ضمن سلسلة ندوات الذكرى المئوية لثورة 1919: مذكرات النحاس في المنفى وموقف أمريكا من الثورة

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ــ «القدس العربي»: لم تقم ثورة 1919 من أجل رجل واحد، حتى لو كان سعد زغلول زعيم الأمة، فالأحوال كانت في غاية السوء عقب الحرب العالمية الأولى، من ارتفاع أسعار وزيادة بطالة، وفي الأخير فرض الحماية على مصر وإعلان الأحكام العرفية. فلم تكن ثورة 1919 ثورة عابرة في حياة المصريين، ورغم البقاء الفعلي للاحتلال الإنكليزي، إلا أن هناك بعض المكاسب العميقة في روح ووعي الشعب المصري قد تحققت، بداية من مفهوم المواطنة والأمة الذي ترسخ، وابتعد عن فكرة الانتماء الديني، ووصولاً لجعل مصر مملكة وانفصالها التام عن الدولة العثمانية، ورغم التعتيم المقصود من دولة يوليو/تموز 1952 وما بعدها، إلا أن روح هذه الثورة تمت استعادتها وتجلّت في ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني 2011، التي إن عاد بعدها الحكم العسكري، إلا أنها أيضاً خلقت حالة من الوعي، قد يخبو أحياناً، لكنه لم يمت أو ينعدم. كل من الثورتين حققتا ثقة وفكراً ثورياً لدى المصريين ــ نتائج الثورات لم تكن أبداً لحظية ــ فكرة الوعي والقدرة على الفعل هي ما تميزت به كل من الثورتين. لذا كانت مئوية ثورة 1919 جديرة بالاحتفاء. هذا الاحتفاء الذي يُنسب أولاً وأخيراً إلى الشعب المصري نفسه، بغض النظر عن ظروف وسياقات سياسية جاءت بهذا الزعيم أو ذاك.

وفي إطار الاحتفاء بذكرى الثورة، أُقيمت ندوة في مكتبة القاهرة الكبرى لمناقشة كتابين على قدر من الأهمية، أولهما «أمريكا وثورة 1919 .. سراب وعد ويلسون»، الذي أعده محمد أبو الغار. والآخر بعنوان «مصطفى النحاس .. مذكرات النفي»، الذي حققه عماد الدين أبو غازي، وقد صدرا عن دار الشروق، ضمن سلسلة مئوية الثورة.

الدور الأمريكي وثورة 1919

لعل الكثيرين لا يعرفون سوى بريطانيا العظمى وفرنسا ممثلتي القوى الكبرى في ذلك الوقت، ودورهما في الثورة المصرية، ولكن تم اكتشاف دور آخر للولايات المتحدة الأمريكية أيضاً، خاصة بعد ابتعادها عن سياسة العزلة التي انتهجتها، ودخلت كحليف قوى في الحرب العالمية الأولى، حيث شاركت بحوالي مليون و200 ألف جندي، قُتل منهم 116 ألفا، وأصيب 332 ألفا. يقول محمد أبو الغار «كنا نعتقد أن أمريكا لا علاقة لها بثورة 19، إلا أن المتابع للحقبة التاريخية لمصر قبل وبعد الحرب العالمية الأولى، وحكم محمد علي لمصر، ومن بعدها معاهدة لندن، ثم احتلال بريطانيا لمصر، وإعلان الحماية عام 1914 مع إعلان الحرب العالمية الأولى، وإلغاء التمثيل الدبلوماسي المصري، وتبعية الجيش والشرطة والمالية لإدارة بريطانيا، ودخول أمريكا الحرب العالمية الأولى بعد 3 سنوات من اندلاعها، بقوة كبيرة، ما يؤكد دورها الخطير والحاسم في إنهاء الحرب لصالح الحلفاء، ولذلك كان يتم تنفيذ كل ما تطلبه أمريكا، فإذا أرادت حينها استقلال مصر لكان لها ما شاءت». ونظراً لهذا الدور فقد وعى سعد زغلول مبكراً بأهميته، فأرسل برقية إلى الكونغرس يقول فيها «إن الكونغرس المنتخب ديمقراطياً يجب أن يؤيد حق الشعوب في الحكم الديمقراطي وحق تقرير المصير»، وقرر إرسال وفد مصري إلى أمريكا لمقابلة الكونغرس، والتعاون مع المحامي الأمريكي فولك، ليكون محامياً للمسألة المصرية أمام الكونغرس، ومدافعاً عنها في الصحافة الأمريكية.

أشار عماد أبو غازي محقق المذكرات أو اليوميات، إلى أنها المرّة الأولى التي تُنشر فيها مذكرات مصطفى النحاس بخط يده، وتعرض لفترة نفيه مع سعد زغلول ورفاقه إلى جزيرة (سيشيل)، حتى تم الإفراج عنهم وعودتهم إلى مصر.

أما عن دور ويلسون فيشير أبو الغار إلى خطابه في 8 يناير 1918 أمام الكونغرس وإعلان مبادئه الـ14، التي تتلخص في إقرار سلام دائم وعادل في العالم وخفض التسلح وحق تقرير المصير للشعوب، وتحرير البلاد المحتلة مع حرية التجارة والملاحة في العالم، وهو ما دعا سعد زغلول للسفر مع الوفد المصري إلى باريس، للمطالبة بإلغاء الحماية واستقلال مصر في مؤتمر فرساي، لكنه فوجئ بأن مؤتمر الصلح وافق بقيادة ويلسون على استمرار الحماية البريطانية على مصر.
فالرئيس الأمريكي وإن كان جاداً في دعوته التحررية وقتها، إلا أنه كان يقصد الشعوب الأوروبية، بدون افريقيا والشرق الأوسط. فالمبادئ كانت تخص أولاً وأخيراً أصحاب البشرة البيضاء.
اعتمد أبو الغار في بحثه هذا على نصوص البرقيات بين وزير خارجية أمريكا وقنصلها في مصر، وبرقيات بين وزير خارجية أمريكا ووزير خارجية بريطانيا، والمراسلات بين الخارجية الأمريكية والسلطان فؤاد والحكومة المصرية، وقرار الحكومة الأمريكية بخصوص مصر عام 1919، ونص مرافعة المحامي فولك للدفاع عن مصر أمام لجنة العلاقات الخارجية، والجلسة العامة لمجلس الشيوخ الخاصة بمصر، وكذلك تقارير المخابرات الأمريكية في مصر المرسلة إلى أمريكا، وتقارير البوليس المصري المرسلة للخارجية البريطانية ومنه إلى الأمريكية، ووثيقة ويلسون الشهيرة، إضافة إلى الاطلاع على الصحافة الأمريكية خلال تلك الفترة، خاصة تقارير مراسل صحيفة «نيويورك هيرالد» في مصر.

النحاس ومذكرات النفي

لم يذكر اسم مصطفى النحاس (15 يونيو/حزيران 1879 ــ 23 أغسطس/آب 1965) منذ نهاية أزمة مارس/آذار عام 1954، إلا مصحوباً باللعنات والأكاذيب حول سيرته، لكن يوم جنازته، الذي احتشدت له فيه الجماهير، كان رداً غير متوقع من الشعب المصري على السلطة التي حاولت وستحاول دوماً في ما بعد تزييف الحقائق، وصولاً إلى تزييف الوعي. ويأتي كتاب «مصطفى النحاس.. مذكرات النفي» محاولة لمعايشة أجواء تلك الفترة، ربما تتحقق فكرة الوعي التاريخي ولو بعد حين.
بداية أشار عماد أبو غازي محقق المذكرات أو اليوميات، إلى أنها المرّة الأولى التي تُنشر فيها مذكرات مصطفى النحاس بخط يده، وتعرض لفترة نفيه مع سعد زغلول ورفاقه إلى جزيرة (سيشيل)، حتى تم الإفراج عنهم وعودتهم إلى مصر. وتبدأ بعودة سعد زغلول لمصــــر بدعــــوة من عـــدلي يكن رئيس الحكـــومة، للمشــــاركة في وفد مـــوحـــد للتفاوض مع الاحتلال، ليضع سعد عدة شروط منها، أن يرأس وفد المفاوضات بصفته ممـــثلا للأمة، وإنهاء الأحكام العرفية، ورفع الرقابة عن الصحف، وهي الشروط التي يقبلها عدلي يكن، باستثناء أن يرأس سعد زغلول المفاوضات، بل يرأسها هو بصفته رئيساً للحكــــومة، وهو الموقف الذي تؤيده أغلبية أعضاء الوفد، ليعلن سعد زغلول في مؤتمر جماهيري عدم مشاركته في المفاوضات، إلا بوفد برئاسته، ومن هنا بدأ الشــــقاق داخل الوفد، لتتم المفاوضات بعيدة عن سعد زغلول وتنتهي بالفشـــل، ثم القبض على سعد زغلول ورفاقه الستة ونفيهم إلى السويس، لتنتهي عند تلك الأحداث، الكراسة الأولى التي سماها مصطفى النحاس بـ»عهد العنف والشدة والإرهاب». ثم الكراسة الثانية التي يسجل فيها النحاس ما يحدث على الجزيرة ومناقشات الرفاق والمضايقات التي تعرضوا لها يوما بيوم، أما الأخيرة فتوضح مدى متابعتهم الدقيقة للأحداث السياسية في مصر، وتعليقاتهم على التغيرات والتطورات السياسية على الساحة المصرية والدولية، كذلك البرقيات والرسائل التي كانت ترد إليهم بشكل شبه يومي، غير قاصرة على مراسلات أفراد عائلاتهم أو أعضاء الوفد، بل من مختلف فئات المجتمع، كالنقابات العمالية والتجمعات النسائية والنوادي ومجموعات كثيرة من الطلاب.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية