا بالمعنى الحرفي في كل محافظات وقرى مصر مع كل هدف يسجله مع ليفربول، وبطبيعة الحال هذا لم يأت من فراغ، بل بعدما أثبت أنه لا يوجد مستحيل في عالمنا، بتحقيق أرقام قياسية، جعلته ينافس أسماء بحجم أعظم اثنين في العصر الحديث، إن لم يكن في كل العصور، كريستيانو رونالدو وليونيل ميسي، ليقترب من “منزلة القداسة” عند المصريين، بوصفه “فخر العرب” مع التشكيك في وطنية أي شخص أو صحافي يحاول نقده إذا لم يكن في مستواه. وفجأة بدأت تتوتر العلاقة إلى أن أوشكت على مرحلة التدهور، بعد اتهامه الواضح والصريح من أقرب مؤيديه في وطنه بالتقصير الشديد في حق زميله وحق بلده عليه، وهذا ما كان سيحدث أبدا إذا استخدم “المينتاليتي” بشكل صحيح، بدلا من أجواء تصفية الحسابات مع المسؤولين والمؤسسات بعد التخلي عنه في استفتاء الفيفا الأخير لاختيار أفضل لاعب في العالم. لا شك أبدا أن الموقف كان سيئا ويحق له الحزن على ما حدث، لكن إلى متى سيبقى الخلاف؟ الغريب في الأمر أن الأمور لا تتحسن، بل تزداد سوءا من وقت لآخر، والخاسر الأكبر من هذا الصراع هو صلاح نفسه بإصراره على نسف صورة الشاب المثل الأعلى والقدوة للشباب والأجيال الصاعدة، بعدما دمر شعبيته عند شريحة لا يُستهان بها في “السوشيال ميديا” بشكل متقطع على مدار آخر عام ونصف العام.
بداية التحول
بالعودة بالذاكرة إلى الوراء حوالي عامين، تحديدا قبل سفر مصر إلى روسيا للمشاركة في نهائيات كأس العالم 2018، بعد غياب دام عن المحفل العالمي قرابة ثلاثة عقود، وآنذاك أخطأ الاتحاد المحلي بوضع صورته على الطائرة الخاصة المخصصة لسفر البعثة إلى مقر إقامة المنتخب في روسيا، باستخدام حقوق صورته في إعلان إحدى شركات الاتصالات التابعة للحكومة، في الوقت الذي كان يرتبط فيه مع الشركة البريطانية الشهيرة، وبعد ضغط كبير منه بمساعدة متابعيه، وما أكثرهم في مواقع التواصل الاجتماعي، نجح في معركته مع الاتحاد، وأجبره على حذف صورته، لتفادي دفع مخالفة بنود عقده مع الشركة العالمية والتي كانت تقدر بنحو 100 مليون جنيه بالعملة المصرية، منذ تلك اللحظة، تحولت علاقته بكل شيء مسؤول عن كرة القدم المصرية من النقيض إلى النقيض، تارة بفتح النار عليهم للمطالبة بحقوقه المادية والأدبية، بوضع “بادي غاردات” خاصة له أثناء وجوده في معسكرات منتخب مصر، وأيضا بسلاح “السوشيال ميديا”، ببث أول فيديو “لايف” في حياته، ظل يروج له بالساعات، وفي الأخير نشره بشكل مسجل، وتارة بإطلاق العنان لنفسه بتصريحات غير موفقة، أشهرها على الإطلاق كلماته الخالدة في مؤتمر ترويجي لأحد البنوك المصرية، بالتحقير في “المينتاليتي” الخاصة بالمصريين، وأنه الوحيد في الوطن العربي وأفريقيا الذي وصل لهذه المكانة بفضل “المينتاليتي” التي تُميزه عن الجميع بدون استثناء.
هنا وضع نفسه في مفترق طريق مع قطاع كبير من مؤيديه في مكانه المفضل، وما زاد الطين بلة، ادعاؤه في رده على هذه الانتقادات، بأنه بات أكثر “نضوجا”، ولم يعد يهتم بالسوشيال ميديا ولا يتابعها من الأساس كما كان في الماضي، وفي الأشهر القليلة الماضية، تسارعت الأحداث بعدة مواقف أفقدته الكثير من شعبيته، منها على سبيل المثال استنجاده بالشرطة لعدم استقبال أهل بلده قبل صلاة عيد الأضحى، وسبقها بموقف صادم للرأي العام، بدعم لا يُصدق لعمرو وردة، ليعيده مرة أخرى إلى معسكر المنتخب أثناء البطولة الأفريقية، رغم الفظائع التي ارتكبها زميله السكندري، ناهيك ما فعله بعد حادثة محطة رمسيس، التي أودت بحياة 20 مصريا، فبينما كان الحزن يعم أرجاء البلاد، طالعنا بصورته مبتسما على “فيسبوك”، والمثير للريبة، أن أكثر من 90% من التعليقات، طالبته بحذف الصورة على أقل مراعاة لشعور الناس الحزينة في بلده، لكنه لم يحذفها حتى يومنا هذا، هذا بخلاف صدمة البعض من صوره الجريئة مع الجميلات، كصورته مع عارضة الأزياء البرازيلية أليساندرا أمبروسيو على غلاف “GQ”، وصورته مع الفنانة اللبنانية جيسي عبده، ما اعتبر من قبل البعض بالسلوك غير اللائق بالنسبة لشاب مثل صلاح، من المفترض أنه “مسلم مُلتزم”، بصرف النظر عن نجوميته العالمية. وجاءت الضربة القاضية بحذف وصف “لاعب منتخب مصر” من حسابه على “تويتر”، ردا على عدم التصويت له في استفتاء الفيفا الأخير، وما تبعه من تهديد باعتزال اللعب على المستوى الدولي، بجانب موقفه الأخير في حفل “كاف”، ليدفع ضريبة باهظة الثمن، تجلت في ردود أفعال المصريين الغاضبة جدا تجاهه، ليورط نفسه في موقف لا يُحسد عليه، رغم أنه بقليل من الحكمة، كان بإمكانه نزع فتيل الأزمة من الأساس، بل بدون مبالغة، كان يستطيع أخذ اللقطة من ماني، إذا كرر ما فعله لوكا مودريتش مع ليونيل ميسي بتسليمه جائزة “الكرة الذهبية”، فما بالك أن تأتي من صلاح ومن قلب بلده لزميله في الفريق، لنا أن نتخيل كم مرة سنقرأ “الله على أخلاقك يا فخر العرب” كلما حاولنا تصفح إحدى منصات التواصل الاجتماعي، لكنه أضاع على نفسه خطف الأضواء من أفضل لاعب أفريقي، وأضاع على نفسه أيضا فرصة لم شمله بمتابعيه في “السوشيال ميديا” بعد خسارة شريحة عريضة بتصريحاته التي أظهرته بثوب المغرور والمتكبر في بعض الأوقات، فرص بالجملة أهدرها بقرار غير محسوب، والسؤال الآن: هل سيتعلم من هذا الدرس الملموس أكثر من غيره؟ أم سيواصل عناده على نفسه ويخسر المزيد من قاعدته الجماهيرية العريضة؟ عموما الأمر يبقى متروكا له، لكن قبل أي شيء عليه أن يُدرك أن “المينتاليتي” تحولت لنقمة عليه، وإن لم ينتبه حتما سيكون القادم أسوأ.
الأفضل في أفريقيا
من المرات النادرة التي تتفق فيها الأغلبية على اختيارات الأفضل في حفل “كاف”، بالنسبة للجائزة الأهم “أفضل لاعب”، فهي كانت شبه مضمونة ومحجوزة لساديو ماني، بعد عامه المذهل سواء مع ليفربول أو منتخب بلاده، بتوقيعه على 34 هدفا وتقديم 12 تمريرة حاسمة من مشاركته في 61 مباراة في ناديه ومنتخبه، غير أنه فاز بجائزة هداف الدوري الإنكليزي الممتاز مشاركة مع صلاح وأوباميانغ، واحتل المرتبة الرابعة في قائمة “الكرة الذهبية” والخامسة في “الأفضل” من قبل الفيفا، والأهم تأثيره الكبير مع ليفربول في الفوز بالثلاثية غير المسبوقة لأي فريق إنكليزي بتحقيق دوري أبطال أوروبا، والكأس السوبر الأوروبي وكأس العالم للأندية في عام ميلادي واحد، مع مساهمته في وصول منتخب بلاده لنهائي أمم أفريقيا، وهذا الموسم فقط، سجل مع ليفربول 15 هدفا وقدم 11 تمريرة حاسمة في 28 مباراة، لذا لم تكن صدفة أبدا أن يجمع 477 صوتا في التصويت مقابل 152 لصلاح. وبالنسبة لجائزة أفضل لاعب صاعد، فلا خلاف أبدا على أحقية الشاب المغربي أشرف حكيمي، بعد الطفرة الهائلة في مستواه مع بوروسيا دورتموند، والتي جعلت ريال مدريد يتخذ قرارا بإعادته مرة أخرى في فصل الصيف المقبل، لينافس داني كاربخال على مكان في مشروع زين الدين زيدان الأساسي، أيضا نجم الترجي التونسي يوسف بلايلي استحق جائزة أفضل لاعب داخل القارة، بعد دوره الكبير في احتفاظ فريقه بدوري أبطال أفريقيا مرتين على التوالي، والمشاركة الجيدة في كأس العالم للأندية، نفس الأمر بالنسبة للهيمنة الجزائرية على باقي الجوائز، كأفضل منتخب في أفريقيا باعتباره البطل المتربع على عرش القارة بعد حملته المميزة في القاهرة 2019، وبالتبعية مدربه الوطني جمال بلماضي لم ينافسه أحد في جائزة أفضل مدرب أفريقي، بعد نجاحه في إعادة هيبة محاربي الصحراء، بعد فترة من التذبذب والتراجع منذ الوصول للقمة في مونديال البرازيل 2014، ويكفي أنه كان ضمن القائمة المرشحة للفوز بجائزة أفضل مدرب في العالم من قبل الفيفا برفقة يورغن كلوب وبيب غوارديولا والبقية، حتى هدف رياض محرز بصوت طيب الذكر حفيظ دراجي “حطها يا رياض” في مرمى نيجيريا، من الصعب الاختلاف على أحقيته للفوز بجائزة هدف العام، أما باقي جوائز الحفل، فكانت من نصيب العنصر النسائي والتكريمات، بتتويج منتخب الكاميرون للسيدات كأفضل منتخب في القارة، واللاعبة النيجيرية أسيسات أوشوالا أفضل لاعبة، ورئيس نادي مازيمبي رجل الأعمال الكونغولي موسى كاتومبي، كأفضل رئيس نادي والاتحاد المصري فاز بالجائزة التي سخر منها صلاح.
الفائزون والفائزات
أفضل لاعب: السنغالي ساديو ماني (ليفربول الإنكليزي)
أفضل لاعبة: النيجيرية أسيسات أوشوالا (برشلونة الإسباني)
أفضل لاعب شاب: المغربي أشرف حكيمي (بوروسيا دورتموند)
أفضل لاعب داخل القارة: الجزائري يوسف البلايلي (الترجي التونسي/أهلي جدة السعودي)
أفضل مدرب: الجزائري جمال بلماضي (المنتخب الجزائري)
أفضل مدرب كرة نسائية: ديزيري إليس (مدربة منتخب جنوب أفريقيا)
أفضل منتخب: المنتخب الجزائري
أفضل منتخب نسائي: المنتخب الكاميروني
أفضل رئيس ناد أفريقي: مويس كاتومبي رئيس نادي مازيمبي الكونغولي
أفضل هدف: الجزائري رياض محرز في مرمى نيجيريا بكأس الأمم الأفريقية 2019
أفضل اتحاد وطني: الاتحاد المصري
الجائزة الخاصة: التوغولي كوديوفي أوبيلالي
التشكيلة المثالية :
حراسة المرمى: الكاميروني أندري أونانا
الدفاع: المغربي أشرف حكيمي والسنغالي كاليدو كوليبالي والكاميروني جويل ماتيب والإيفواري سيرج أورييه. في الوسط: الجزائري رياض محرز والمغربي حكيم زياش والسنغالي إدريس غايي. وفي الهجوم: المصري محمد صلاح والسنغالي ساديو ماني والغابوني بيير إيمريك أوباميانغ.