هل يعود سحر برشلونة المفقود مع العجوز سيتيين؟

عادل منصور
حجم الخط
0

لندن – “القدس العربي”: أخيرا وبعد طويل انتظار، تنفست الأغلبية الكاسحة لجماهير برشلونة الصعداء، بتخلص مجلس الإدارة من عدوهم الباسكي إرنستو فالفيردي، وتعيين العجوز كيكي سيتيين بدلا منه بمشروع ممتد حتى منتصف عام 2022، وحدث ذلك بعد خيبة أمل الخروج المؤلم من نصف نهائي الكأس السوبر الإسباني، بالسقوط على يد أتلتيكو مدريد بنتيجة 3-2، بعدما كان البارسا متقدما في النتيجة حتى آخر عشر دقائق من الوقت الأصلي لملحمة الخميس قبل الماضي.

كشف حساب

سواء اتفقت أو اختلفت على فالفيردي، لكن بالنسبة لكاتب التاريخ، لن يمحي من صفحاته الجزء المضيء في مسيرته في “كامب نو”، التي امتدت لنحو عامين، يكفي أن نسبة جمعه للنقاط بلغت نحو 2.36 نقطة من أصل ثلاث نقاط في مبارياته الـ145 مع النادي، ولا يتفوق عليه سوى لويس إنريكي بـ2.41 نقطة في 181 مباراة وبيب غوارديولا بـ2.36 نقطة في 247 مباراة، ويتبعه كل عظماء النادي بدون استثناء، كما أن لغة الأرقام تقول إنه استحق لقب “قاهر” ريال مدريد بامتياز. صحيح انه انحنى في أول مباراتي كلاسيكو في السوبر الإسباني 2017 أمام زيدان، لكن منذ تلك اللحظة لم يعرف الهزيمة في الكلاسيكو، بل فاز في أربع مباريات وتعادل في ثلاث. لكن عزيزي مشجع برشلونة لا تنسى أن الانتصارات شملت خماسية الموسم الماضي وثلاثيتين بلا هوادة في قلب “سانتياغو بيرنابيو”، منها واحدة في وجود زين الدين زيدان وكريستيانو رونالدو في موسم كأس دوري الأبطال الثالثة عشرة. ويبقى إنجازه الأهم الفوز بأربعة ألقاب، منها الاحتفاظ بالدوري الإسباني موسمين متتاليين، بجانب كأس ملك إسبانيا مرة ومثلها السوبر المحلي. وبوجه عام حقق الفوز في 97 مباراة مقابل 32 تعادلا و16 هزيمة، وبلغ عدد الأهداف المسجلة 339 هدفا، بمُعدل 2.34 هدف في المباراة، واستقبل 128 هدفا، بمعدل 0.88 هدف لكل مباراة، أضف إلى ذلك أنه “طُرد” والفريق على صدارة الليغا ولو بفارق الأهداف، وإحصائيات وأرقام كهذه لا تعبر أبدا عن مدرب فاشل كما كان يتصور الجمهور الكتالوني، لكن مشكلته الحقيقية كانت تكمن في إستراتيجيته المختلفة 180 درجة عن إرث برشلونة، كواحد من أمتع أندية العالم إن لم يكن أمتعها على الإطلاق في القرن الجديد.

اختفاء هوية برشلونة

تحول معه أصحاب السحر وكرة “تيكي تاكا” لفريق كلاسيكي بحت، كأنك تشاهد يوفنتوس في حقبة ماسيميليانو أليغري، يلعب فقط من أجل الفوز ولا شيء آخر، الفارق الوحيد أن فالفيردي كان يمتلك “الفضائي” ليونيل ميسي، الذي ساعده كثيرا للاحتفاظ بمنصبه لأطول فترة ممكنة، بفضل عبقريته وأهدافه المؤثرة في المباريات الفاصلة في مسيرة المدرب، كما أنقذه من الإقالة بعد عودته من الإصابة في بداية الموسم، بجانب ذلك، معضلة هشاشة خط الدفاع، إذ كان الرباعي الخلفي الحلقة الأضعف في الفريق طوال حقبته، لكن تألق تير شتيغن وتصدياته الخارقة غطت كثيرا على عيوب ومشاكل الدفاع برمته، وعابه أيضا عدم ابتكار في توظيف اللاعبين، خصوصا الصفقات التي كبدت الخزينة ملايين طائلة، على غرار صفقة فيليب كوتينيو، ذاك النجم البرازيلي الذي ما زال أغلى صفقة في تاريخ النادي، لم يترك بصمة حقيقية على مدار 18 شهرا تحت قيادة إرنستو، ربما لا يُلام في ساق عثمان ديمبيلي الزجاجية، لكن ماذا عن توظيفه الكارثي للأنيق أنطوان غريزمان، بإعدامه كرويا في مركز الجناح الأيسر الداعم للبرغوث والسفاح في الثلث الأخير من الملعب، رغم أن بطل العالم يلعب منذ أكثر من موسمين في مركز المهاجم الوهمي في عمق الملعب، سواء مع التشولو دييغو سيميوني بقميص الهنود الحمر أو مع ديدييه ديشان في المنتخب الفرنسي، والنقطة السوداء تبقى وصمة عار مباراتي مانولاس والرابع سجله أوريغي، والمفارقة أنه لم يخسر في الكأس ذات الأذنين سوى في هاتين المباراتين أمام روما وليفربول، في المقابل فاز في 28 مباراة وتعادل في ثمان، لكن ما أعنفهما من هزيمتين، وبالأخص ليلة رباعية “أنفيلد” في غياب محمد صلاح وروبرتو فيرمينو، كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، بعيدا عن كونها فضيحة لن تُمحى من الذاكرة على الأقل في العقود القليلة المقبلة، فهي نسفت هيبة برشلونة مع فالفيردي، واستنفدت كل رصيده عند الجمهور، لدرجة أنه كان مثار سخرية للمشجعين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لذا من الصعب جدا وربما من الجنون وصف تجربته بالفاشلة على مستوى النتائج والأرقام، أما على المستوى الفني، فحدث ولا حرج عن المشاكل التي واجهها ولم يجد لها حلا، لينتهي به المطاف بمشهد خروجه الأخير من المدينة الرياضية مساء الإثنين، مستقلا سيارته بابتسامة عريضة، وكأنه قد أتم مهمته بنجاح بنفس ابتسامة الهوليوودي خواكين فينيكس في ملحمة “الجوكر”… أليس كذلك؟

كرويف الأجنبي

تفاجأ الكثير من عشاق برشلونة بالتسريب الأخير قبل الإعلان الرسمي عن خبر إقالة إرنستو، فبعدما كانت كل التوقعات تصب في مصلحة أسماء من نوعية تشافي هيرنانديز، ورونالد كومان، وماوريسيو بوتشيتينو، تصدر المغمور كيكي سيتيين المشهد إلى أن تم إعلان تعيينه مدربا للفريق حتى 2022، وسط انقسامات واضحة بين الجماهير وحتى الصحف المحسوبة على النادي، ما بين فئة كانت تفضل العودة لأحد تلامذة أو أحفاد يوهان كرويف، ليستعيد برشلونة هويته وكرته الجميلة التي افتقدها في عهد المدرب السابق، وفئة أخرى تؤيد القرار، من جهة أنه في أسوأ الظروف لن يكون أسوأ من إرنستو. لكن بنظرة واقعية لاختيار الرجل البالغ من العمر 62 عاما، سنجد أنه بالكاد الاختيار المثالي بالنسبة لوضع النادي ومجلس الإدارة في الوقت الراهن، وكونه لا يحظى بنفس شهرة وشعبية الأسماء الأخرى التي كانت تسبق في قائمة المرشحين لخلافة المدرب السابق، لتأخر حصوله على فرصة تدريب حقيقية في الليغا، بالظهور مع لاس بالماس بداية من عام 2015، ثم تجربته الثانية مع بيتيس، فهذا الأمر لا يعيبه على الإطلاق، دعك من مقولة “كم من مواهب وكفاءات مغمورة”، لكن دعونا نتفق أن الإدارة جاءت بمدرب لن يملي شروطه أو يلزم النادي بإنفاق الملايين لبناء مشروع بعناصر جديدة، كما كان سيفعل أي واحد آخر من القائمة المذكورة، ما سيقلل من حجم الضغوط عليه، ويجعله أمام تحد خاص، ليثبت للجميع أن وجهة نظر الإدارة وأغلب المشجعين كانت صحيحة، بأن الخلل في الأساس كان في المدرب وليس في اللاعبين، والسؤال الذي يتبادر في ذهن كل مشجع برشلوني الآن: هل يستطيع سيتيين فعل ذلك؟ هل في أضعف الإيمان سيعيد كرة برشلونة الجميلة؟ قبل الرد المفصل، الشيء الثابت والمتفق عليه أنه مثل أي مدرب في العالم لا يملك عصا موسى، لكنه نسخة مختلفة تماما عن سلفه. نتحدث عن مدرب يصفه الإعلام الإسباني بـ”المتطرف لأفكاره”، لديه ثقة كبيرة في نفسه، ويظهر ذلك بوضوح في ضغطه الدائم على اللاعبين من خارج الخطوط، إذ لا يتوقف عن الصراخ بأعلى صوت لتوجيه لاعبيه طوال المباراة، وهذا أمر مهم لتحفيز الفريق ولم يكن متاحا مع إرنستو الهادئ الصامت في نفسه. بالإضافة إلى ذلك، سيتيين مدرب بأفكار هجومية مقتبسة من مثله الأعلى الراحل يوهان كرويف، بتطبيق الكرة الشاملة كما يفعل بيب غوارديولا مع مانشستر سيتي، بالدفاع بالفريق بأكمله ونفس الأمر في الهجوم، وسنلاحظ ذلك عندما نشاهد رأس الحربة أو المهاجم الوهمي يضغط على حامل الكرة قبل دائرة منتصف الملعب، بينما في حالة الهجوم سنشاهد بيكيه أو لونغليه في وسط الملعب، أشبه بالحصار الكروي للمنافسين، بدون تقيد في المراكز، بما في ذلك حارس المرمى الذي يعتمد عليه كثيرا في بناء الهجمة والتحضير من الخلف إلى الأمام، بالتمرير القصير بشكل طولي في الملعب مع تحركات بدون كرة، لتنتهي بوصول الكرة بكل سلاسة للمحظوظ باللمسة الأخيرة أمام المرمى.

سلاح ذو حدين وتحديات

رغم أن أسلوب كيكي يبدو مثاليا لفلسفة برشلونة، لكنه أحيانا ينقلب عليه بشكل كارثي ويتحول لنقطة سلبية وبلا أي قيمة، كما حدث معه في أغسطس/ آب 2018، في مباراة فريقه الأندلسي السابق أمام ليفانتي، التي وصلت فيها نسبة استحواذ فريقه لـ78%، لكن المحصلة النهائية كانت الخسارة 3-0، وكرر فعلته في العام التالي أمام نفس المنافس، باستحواذ وصل لـ72% وفي النهاية هُزم 4-0، على النقيض من ذلك، قاده أسلوبه لمعانقة المجد، باعتباره المدرب الوحيد الذي فاز على برشلونة وريال مدريد في “كامب نو” و”سانتياغو بيرنابيو” في العقد المنقضي، وكانت البداية بالفوز التاريخي الذي حققه على فالفيردي في قلب كتالونيا بنتيجة 4-3، في واحدة من أروع مباريات ليونيل ميسي الموسم الماضي، وفي ختام الموسم ذاته، قهر زين الدين زيدان بهدفين نظيفين في معقل الملوك، وهذا الموسم أيضا خرج من البيرنابيو بتعادل سلبي، ليعادل كفته مع زيزو بالفوز عليه في مباراتين والتعادل والهزيمة في مثلهما، هذا بتشكيلة أقل جودة من برشلونة، فما بالك عندما تتقابل أفكاره التي كانت تفوق فرقه السابقة، بالمواهب القادرة على تنفيذها وتطبيقها على أرض الملعب، مؤكدا ستكون الصورة مغايرة، باعتماد أسلوبه المفضل 3-4-3 أو 3-4-2-1، التي انتصر بها مرتين على زيدان، مع لاعبين بموهبة وجودة فرينكي دي يونغ وسيرجيو بوسكيتس على الدائرة، وثلاثي هجومي يتكون من ميسي وأنطوان غريزمان وإنسو فاتي، أو أي اسم ثالث، لحين عودة لويس سواريز من إصابته، بدلا من كريستيان تيو ولورين والمخضرم خواكين وباقي رجاله القدامى في “بينتو فيامارين”، لكن بطبيعة الحال الأمر ليس بهذه السهولة، فهو سيتوقف في المقام الأول على حالة اللاعبين ومخزونهم البدني، لأن نجاح طريقته يحتاج بذل مجهود مضاعف من كل لاعب في كل مباراة، بإشراك كل اللاعبين في الأدوار الهجومية والضغط المتقدم لافتكاك الكرة بأسرع وقت كلما قُطعت، لأن أي تمريرة بالطول ستسفر عن انفراد صريح مع حارس المرمى، وهذا واحد من أخطر وأهم التحديات التي سيواجهها المدرب الجديد، في ظل التراجع البدني الواضح لجُل اللاعبين، بمن فيهم ليونيل ميسي، كما يظهر في الدقائق الأخيرة لكثير من المباريات الحاسمة، والتي كان آخرها الانهيار البدني الغريب في آخر 10 دقائق أمام الأتلتي. والحل؟ اتباع سياسته التي رسمها لنفسه منذ ظهوره على الساحة، كمدرب دبلوماسي يعرف كيف يسيطر على غرفة الملابس، بتوطيد علاقته باللاعبين وجعلهم على قلب رجل واحد، تماما كما يفعل صاحب الصلعة الشهيرة في معسكر الأعداء، بإعادة حل الود والحب بين اللاعبين، كما شاهدنا أريولا أكثر سعادة من تيبو كورتوا بعد الفوز بالبطولة. ومن حُسن الحظ، أن سيتيين وضع حجر الأساس قبل وصوله إلى “كامب نو” بفترة ليست قصيرة، بعدم تفويت فرصة واحدة قبل أي صدام كتالوني ليكيل المديح في ميسي وسياسة النادي وأسلوب لعبه الخاص، فهل سينجح في التحدي ويبسط سيطرته على غرفة خلع الملابس، كما يقول سيرخيو راموس دائما: “السيطرة على غرفة الملابس أحيانا تكون أهم من الأمور الفنية”!؟ هذا سيتوقف على ذكائه وتواصله مع الصغير قبل الكبير، وهذا ليس بالأمر المستحيل بالنسبة لمدرب يملك أفكارا شبه مثالية لحجم المواهب المتوافر في تشكيلة الفريق.

بطبيعة الحال، هناك تحديات أخرى يحتاج سيتيين للتغلب عليها عاجلا وليس آجلا ليكتب شهادة اعتماده كمدرب يحظى بثقة الجماهير، على سبيل المثال تحرره من الضغوط والعمل بلا خوف أو رهبة من الكيان، لأنها مغامرته الأولى مع ناد بحجم البلوغرانا، وأيضا مواصلة عمله بنفس أفكاره المجنونة التي أهلته للوصول لسُدّة حكم واحد من أشهر ناديين في العالم كتفا بكتف مع ريال مدريد، بجانب ذلك، يحتاج للتخلص من صداع عدم وجود بديل للويس سواريز، الذي يغيب لفترة لن تقل بأي حال من الأحوال عن أربعة شهور بعد خضوعه لعملية ثانية في نفس الركبة الثانية في ظرف 8 لـ9 شهور. صحيح هو يحبذ اللعب بمهاجم وهمي، لكن من الصعب على ميسي وغريزمان تعويض السفاح طيلة هذه الفترة، وهناك مباريات سيعاني فيها كثيرا بدون رأس حربة صريح، خاصة أمام الفرق التي تملك دفاعات حصينة، فكيف سيخرج من هذه الورطة؟ هذا ما سنعرفه في قادم المواعيد، إن لم يصدر قرارا بانتداب مهاجم مخضرم ولو بعقد قصير الأجل لنهاية الموسم، حتى لا تتعقد الأمور في فترة غياب المهاجم الأوروغواني، ويحتاج كذلك حل ملف مستقبل التشيلي آرتورو فيدال، بإقناعه بالبقاء مع الفريق لنهاية الموسم، لإمكانية توظيفه دونا عن البقية في أدوار مشابهة لما يقوم بها سواريز، باستغلال قوته البدنية في الحوارات الفضائية وعلى الأرض، لقدرته على الاحتفاظ بالكرة وتمريرها تحت الضغط، وقد أظهر ذلك مع فالفيردي بتنفيذ أكثر من رائع لأدواره الهجومية بجانب سواريز وميسي داخل منطقة الجزاء، متقمصا دور رأس الحربة بامتياز في سرقة المدافعين بظهور مفاجئ داخل منطقة الجزاء لاستقبال الكرات العرضية بلا مراقبة، لذا من الضروري لسيتيين أن يعرقل رحيل اللاعب اللاتيني بأي ثمن، للاستفادة من عصارة خبرته في ما تبقى من الموسم، ولو نجح في إعادة الثقة لفيدال، سيظهر بصورته الشرسة المعروفة عنه منذ أيامه الخوالي مع يوفنتوس، وقبل أي شيء، يحتاج سلسلة من الانتصارات المتتالية في بداية رحلته، منها ليتفادى دوامة الضغط والهجوم عليه مع أول تعثر، ومنها كذلك لكسب ثقة الجماهير، الساخطة على الكرة المملة التي كان يقدمها الفريق في آخر عامين ونصف العام، إذا فعل ذلك وسارت الأمور كما يخطط لها بالجمع بين كرة برشلونة وعقلية الانتصارات، فقد يتحول للنسخة الكتالونية لتجربة زيدان الدين زيدان، الذي قاد الميرينغي للمجد بالجينات والعقلية التي لا يعرفها سوى واحد من داخل النادي أو يعرفه جيدا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية