في المعجز الشعري

يضفي كثير من شعراء العربيّة، في «الخطاب الواصف» أو ما نسمّيه «الشعر على الشعر» الذي يتخلـّل سائر أغراضهم، صفة الكلام «المعجز» على قصائدهم، حتى أنّه لا تضاهى ولا تحاكى، وكأنّها قرين النصّ القرآني.
ومثلما ينفد البحر المداد في السّورة القرآنيّة ولا ينفد الكلم الإلهيّ:» قلْ لو كان البحرُ مدادا لكلمات ربّي لنفدَ البحرُ قبل أن تنفدَ كلماتُ ربّي ولو جئنا بمثله مددا» (الكهف/ 109) ينضب ماء البحار، ولا يستخرج منها جوهر ولا لؤلؤ يداني شعره حسنا؛ كما يقول أبو تمّام في إحدى قصائده. وفي هذه وغيرها يدير الشاعر نصّه على مطلق زمنيّ وقدرة على المجاوزة في آن، كما هو الشأن في النصّ الدّينيّ، بما يجعله يستأنف في كلّ طور لحظة ميلاده، وكأنّ حقيقته في الماضي هي ذاتها في الحال (الحاضر) وفي المستقبل.
ومثال ذلك قوله:
ولو كان يفنى الشّعر أفناه ما قرتْ/ حياضك منه فـي العصور الذواهبِ
ولكنّه صوْب العقول إذا انــجلتْ/ ســحائب منه أعـــقبت بسحائبِ
وقد لا يخفى ما في هذه الصورة من تشبيه الشعر بالكلام المنزّل من السماء، وجعله مطر العقل. أو قوله مفتخرا بقصيدته:
خذها ابنة الفكر المهذ ّب فـي الدّجى/ والـّليل أسود رقعة الجلـبابِ
بكر تورّث في الحـياة وتنــثـني/ في السّلم وهي كثيرة الأسلابِ
ويـزيدها مـرّ اللــّيــالي جدّة / وتقــادم الأيـّام حسن شبابِ
وصورة القصيدة البكر التي «تفترع»، ولا ترتجل ارتجالا ولا ترسل إرسالا، وإنّما تقوّم وتثــقــّـف، من الصّور الأثيرة عند أبي تمّام. وقد حملها أكثر القدامى رغم اختلافهم، على المعنى الظـّاهر. من ذلك قولهم إنّ الشاعر يقول البكر وهو يريد الزّوجة التي ترث بعد موت زوجها وهي بكر. وحاصل المعنى عندهم أنّ هذه القصيدة تأخذ وترث في الحياة، وتسلب أي تأخذ من مال الممدوح، فهي ترثه وهو حيّ. ودفع بعضهم بالتّأويل قدما، والمعنى عندهم أنّ هذه القصيدة تصير ميراثا لولد الممدوح وأهله قبل وفاته. وعلّلوا ذلك بأنّ افتخارهم بما حوت من مناقب، كافتخارهم بها بعد وفاته.
وذهبت طائفة منهم إلى أنّ القصيدة ترث أموال النّاس في حياتهم، وتنصرف بالغنائم في حال الصّلح، لأنّ أنفسهم تطيب بالبذل فيها. وحاصل المعنى، أنّ هذه القصيدة بنت للشّاعر، تورّثه وهي حيّة لم تمت، إذ يأخذ الجائزة عليها. وعلى ذلك يصحّ معنى الميراث لأبيها. و«تورّث « بفتح الرّاء، ولا معنى لذلك، لأنّ الميراث يجعل لها، ولم تجر العادة بأن يرث الانسان إلاّ وهو حيّ. بيد أنّ أبا العلاء المعرّي، وهو العارف بمذهب الطّائي وطريقته في استجلاب المعاني البعيدة، يستحسن أن تروى «تورّث» بفتح الرّاء، ولكن شريطة أن يحمل المعنى على أنّ هذه القصيدة بنت للممدوح لا بنت للشّاعر، «لأنّها قيلت من أجله [الممدوح]…يراد أنّه يجيزها وهو حيّ فكأنّها قد ورثته». وهذا تخريج من أبي العلاء، بعيد،لأنّ قوله «بكرا تورّث» إنّما يكتنه في ضوء قرينتين:
أولاهما مردّها إلى البيت السّابع والثّلاثين (يا خاطبا مدحي…) حيث لا يخفى أنّ الشّاعر يتحدّث عن قصيدته، ويشبّهها بابنته كما تدلّ على ذلك عبارة «قليلة الخطّاب» تورية عن غلاء مهـرها، أو لأنّه لم يكن لها كفء سوى الممدوح.
وثانيتهما إلى البيت الذي يليه (خذها ابنة الفكر المهذّب…) ولا نخال هذه العبارة «ابنة الفكر» إلاّ قرينة دالّة على أنّ الطّائي يحتفي بقصيدته باعتبارها بكره ومنتوج فكره.

فلسنا نخشى الشّطط إذا قلنا إنّ الذات الشعريّة تعيش، بهذا الخطاب، نصّها كتابة، أكثر ممّا تعيش فيه واقعا، وخلصنا إلى أنّ الشّاعر يتـّخذ من «الخطاب الواصف» دلالة على صحّة مفارقة شعره لسائر الشّعر، فيفرد في أكثر من قصيدة مكانا، للكلام على نظمه «المعجز»

ما يعنيني في السياق الذي أنا به، أنّ صورة كهذه قد تكون دلالة على الكتابة التي تحاول أن تتجلّى في حالتها البكر، وأن تتجرّد من رقّ الزّمان والمكان، لتمثل في سائر الأمكنة والأزمنة، محتفظة أبدا بجدّتها ولحظة حدثانها. وكأنّ الكتابة هي التي تجترح للقصيدة أفق استقبالها، وبدونها لا يكتب لها بقاء ولا استمرار. فإذا كان الشّفوي يحتاج إلى التّدوين، حتّى يكتب له ذلك، فإنّ «الكتابيّ» مستقلّ بذاته أو لذاته، أو هو لا يحتاج إلاّ إلى القراءة التي يتحقــّـق التّواصل بواسطتها، إذ تقودنا من ذات كاتبة إلى ذات قارئة، ومن امتلاك إلى تبادل.
ولا نخال في قراءتنا هذه تمحّلا على النصّ، ف»الخطاب الواصف» يتيح لنا أن نلمّ بمقصد الشـّاعـر إذ يضفي عليه هيئة موضوعيّة، ويجعل الشّعر يضيء الشّعر أو هو يحاول أن يحوز تلك الحالات التي يحوطها الصّمت عادة أثناء الكتابة، لأنّ الكتابة لا تقول ذاتها ولا تعيها وهي تتأدّى. والأمر أشبه، إذا نحن حاكينا المقاربة الفينومينولوجيّة [الظاهراتيّة] بحال المرء الذي لا يستطيع أن يتـنـصّل من جسده وهو يفكّر فيه أو يتحدّث عنه. وعلى إقرارنا بأنّ المقصد في الشّعر غامض، حتّى وإن أضاءته نصوص مصاحبة على ما جرت عليه العادة في شروح الشعر، وبأنّ صورا غير قليلة، في هذا الشّعر الذي نحن به، تفصح عن وعي غامض أو معنى غامض محتفظة له بكامل حقيقته الغامضة، دون أن يكون قابلا ضرورة للـترجمة النـّـثريّة، فإنّ «الخطاب الواصف»، وهذه إحدى مزاياه، يتيح للشّاعر أن «يتـنـصّل» من موضوع قصيدته أو من غرضها الرّئيس، إلى حين، وأن يوسّع المسافة بينه وبين خطابه، وكأنّ صوته صوت ثـان، أو كأنّ الشّاعر في حالة حلم فاعل يراقب كلماته وهي تتدافع وتتجاذب وتتشـكّـل في أبنية وأنساق و«تتكلّم» على إثر ما تقوله اللّغة بصوت خفيض أو بصمت أقلّ، ف»الخطاب الواصف» خطاب «موضوعيّ» إذ هو محصّلة ذات تعي كتابتها. وهي قطعا، غير الذات التي يعيشها الشّاعر في واقعه أو في مجتمعه، ولا هي ذات المخاطب (بكسر الطّاء) في غرض مثل المديح أو الرّثاء أو الهجاء أو الغزل. ومن ثمّة فإنّ شعريّة هذا الخطاب تعلق بـ «شكل المعنى» معنى الشّعر لا بالمعنى الشّعري في ذاته أو لذاته. والشّاعر، ما لم نبرح هذا الخطاب، هو «الباحث الدّارس» والمستبصر المتأمّل، يهيب به عقل واع، ويملي عليه فكر يقظ ، وإنْ بأدوات الشّعر وطرائقه المخصوصة. وكأنّه، بهذا الصّنيع، يحرّر الشّعر من الشّعر، ليبني وجوده في كونه الخاصّ. وفي سياق كهذا، يمكن أن نفهم «الخطاب في الخطاب» على نحو شبيه بـ «القرآن في القرآن» في النصّ الدّينيّ.
والأمر من هذا المنظور، قد يعدو مجرّد إدلال بقدرة شعريّة وفحولة في النّظم وفخر بالصّنعة إلى رغبة «خفيّة» في مضاهاة النصّ الدّيني. ينسب إلى بعض شعراء القرن الثّاني للهجرة، أنّهم قاسوا شعرهم بالقرآن، فقد روى أبو الفرج أنّ بشّار بن برد فضّل بعض شعره على سورة الحشر، وأنّ أبا العتاهية قال لبعض أصحابه : «قرأت البارحة « عمّ يتساءلون «ثمّ قلت قصيدة أحسن منها» الأغاني(3/211 و4/34) فلا غرابة أن يشج أبو تمّام شعره بالقرآن ويجترح في أكثر من قصيدة أصلا من أصوله وطقسا من طقوسه، بما يجعل قصيدته تحمل في مطاويها إيمانا ما بسلطة الكلمة المطلقة، ونزوعا «دينيّا» أو ميتافيزيقــيا إلى التجرّد من رقّ الزّمان والمكان، وتبعث في القارئ تصديقا أعمى بأنّ الشّعر مضاهاة «النصّ الديني» أو هو منتهاه، أو هو حدث الشّعر ذاته، لا يستنفذ في معنى ولا يستوفى، لأنّه ناتج المعنى، وتجعل الشّعر أشدّ تراخيا في الاستقبال، وأشدّ تراخيا في القدم، في آن. وفي هذا ما يفسّر إلى حدّ ما ما نسمّيه «المعجز» الشعري على نحو ما سمّاه المعرّي في شرحه لديوان المتنبّي «معجز أحمد» في تورية منه لطيفة؛ فمن أسماء النبي محمّد «أحمد»، واسم المتنبّي «أحمد»، وهو بذلك إنّما يقرن الإعجاز القرآني بالإعجاز الشعري، أو هو يساوي بينهما. وهذا يحتاج إلى وقفة غير هذه، فهو يرجع إلى عتاقة اللـّغة وإلى حداثتها معا، مثلما يرجع إلى شكل شعريّ محكوم إيقاعا، بكثير من التّوازن والتّناسب والتّناغم، وصورة بكثير من الحذف والإضمار والإيجاز، وربّما بغرابة مستبهمة تترامى من أكثر من ناحية من نواحي الاستقبال والقدم. وفي كليهما غموض لا ينضب، يجعل حال الكتابة (حاضرها) كما يؤدّي عنه «الخطاب الواصف»، يتحصّل من زمنين متباعدين متراخيين، أو هو يملأ الفجوات القائمة بينهما. فلسنا نخشى الشّطط إذا قلنا إنّ الذات الشعريّة تعيش، بهذا الخطاب، نصّها كتابة، أكثر ممّا تعيش فيه واقعا، وخلصنا إلى أنّ الشّاعر يتـّخذ من «الخطاب الواصف» دلالة على صحّة مفارقة شعره لسائر الشّعر، فيفرد في أكثر من قصيدة مكانا، للكلام على نظمه «المعجز» وبيانه بالقلم حينا، وباللّسان حينا، ويمزج الاحتجاج لبلاغة قصيدته بالاحتجاج لما فيها من أبكار المعاني والقوافي، وفضلها في خلق التأثير وإثارة المشاعر والأخيلة.

٭ كاتب من تونس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية