باتت وظيفة الفن في الرؤية الحداثية، كما يقول أرنست فيشر هي: «فتح الأبواب المغلقة، لا ولوج الأبواب المفتوحة»، أي البحث عن المستغلق في أعماقنا ومكنوناتنا، وهذا ما دفع ماركيز إلى التأكيد بقوله: يجب دفع القص إلى أقصى حد، ليتجاوز كل واقع. والواقع هنا ـ كما أرى ـ كل رؤية لا تتعمق الظاهر والسلوك، وتكتفي برصده فقط.
وبناء عليه، لا يقوم المفهوم الحداثي للفن على الرؤية التقليدية المتمثلة في تقديم الأمل، ووصف انتصار الخير ضد الشر، وإن كان هذا لا يزال يحدث، بل يسعى المبدعون الحداثيون إلى تقديم المزيد والدقيق عن الحالة والواقع الإنساني في لحظات الحكي، تقديمًا عميقًا بدون تزييف، ويُترَك الأمر بعد ذلك للقارئ، يستنتج ما يريد من خلال تجربته هو كقارئ، فتحول القارئ إلى مبدع إيجابي غير مسترخ، وإن كان هذا يحدث على درجات عديدة في الآداب والدراميات السابقة، ولكنه أضحى مع رؤية المبدع المعاصر، من الأمور التي تصاحب المبدع في لحظات إبداعه، كما هي تصاحب القارئ في تلقيه.
فالفهم الحداثي لذات الإنسان، لم يقف عند الذات المبدعة فقط، ولا عند تشريح شخوص القص، بل تعداه إلى إشراك المتلقي في النشاط الإبداعي على اعتبار أن الإبداع لا يُفسَّر من ركن واحد، ولا من رؤية مسبقة، بل هو جزء من الفعل الإنساني، الذي لا يخضع لدافع نفسي واحد أيضًا. ويتجلى هذا المفهوم في تيار الوعي، الذي هو أحد أبرز سمات فن القص الحداثي، ولعل المفهوم المبسط لمصطلح «تيار الوعي»، هو ذلك المفهوم الذي قدمته فرجينيا وولف في مؤلفها الشهير «القارئ العادي»، حيث لمسنا تحديدًا للمصطلح بشكل مبسط، صاغته مترجمة الكتاب بقولها : «إنه أسلوب التسلسل العفوي»، وحددته أكثر بـ»أنه أسلوب الشيء بالشيء يُذكر» وهو في ظاهره مفهوم مبسط، ولكنه ينطوي على جوهر هذا الأسلوب الفني، الذي أضحى من سمات القصص خاصة، والفن بشكل عام في القرن العشرين.
فعندما يذكر أحد الأمور، فإن العقل سرعان ما يتداعى إليه ـ بشكل عفوي ـ ما يتصل بهذا الأمر، سواء مما يحبه الفرد أو ما يكرهه. وفي تلك اللحظة، فإن قرار الفرد أو سلوكه سيتحدد بناء على تلك الخلفية المتداعية. وقد يكون الأمر جديدًا عليه، وحينئذ تتوزعه أيضًا مجموعة من المشاعر التي تتباين بين الرغبة في المعرفة والخوف من الجديد. وهذا لا شيء فيه على صعيد الواقع الإنساني المعتاد منذ فجر الخليقة، فما الجدل، إذن، إزاء ذلك المصطلح؟ مشروعية السؤال تأتت من المعرفة المبسطة السابقة، ولكن على مستوى الفن القصصي خاصة، كان الأمر جد مختلف. فالقص موضوعه منذ الأزل علاقة الإنسان مع أخيه، أو مع الطبيعة. وتلك العلاقة لم تكن مجرد سلوكيات، بل سبقتها دوافع ونوازع متعددة، ترسبت في داخل الإنسان، وحركت توجهاته، إلا أن القص كان يتوقف عند الوصف السلوكي الظاهري والتركيز على البعد الاجتماعي أو الظاهري في المسألة، بدون التعمق فيه.
جاءت سرديات جيمس جويس، هذا الأديب القلق في حياته، المتمرد على كل ما يحيطه، والذي أدار السجال حول نزعاته وشبقه، مثلما فجره بأعماله القصصية، فكانت أعماله نماذج مصغرة لواقعه المعاش، وبعضها كان تصويرًا لكل نزعاته المتقلبة
وبقي الإنسان ـ كنفس ونزوع ـ في عزلة عن السياق القصصي. فالقاص يعرض النتيجة، بدون ذكر العمق النفسي الذي يكمن وراءها، ولكن مع اقتراب أو انكفاء الإنسان على ذاته في عصر الثورة الصناعية، حيث كان القلق والخوف والإحساس بالتلاشي يسيطر عليه، أمام جبروت المدنية بمصانعها ومداخنها، بدأ يتأمل تلك النفس التي يحتويها جسده. ومن ثم كانت مكتشفات فرويد حول العقد الغريزية واللاوعي، التي تحرّك الكثير من السلوكيات الظاهرة للفرد. ومحاولات برجسون لدراسة وشرح كل ما هو صادر عن الشعور. وثبت الأمر أكثر في دراسات ليفي برول وكشفه عن عقلية ما قبل المنطق عند الفطريين أو الإنسان البدائي. فكان ذلك فرجة لدراسة النفس وقراءة السلوك، بطريقة مختلفة، حاولت أن تتوازى مع العلم المعاصر الذي انصب على الطبيعة يتحداها ويصارعها، ولم يستطع أن يكتشف إلا النزر القليل من نفس هذا الكائن الآدمي، الذي يريد مجابهة الكون.
ومن هنا جاءت سرديات جيمس جويس، هذا الأديب القلق في حياته، المتمرد على كل ما يحيطه، والذي أدار السجال حول نزعاته وشبقه، مثلما فجره بأعماله القصصية، فكانت أعماله نماذج مصغرة لواقعه المعاش، وبعضها كان تصويرًا لكل نزعاته المتقلبة، أي أنه راح يقرأ ذاته بطريقة تختلف عن القصاصين السابقين، وهذا هو سر تفرده، منذ روايته «صورة الفنان في شبابه» 1916، ثم «الفينيقيون يستيقظون» 1939، وأخيرًا «عوليس» التي حوت قمة رؤاه الفنية وتمرده. لقد أراد أن يكتب رواية تصور الحياة المدركة وغير المدركة. والأولى تعني السلوك الظاهري الذي يحكمه الزمان والمكان والمادة، أما الثانية فهي الخلفيات والنوازع ـ الواعية وغير الواعية ـ التي تكمن وراء هذا. وبالتالي كان الأمر يُعَد فتحًا على مستوى القص، فهناك تجارب وحالات نفسية لا نستطيع التعبير عنها، وحتى اللغة ذاتها لا تملك مصطلحات نقلها، وهناك لحظات بين اليقظة والنوم، والوعي والجنون، كلها تحرّك السلوك وتلك هي الثورة التي فجرها جويس، وأجاد بناء قواعدها في قصصه، فكان النحت وإيلاج كلمات جديدة من لغات عدة، وكان التعامل مع الأسطوري والشاذ والتراكمي. وفي الوقت الذي قد نخجل من طرحها وتسييلها على الورق، فكان لا بد من مجابهة الأديب لذاته، كما يجابه الفيزيائي الكون، وإن كان البعض، توقف عند أطروحات جويس وتفجيره للّذات الجنسية بصراحة تصل لحد التنفير، وتتبع كل ما هو غير مألوف في العلاقات الجنسية، فكانت النظرة المضادة له تنبع من الجانب الخلقي، وهي تمتلك الكثير من المشروعية، فلا الجنس هو المحرّك الغريزي الأوحد ـ كما يرى فرويد – ولا الحياة الإنسانية تتوقف عند الأعضاء الوسطى من الجسد، وليس التحرر الحقيقي، عندما يصبح إشباعها هو نهاية الأرب. فالقيم والمبادئ والمثل لها أيضًا لذتها، فكما تجنح النفس للشهوة الحسية، تجنح أيضًا للفضيلة اللاحسية. وهذا هو سبب الاختلاف مع جويس، بجانب الأسباب الفنية الأخرى، المتمثلة في كسر المألوف من الحكي القصصي واللغوي. وفي هذا يكون للفن والنقد كلمتهما التي لها الكثير من المشروعية أيضًا.
كما وجدنا أيضًا، تقنيات القص التي مزجت المونتاج السينمائي، لا باعتباره من الحيل الإبداعية، بل باعتباره عملية نفسية ذاتية في المقام الأول، فكل منّا يخضع ما يدور من أمور حوله إلى رؤية نفسه، فيرى الأشخاص وفق زمانه ومكانه وبيئته وأيضًا أسطورته وفهمه لدينه وخالقه. وحركات الارتداد «الفلاش باك» تتم في الوعي قبل أن تنقلها الكاميرات السينمائية. فجويس يتأمل ويستبطن اختلاجات جوانحه «من خلال عمليات عديدة: صريحة ومضمرة، ذهنية ودافعية مزاجية وإدراكية، انعكاسية وتراكمية، متروية ومتسرعة، بطيئة ومتلاحقة»، كما يوظف علوم وثقافات عصره في إبداعه. وكان البناء الفني الذي قدمه في أعماله، لا يقوم على حبكة واضحة، بقدر ما يقوم على الفهم المتعدد للقص في العمل الأدبي، الذي لا يلين من القراءة الأولى، بل يتأتى من القراءات المتتالية.
٭ كاتب من مصر