بيروت-“القدس العربي”: تمكن زياد الأحمدية من تأكيد حضوره الفني في أكثر من اتجاه، فهو عازف عود وكاتب للموسيقى التصويرية وملحن مجتهد. أصرّ على مواصلة المسيرة رغم الصعوبات التي تلف حياة الموسيقيين الجديين، وقد يصح وصف مسيرته بالنضالية.
مؤخراً ومع بدء الانتفاضة الشعبية كان حضوره حركة وصوتاً وعملاً لافتين. هو من جمع الشمل وتولى الإدارة والتنسيق والتلحين حتى ولد نشيد الثورة. وهو من وجد ضرورة لتنقية السمع من التلوث الموسيقي في ساحات الاعتصام في وسط البلد، واعتلى المسرح بهذا الهدف وإن لساعات وأيام فقط.
مع زياد الأحمدية الإنسان والفنان هذا الحوار:

*ارتبط اسمك مع فنانين آخرين بنشيد الثورة وحضورك الدائم في ساحات الاعتصام. هل لا تزال على حماس البدايات؟
**في بداية الثورة كان الحماس استثنائياً، وكان الشعور بأننا حيال مرحلة لم نسبق أن شهدناها. فاللبنانيون وفي كل المناطق كانوا منتفضين ضد الفساد سلمياً، وكانت لهم صورتهم الحضارية. لمس المنتفضون بعض النتائج الإيجابية إثر استقالة الحكومة. وكان الأفق مفتوحاً لتحقيق المزيد من النتائج، ولهذا كان الحماس في مراتبه العليا، والفرح يغمرنا لما حققه الشعب، والأمل كان كبيراً.
*ومن رحم هذا الأمل ولد نشيد الثورة؟
** لاشك أن النشيد ولد من رحم الثورة، لكنه كذلك مرتبط بتوجه موسيقي شخصي. الوجود المكثف في الساحات في البدايات، والحماس لوجود مسارح في العديد من الزوايا في المساحة الممتدة من رياض الصلح وصولاً إلى ساحة الشهداء، تبث ما اتفق على تسميته أغنيات وطنية، كانت في الواقع عبارة عن صراخ وضجيج. هذا الواقع غير الصحي ترك البعض ينكفئون لأن الأصوات العالية تسببت في إزعاجهم. فقد ساهمت تلك الموسيقى في تلوث سمعي يتساوى مع التلوث الصادر عن مطامر النفايات. فنوعية بعض الأغنيات وموسيقاها مؤذية للأذن كما الأذى اللاحق بالصحة من المطامر. كموسيقي وجدت ضرورة توجيه رسالة صغيرة من خلال أغنية تحترم قواعد الشعر واللحن وسواه. وأن تتميز بالهدوء وتبتعد عن الإيقاع.
*لماذا الابتعاد عن الإيقاع؟
**في رأيي الصخَب لا يؤدي لنتيجة. كما رغبت في عدم التلحين تفادياً لأي تُهمة باستغلال الوضع لتقديم اسمي. ومن جهة ثالثة وكوننا ثوار ووجوهنا معروفة فإن تواجدنا كمجموعة في الحراك يؤدي إلى نتيجة أكبر بكثير من أن ينفرد أحدنا بالصورة. ولهذا غنت النشيد مجموعة من الوجوه الفنية المعروفة في التلفزيون والسينما والموسيقى. ومن خلالهم وصلت الرسالة. وهكذا كان لحجر واحد أن يصيب الأهداف الثلاثة بحيث تحقق الهدوء، كذلك وجود مجموعة كبيرة من الفنانين وعدم استغلال الاسم الشخصي. وأيضاً تعرّفت أكبر مجموعة من الناس إلى لحن بتهوفن، وربما كان معروفاً من البعض.
*ماذا في السيرة الخاصة للسيمفونية التاسعة لبتهوفن؟
**نعرف أنه كتبها وكان قد فقد السمع كلياً. من مميزاتها وجود كورس ضمن السيمفونية ولأول مرّة في التاريخ. فالسيمفونية قالب موسيقى بحت وبدون غناء. الكورس الذي أضافه بتهوفن كبير، ونحن في نشيد الثورة غنينا اللحن الأساسي من تلك السيمفونية التي شكلت ثورة في الموسيقى التي نفّذها بتهوفن.
*لماذا تحمّست لوجود نشيد للثورة وتبنيت الدعوة لولادته؟
**تواجدنا في الساحات لأيام نهتف، نناقش ونشرب القهوة. بعدها شعرت بضرورة أن يكون لنا عمل فني يجمع كافة الشباب والصبايا من الفنانين المتحمسين للثورة. طرحت الفكرة فوجدت التشجيع والحماس، وفي اللحظة نفسها تمّ التواصل مع الشاعر مهدي منصور، وبدأت كتابة بعض الأفكار بنفسي. تلاقينا مهدي وأنا قرب تمثال الشهداء ومن هناك إلى الأستوديو، كُتبت الأغنية وتمّ تنفيذها بأقل من 12 ساعة، أي بين ليلة وضحاها.
*هل كان انتشار هذا النشيد مرضياً لكم؟
**بالتأكيد انتشر كثيراً لأنه مختلف. توالت المفاجآت من هذا النشيد فتم غناؤه في اليوم التالي بعد بيروت في طرابلس، ومن ثمّ في كفرمان والنبطية. وفي خلال خمسة أيام كان للفيديو أكثر من مليون ونصف مشاهدة. وفي الخارج كانت البداية من جنيف حيث غنّاه اللبنانيون هناك، وكرّت السبحة إلى لندن وكندا وفرنسا واستراليا. في تلك البلدان غنى المغتربون النشيد في الساحات، واحتفظ بتلك الفيديوهات للذكرى. وفي تقرير بثته قناة “الجزيرة” تمت الإشارة إلى المشاهدات التي حققها هذا النشيد. ووضع اساتذة الجامعة الأمريكية في بيروت النشيد على صفحتهم، وتمت ترجمته للإنكليزية. وتحدثوا عنه بوصفه كلمة راقية. نعم النشيد يتحدث عن الأمل بعيداً عن الاستفزاز والابتذال.
*كما ذكرت تعددت المسارح بين رياض الصلح والشهداء. كيف تنظر إليها كموسيقي؟
**تنوعت الأغنيات حسب المسارح. “فان” رياض الصلح احترم المناسبة كلياً والتزم بشروطها. تنوعت الأغنيات الصادرة منه بين الشيخ إمام، مرسيل خليفة، زياد الرحباني ومجموعة من الأغنيات المصرية الجميلة والمعبّرة. فيما التزمت المسارح الأخرى بأغنيات البوب. لم يكن في الساحة مسؤول عن ما تبثه المسارح، بل عاد الأمر لإيمان كل مسؤول عن تلك المسارح ووجهة نظره فيما تحب الناس سماعه. ولم يكن لدى بعض هؤلاء دراية بمستوى الصوت المطلوب. مع الصوت المرتفع يشعر الناس أنهم متلقون مرغمون. الأغنية المطلوبة هي التي تقول جديداً وذات الموسيقى الهادئة. ومن هنا ملاحظتي على أغنيات الساحة في بيروت.
*وهل كان التنسيق للوصول إلى هذا الهدف ممكناً؟
**في مرحلة معينة تمّ التعاون مع مسرح قدامى الجيش اللبناني، وتولينا إدارته بين السادسة والتاسعة مساء. قام بالتنسيق والجهد الكبير الزميل المخرج عصام بوخالد. سارت الأمور على خير ما يرام لأربعة أيام متتالية، ومن ثم تراجع الحماس مع تراجع عدد المعتصمين في الساحات. شخصياً غنيت برفقة العود وعدد من الزملاء على مسرح قدامى الجيش. غنينا “شيد قصورك وعليِّها علّي وغيرها”. والاتفاق مع بقية المسارح أخذ في الاعتبار خفض صوت الموسيقى أقله بين السادسة والتاسعة مساء.
*وما رأيك في دور الدي جي في بعض الساحات؟
**عندما ظهر أن الثورة تحتاج لوقت ونفس طويل، وأن المتواجدين في الساحات لديهم أهدافهم ولا يرغبون التسلية وشرب القهوة والضيافة، بدأت الأمور تتبلور. إلى جانب الموسيقى عقدت المحاضرات في بعض الخيم. وخيم أخرى حددت دورها بفرز النفايات. ومنهم من اهتم بقراءة القصص للأطفال. كان التنظيم ضرورياً، وخلاف ذلك الفوضى.
*لماذا في رأيك تحتل أغنية “شيد قصورك” كل الساحات في لبنان؟
**غنى شيخ إمام “شيد قصورك” على العود منفرداً وسجّلها في منزله. هو النبض، والفكرة الجميلة والأداء الصادق الذي أوصل الأغنية لأبعد الشعوب في الأرض. نحن في لبنان قلنا في النشيد شكراً للزعماء لأنهم وحدوا الناس التعبانين. هو شكر في معرض الذم. وكذلك الأمر مع شيخ إمام الذي قال “شيد قصورك عالمزارع” لهذا وصلت الأغنية، فهي عبّرت بعفوية فنية وصدق وبساطة ووضوح في المعالم اللحنية والكلمة المعبرة عن قضية. هذه الأغنية لن تموت ولو بعد 20 جيلا.
*تندر البعض بأن ثورة لبنان تفيض غناء ورقصاً ودبكة. ما ردك؟
**حتى أنهم ألبسوا الثورة ثوب السفارات، والعملاء ومنهم من قال إنها للمختلفين جنسياً. حق الاتهام متاح، وحق الدفاع عن النفس متاح. من رفعوا المطالب المحقة من مكافحة الفساد، إلى مكافحة المصارف المتحكمة برقاب المودعين إلى تأمين الماء والكهرباء محقون. ومحق كل من يرفض المحاصصة الطائفية التي ازاحت الكفاءات، لكنه سيلقى الاتهام من المستفيد من تلك السياسة عبر كيل الاتهامات له. الاتهام حق والدفاع عن النفس كذلك.
*كفنان وبعيداً عن الساحات هل تتمكن من متابعة حياتك المهنية؟ وهل لك الانعزال عن الواقع؟
**الجميع يتأثر بما يدور حوله. من جهتي اعتدت منذ زمن بعيد القيام بمهمات متعددة في اليوم نفسه. أتمكن من التعليم قبل الظهر، وبعده أتوجه إلى الأستوديو لتسجيل موسيقى لفيلم أو مسلسل تلفزيوني، وليلاً أشارك في عرض مسرحي. عندما أكون في مكان مهني محدد أعطيه كل تفكيري، وهذا ما درّبت نفسي عليه. وهكذا أنا مع الحراك في الشارع أهتف، وفي الصف أعلّم، وعلى المسرح أعزف وأغني جيداً وانتبه لموسيقاي. وهذا طبعاً إلى جانب دوري كرب أسرة فلا أحيد عن واجباتي نحو ولديّ. إذا الفصل والتركيز بين المهمات هو من طبيعة عملي.
*وجودك الدائم والمنظور ضمن إنتاجات مترو المدينة هل هو أبعد من مهنة؟
**المهنية بالنسبة لي في العزف والغناء الصحيحين فقط. بل أن ندخل كل مشروع جديد بجدارة وكفاءة. لعلاقتي مع مترو المدينة صيغتان، منها الحضور في العروض التي ينتجها والتي بدأت مع “هشِّك بشِّك شو” قبل سبع سنوات، و”بار فاروق” الذي بدأ في مهرجانات بيت الدين وعاد إلى المترو قبل أربع سنوات. كزياد الأحمدية أقدم ما أرغبه من مشروع فني خاص في المترو، والسبب أن هذا المكان يعني لي وقبله بالطبع العاملين فيه. ولجمهور هذا المكان مكانته الخاصة عندي. إلى حدود معينة بات جمهور هذا المكان يتوقع نوع الموسيقى التي سيسمعها. وبما أن الموسيقى التي تقدم في مترو المدينة وبكل تجاربها تشبهني إذاً هو المكان الأنسب لتواجدي. لن أكون في مطعم أو نايت كلوب. مترو المدينة مسرح مختلف، يقدم عرضاً فنياً ويسمح ببعض المأكولات والمشروبات، وهذا لا يؤثر على الدور الفني للمكان. المترو هو المكان الأفضل لتقديم أفكاري وعروضي حالياً.
*وماذا قالت لك عودة المترو تحت عنوان “ليالي في حب الثورة”؟
**أصابنا القلق لدى اقفال المترو في بداية الثورة. بعدها بادر مديره هشام جابر إلى اجتماع من أجل التفكير معاً بالمستقبل والممكن. وكان القرار بأنه إلى جانب دورنا في الثورة من واجبنا دعم هذا المكان الثقافي الذي قد يكون المتنفس الأخير في بيروت. كان الاستعداد موجوداً للعمل المجاني في سبيل أن يتابع المترو حضوره. وكانت الصيغة التي تركت سعر البطاقة حراً بعنوان “قد ما بدك دفاع” منهم من يدفع ألف ليرة ومنهم 100 ألف ليرة. ومجموع التحصيل يعود للفنانين على المسرح. جميعنا يتمنى استمرار هذا المسرح في دفع الإيجار وبدل العاملين فيه فأكثرهم لا دخل آخر لهم. هم طلاب جامعات يعملون ليلاً ويدرسون في النهار. ومن واجبي المساهمة أكثر من أي وقت مضى، فهذا المكان لنا جميعنا.
*كموسيقي وفنان كيف عبرت عن نفسك منفرداً؟ وماذا انتجت إلى جانب سي دي “في البال”؟ وهل كانت مساحة التعبير كافية؟
**نعم أنتجت ألبومين تباعاً بعد ألبوم “في البال” الذي صدر سنة 2003. في 2006 صدر سي دي “ما وراء التقاليد” وفي 2009 صدر سي دي “الموجة الصامتة” وهما معاً موسيقى بحتة. وإنتاجي الفني الموازي منذ سنة 2003 والأكثر غزارة يتمثل في كتابة الموسيقى التصويرية للمسلسلات والأفلام. كما لحنت تزامناً مع كل هذا مجموعة من الأغنيات لم أتمكن من تسجيلها حتى الآن والسبب غياب الإنتاج، وربما تقصير مني وعدم القدرة على التسجيل بالشكل الذي أرغبه. المنتجون يبحثون عن الموسيقى التجارية، والموسيقى الجدية إنتاجها على عاتق كاتبها. حصل مؤخراً أنني سجّلت أغنيتين في فرنسا بالتعاون مع الموسيقي اللبناني الأخ والصديق عازف البيانو أيلي معلوف. التسجيل والتصوير فيديو تمّ انجازهما معاً. ومن المقرر أن تصبح الأغنيتان معاً على وسائل التواصل الاجتماعي في خلال ثلاثة أسابيع. اخترت هذه الصيغة لأنني لن أجد بكفاءة أيلي معلوف ليرافقني كعازف بيانو بارع. ومعاً اشتركنا في التوزيع لأن أيلي يدرك مساحة آلته، ومن جهتي وضعت تصوري للهارموني. إحدى الأغنيات لها صلة بالثورة من كلماتي ولحني، والأخرى كتبها نغم عرنوق وهي من النوع الفلسفي. وفي حوزتي ألحان أخرى سأعمل لتسجيلها بمرافقة العود فقط، وإن سنحت الحال لمزيد من الآلات سأفعل. الفكرة تراودني وتلح.