منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي بدأت ما بعد الحداثة في اجتياح معظم الحقول الإبداعية في العالم الغربي وفي مقدمتها الفنون، وقبل أن ترسخ معالمها في تلك الفترة كانت خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين في حال مخاض وتعبير عن مواجهة حادة مع فنون الحداثة التي في ما إذا لو دققنا في سياق تشكلها التاريخي سنصل إلى أنها قد رسخت جذورها في منظومة الثقافة الغربية عبر عقود من الزمن توالى على تفعيلها وتكريسها عديد الأسماء والظواهر الفنية.

العلاقة مع الفنان
من المنطقي جدا أن لا يخضع الفنان إلى معايير ثابتة تقف حائلا أمام كشوفاته، والحداثة ذاتها بكل ما منحته من آفاق أمام الفنان للتعبير عن حريته الذاتية وفي تجاوز ما هو قائم، إلا انها وصلت في علاقتها معه إلى لحظة مفارقة بعد ان تحولت إلى أطر معيقة تنتمي في قيمها ومعاييرها إلى زمن الأنظمة الشمولية الاستعمارية التي كانت عنوان النصف الأول من القرن العشرين بكل ما يحمله من مواجهات ايديولوجية ما بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي.
مع كل ذلك فإن ما قدمته “الحداثة” الغربية للمعرفة الإنسانية كان بغاية الأهمية، وهذا بدوره يقودنا إلى أن نجري مقارنة بينها وبين ما بعد الحداثة خاصة ما يتعلق برؤية بنية العمل الفني، حيث انتقلت نظرة الإنسان من مساحة المعرفة القائمة على التأمل في فنون الحداثة إلى المعرفة التي تتعامل وتتفاعل مع التقنية في ما بعد الحداثة، وهذا تحول جوهري من الناحية الفلسفية والإجرائية.
شكل صارم
وإذا ساقنا الحديث إلى تناول ما له صلة بهذه التحولات الفكرية في إطار الفنون سنجد أن ما بعد الحداثة ولدت من رحم المواجهة مع قيم الحداثة وتعارضها مع انجازاتها التي سادها انضباط شكلي وقياسات مرسومة بدقة، ولم تكن الحداثة في تعريف الماركسية الغربية وحسب جورج لوكاش إلا باعتبارها “عرضا من أعراض الاضطراب في ظل الرأسمالية” وآلت بقدر ارتباطها بالعلاقات المتغيرة في الثقافة الغربية إلى الانزواء في أركان هذه الحضارة الرأسمالية داخل المتاحف والمعارض الفنية والمكتبات، وعلى الوجهة الأخرى فإن بيتر بروكر في كِتابه “الحداثة وما بعد الحداثة” يشير في مقدمته إلى ان “فنون ما بعد الحداثة جاءت لتهجر هذه الأركان وفي جعبتها الارتماء في أحضان التقنيات المحلية وما تتيحه من امكانات، مندفعة نحو إثراء الأطر الثقافية الخارجية والتوجهات المتقلبة”.
أسباب الظهور
الحديث عن ما بعد الحداثة يقودنا بلاشك إلى أن نعيد طرح السؤال الأساسي الذي يدور حول الأسباب التي أفضت إلى ظهورها، خاصة وأن الحداثة التي بدأت بواكيرها مع القرن الخامس عشر الميلادي، أي مع عصر النهضة، ثم العصر الكلاسيكي وصولا إلى منتصف القرن العشرين، وكانت قد قدمت خلال هذا المسار الطويل للثقافة الإنسانية ميراثاً هائلا من الأساليب والمدارس الفنية في كافة الحقول الإبداعية، وتمخضت عن ذلك ذائقة فنية بات لها ما يسندها من المعايير التي تبتعد كثيرا عن الأطر الكلاسيكية في فهم وتقييم النتاج الفني. والحديث عن المقدمات لابد أن يعود بنا ايضا إلى الأجواء التي مهدت لظهور ما بعد الحداثة آخذين بنظر الاعتبار الظروف التي كانت سائدة في أوروبا خلال النصف الأول من القرن العشرين، وما كانت عليه من تعقيدات نتيجة الكوارث التي أفرزتها الحربان العالميتان، وما كان عليه المجتمع الدولي من انقسام حاد ما بين الرأسمالية في الغرب والشيوعية في الشرق، وما نتج عن ذلك من هيمنة استعمارية على الشعوب تقاسمها الاتحاد السوفييتي من جهة والغرب الرأسمالي بقيادة الولايادة المتحدة من الجهة الأخرى، فكانت الحداثة في الإطار الثقافي معادلا موضوعيا عن هذه الهيمنة وتعبيراً عن انسحاق الهوامش تحت ظلالها. بمعنى أن الحداثة كانت في واحدة من دلالاتها تشخيص وتلخيص لحال الاستلاب والاستغلال البشع الذي فرضته سرديات القوى الكبرى على سرديات ما يطلق عليه بالعالم الثالث، وهذا المناخ الثقافي الذي أشاعته فنون الحداثة كانت له معاييره الصارمة التي ترسخت على شكل مقولات وفرضيات ومناهج تمكنت من إزاحة فنون الهوامش من المشهد الثقافي الإنساني مقابل هيمنة الفن الغربي، فكان للحداثة، وهي هنا غربيّة بامتياز، خطاب واضح وعقلاني تم تقنينه وقولبته بمفاهيم ليس من الصعب العثور عليها في بنية العمل الفني سواء في لوحات الرسام النمساوي إيجون شيلي (1890 – 1918) أو كوستاف كليمنت (1862 – 1918) أو في تصاميم المهندس المعماري لوكوربوزيه (1887 – 1965).
الحداثة في تناولنا لها يتحدد معناها في الفترة الزمنية التي مرت بها الحضارة الإنسانية في القرنين الماضيين كما أشرنا، وتعني كل ما يتعلق بأنشطة الإنسان في السياسة والعمارة والفنون والملابس وكل شيء له صلة بالنشاط الانساني، ولم تكن مفهوما يتم تداوله في الفضاء الثقافي بقدر ما كانت تعبيرا عن رؤية شاملة تتجاوز ما كان قائما من مفاهيم يتعامل بها الإنسان، بذلك تصبح الحداثة منطلقا يتسم ببعده الواسع ويشير إلى خطاب شامل في بعده الحضاري، وبإطاره هذا سيكون متاحا أمامه ان يستوعب ما هو سياسي واقتصادي وثقافي، بكل التنوع والفروقات المحلية التي تفرضها البيئات الاجتماعية المختلفة وما تفصح عنه من موروثات ثقافية يخضعها جميعها إلى بنية الحداثة الغربية وقيمها التي قننتها بشكل صارم في منظومة من الأطر.
خطاب تحرري للهوامش
أما في ما يتعلق بتوسع نطاق ظاهرة ما بعد الحداثة وبقدر ارتباط تميزها بالثقافة الانكلو أمريكية والأوروبية في النصف الثاني من القرن العشرين وما اتسمت به من نزعة في تفتيت يقينيات سائدة كرستها حداثة غربية خلال قرنين من الزمان، سيكون من الصعب على ما بعد الحداثة ان تواجه فروضات باتت على شكل قيم ثابتة ونواميس فنية عممتها الحداثة من غير ان تستغرق وقتا طويلا حتى تفتتها، بمعنى انها لم تكشفت عن تكاملها الرؤيوي مع بداية ظهورها مطلع سبعينيات القرن العشرين، إذ لم تكن تحمل بين طيات خطابها رؤية نظرية متكاملة في حدود أبعادها التنظيرية ونتائجها التطبيقية، وهذا أمر يبدو منطقيا وكثيرا ما تشير إلى ذلك الدراسات النقدية التي رصدتها وتابعتها منذ بواكيرها الأولى، وبطبيعة الحال هذا لا ينطبق على ما بعد الحداثة فقط، انما يتجاوزها إلى معظم التيارات الفنية التي شهدها تاريخ الفن بكل أساليبه ومدارسه التي عرفها خاصة بعد النهضة الأوروبية.
في مقابل ذلك بدأت فنون ما بعد الحداثة تطرح نفسها باعتبارها خطابا تحرريا للهوامش في مواجهة ثقافة المركز ممثلة بالحداثة. وفنون العمارة تجلت فيها قيم ما بعد الحداثة بشكل جلي كما في أعمال المعماري فيليب جونسون (1906 – 2005) والمعمارية البريطانية العراقية الأصل زها حديد (1950 – 2016) وهذا ما يشير إليه المهندس المعماري الأمريكي تشارلز جينكس المولود عام 1929 في دراساته المهمة عن ما بعد الحداثة في الفن المعماري ضمها في 25 كتابا صدر له، حيث يعزى إليه انه أول من استخدم مصطلح “التشفير المزدوج” الذي يعني الجمع بين التقنيات الحديثة وشيء آخر وعادة ما تكون المباني القديمة، ويرى جينكس في كتابهwhat is past- modernism “أن ما بعد الحداثة ترمي إلى انجاز الوعد العظيم بثقافة تعددية بحرياتها الكثيرة”. وفي هذا الرأي إشارة إلى أن الحداثة من وجهة نظره كانت تعني انغلاقا على نظام شكلي واستبعاد ما هو مختلف من أشكال أخرى، وهذا بالنتيجة مسار يفضي إلى فرض مبادئ محددة، ومن هنا فإن جينكس يربط الفن المعماري ما بعد الحداثي بالانتقائية والانفتاح، وهذا ما أشار إليه ستيوارت سِم في كتابه “دليل ما بعد الحداثة ” ترجمة وجيه سمعان عبد المسيح.
مصطلح ما بعد الحداثة
على ذلك فإن النتاج الإبداعي الذي بدأت تقدمه لنا فنون ما بعد الحداثة، هنا وهناك، خاصة في القارة الأوروبية التي كانت البيئة الطبيعية التي احتوتها وازدهرت فيها كان لابد له أن يبحث عن إطار نظري يضبطه في معايير واشتراطات، بالتالي يضعه في سياق رؤية فلسفية تصهره في بوتقة واحدة حيث يمكن من خلالها الإشارة إليها وتمييزها عن الإرث الحداثوي، وهذا ما تم انجازه في بعده التنظيري والتطبيقي في ما بعد.
ولابد من الإشارة إلى ان مصطلح ما بعد الحداثة استخدم لأول مرة في سبعينيات القرن التاسع عشر، حيث أعلن جون واتكنز تشابمان “نسقا من اللوحات الفنية ما بعد الحداثي” تجاوزا للانطباعية الفرنسية. ثم استخدمها جي. إم. ثومبسون في مقالة نشرها عام 1914 في مجلة “هيبرت” التي تعنى بالفلسفة وفي ما بعد استخدمها الناقد الاسباني فيدريكو دي أونيس في كتابه “مختارات من الشعر الأمريكي اللاتيني المعاصر” الصادر عام 1934.
مفهوم اشكالي
ما بعد الحداثة لم تعد مفهوما يتم تناوله في دائرة ضيقة من النخب التي تغلب عليها الطروحات ذات البعد الأكاديمي بقدر ما توسع تأثيرها إلى أبعد من ذلك بكثير وعلى وجه الخصوص في الإطار الثقافي، فباتت ميدانا للجدل وتبادل الأفكار، بمعنى انها أمست مسألة تطرح في دائرة إشكالية، خاصة في المجتمع الغربي لأن هذا المجتمع كان معنيا وبشكل حثيث عبر مؤسساته وفي مقدمتها المؤسسات الثقافية إلى تفحص وقراءة ما هو متراكم من نتاج فني سبق أن تم انجازه في رحلة الحداثة الأوروبية على مدى قرنين من الزمان، والقراءة تهدف في مبتغاها الوصول إلى نقطة يتم فيها تجاوز هذا الإرث، من حيث الرؤية والأسلوب والتقنيات، إضافة إلى إعادة تقييم وتشكيل العلاقة ما بين العمل الفني والمتلقي، وهذا ما تفتقده مجتمعاتنا في بنيتها الثقافية العربية التي عادة ما تكرس القيم التي أفرزها الماضي وتضفي عليها في أغلب الحالات هالة من التقديس سواء في ما يتعلق بالأسماء أو الظواهر.