«كنتُ قائد شرطة»… نقد السُلطة في المجاز القصصي

من أول وهلة تأخذنا هيبة العنوان، فنظن أننا أمام عمل إبداعي محظور، أو شبه محظور، لكن ثمة فضول يدفعنا إلى القراءة لنتعرف على مقاصد الكاتب، الذي اختار عنواناً شائكاً ليعبر به عن مواطن الاشتباك مع القوة السُلطوية، التي واجهها بطل قصته، وهو لا يزال تلميذاً نشيطاً يشارك في جماعة الشرطة في المدرسة، ويقف عند حدود الوعي الأولى لمفهوم التسلط ومعنى الحرية المسلوبة.
في المجموعة القصصية «كنتُ قائد شرطة» للكاتب حمدي حسين، تتفتح آفاق جديدة لعلاقة الإبداع الأدبي بعوالم السياسة وأجوائها، كما يراها البطل في طفولته المتأخرة، بحسب انطباعه المرتبط ببراءة المرحلة التي يعيش فيها باحثاً عن إجابات لأسئلة تؤرقه عن المجتمع المدرسي، الذي يمثل صورة مُصغرة من الحياة العامة، حيث كل شيء يخضع لموازين القوة، ولا مكان فيه لضعيف أو مسالم أو غر غرير، غير أن النجاح والتفوق لا يكفيان لحمايته من عدوان الأقران، وربما يكون دافعاً قوياً للاعتداء عليه.
تلك الإشكالية يضعها الكاتب نواة لقصته الرئيسية المعنونة بها مجموعته، في إلماح لوجود هم عام ومرض اجتماعي متأصل في ثقافة البيئة، التي نشأ فيها ذلك الطفل الصغير، وانسحبت تداعياتها ومفاهيمها على واقع الأبطال الآخرين في بقية القصص، بتنوع مختلف تحدده السياقات والأفكار وظروف الكتابة، في كل قصة.
ويدل التصدير الذي نشره القاص حمدي حسين في ظهر الغلاف الأخير، عامداً إلى بلورة المعنى الكلي للأجواء الإبداعية التي دارت خلالها الأحداث، على وعيه الخاص والشخصي بما يطرحه، متضمناً في جوهر الكتابة وخلفيات الأبطال وظروفهم، فضلاً عن انطلاقه من ثقافة تراكمية، جعلت الحس السياسي المعارض لديه هو الأوضح في الأزمنة الدرامية المتباينة، فهو يقول في بعض عباراته، لم أقف طويلاً أمام نفسي لأقول أنني فاسد، لستُ استثناء ـ والكلام هنا يجري على لسان إحدى الشخصيات من المتورطين في الفساد، ويتمادى في الاعتراف متسائلاً ومؤكداً.. تربحت من وظيفتي؟ نعم ربحت الكثير، لكن أبداً لم يخالجني شعور بأنني مُذنب. جرأة تُحسب للكاتب الذي انتهج منهج الفضح والصراحة، ليكشف الغطاء عن القضايا والدنايا التي لا يعرفها القارئ عن مجتمع الوظائف الكبرى والصغرى، وما يجري في دهاليز المؤسسات والدواوين من تجاوزات وجرائم وحكايات مسكوت عنها، ولا قبل لأحد بالبوح بتفاصيلها.

يجنح الكاتب في قصته الأخيرة «المرآة السحرية» إلى فكرة الإيهام وما يسببه من خروج عن المنطق، إذ يقدم لنا الأصل والصورة في التكوين الإنساني، ويضع الشخص أمام نفسه، ليكون شاهداً عليها

دلالات وفرضيات تشي بها السطور ولا تخرج عن واقعية النصوص، ولكن مدارات موازية لعلاقات سوية، وقصص رومانسية يفرد لها صاحب المجموعة مساحة كي تتنفس الحقيقة هواءها بعيداً عن التلوث، فيكتب في قصة «القديسة مريم» عن علاقة عاطفية نشأت بين اثنين من الزملاء، عبر سنوات الدراسة ولم تخرج عن نطاق الحرم الجامعي، فصارت العلاقة منسية بعد مرور وقت طويل، وتباعد المسافات بين رئيس اتحاد الطلاب المشغول بقضية الوطن، والطالبة الأرستقراطية، التي لم تكن ترى في ذلك إلا ملامح مراهقة وتهورا وانفعالات صبيانية، رغم أنها لم تُخف يوماً حُبها وإعجابها بالفتى اليافع الذكي.
ويتصاعد الخط الدرامي للقصة في تشويق وإثارة، لنرى كيف التقى الحبيبان كالغرباء بعد ربع قرن من الزمان، بعد أن فرقت بينهما الظروف، وطوت قصتهما الأيام، وهي إشارة لموت العواطف في بلاد تعاني الطبقية، وتئن من الخوف، ذلك العدو الذي يقف بالمرصاد لكل حُلم.
وفي قصة «صلاح مات» يعود بنا حمدي حسين إلى يوم اغتيال الرئيس السادات، ليصوغ لنا بعناية أجواء الاضطراب والحزن، ويُعمل العقل في قراءة المشهد السياسي، ويفرق بين وجهات النظر المعارضة للرئيس الراحل، والشعور الاستثنائي لرب العائلة، الذي بكى السادات بحسرة، ورفع الشارة السوداء فوق بيته دليلاً على الحداد، وفي تلك القصة يُبرز الكاتب والقاص الرؤية المغايرة لموت الشخصية القيادية المختلف عليها، ليؤكد على نسبية الآراء المكونة لوجهات النظر في بعض الأشياء، نافياً القطع بوجود رأي واحد في أي من أوجه الحياة، ولو اتصل ذلك بالشخصيات أو الأحداث أو التواريخ، فهناك من يعتبر السادات شهيداً وهناك من يعتبره قتيلاً.
ويجنح الكاتب في قصته الأخيرة «المرآة السحرية» إلى فكرة الإيهام وما يسببه من خروج عن المنطق، إذ يقدم لنا الأصل والصورة في التكوين الإنساني، ويضع الشخص أمام نفسه، ليكون شاهداً عليها، فهو يتخيل وجود مرآة سحرية تكشف عمق الإنسان وماهيته وتكوينه، ويـــرصد ردود أفعال الشخصيات المنحرفة حيال الرؤية المتخـــــيلة عن حقيقتهم، التي لا يعرفها سواهم ومدى قلقهم من ظهورها على سطح المرآة، كدليل على الازدواجية التي يعيشونها ويمــــارسونها تحت غطاء الاضطرار، أو بموجب التكيف مع الواقع، كي لا يســــيروا في الاتجاه المعاكس.
نقد ذاتي يضيف بعداً مهماً للحالة القصصية ووظيفة الإبداع، كمؤشر للرصد والتحليل في استبيان المضامين والوقوف على المضيء والمعتم في النفس البشرية وما يصدر عنها وما تواريه.

٭ كاتب من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية