ماجدة الصباحي… أشهر مراهقات السينما المصرية

لم تكن ماجدة الفتاة الجميلة التي يمكن الرهان عليها في شباك التذاكر، ولكنها كانت الأكثر تطلعاً للشهرة والمتمتعة بقدر كبير من الموهبة، لذا فقد تعلقت مبكراً بحُلم التمثيل، وسعت للسينما لتبحث لنفسها عن فرصة بين نجمات العصر الذهبي، وهي لا تزال في السنة الخامسة عشرة، حيث أنهت دراستها الثانوية، وحصلت على شهادة البكالوريا الفرنسية، التي تعادل الثانوية العامة، لتبدأ من بعدها رحلة الارتقاء إلى عالم الأضواء، بعد أن اكتشفها المخرج سيف الدين شوكت، وأسند إليها دوراً ثانوياً في فيلم «الناصح» عام 1949 مع إسماعيل ياسين، وقد تلقفت بدورها الفرصة لتحقق حُلمها الكبير.
ولم تعدم الفتاة الطموحة الحيلة التي تمكنها من الفوز بالدور الأول في حياتها، بعيداً عن مواجهة أبيها الموظف الكبير في وزارة المواصلات، والأسرة الأرستقراطية المحافظة المنتمية للأصول الريفية، في إحدى محافظات الوجه البحري، إذ استطاعت تكتم الأمر تماماً، والقيام بتصوير دورها في الفيلم سراً، خوفاً من رفض العائلة وعرقلة طريقها قبل أن تبدأ مسيرتها، وإمعاناً في السرية أخفت اسمها الحقيقي كعادة المشتغلات في الفن في زمن السخرية من الفن والفنانين، واعتبار التمثيل سُبة وعارا يلحق بمن ينتمي إليه، ويعمل فيه، ولهذا وفّرت على نفسها العناء، وقامت باختيار اسم ماجدة بديلا لاسمها الحقيقي وهو عفاف علي كامل أحمد الصباحي، وبالفعل ظلت بعيدة عن ردود الأفعال الساخطة إلى حين، لكن سرعان ما عُرض الفيلم وانكشف المستور، وحينئذ اضطرت إلى الاعتراف بهوايتها وغوايتها، ووضعت الجميع أمام الأمر الواقع لتُثبت شجاعة نادرة، وتؤكد أنها الشخصية الأقوى التي لم تفرط في حُلمها ولم تحد عن اختيارها.
خلال مسيرتها الفنية الطويلة قدمت ماجدة الصباحي العديد من الأدوار النوعية التي أثارت الجدل، كونها ناقشت قضايا كان طرحها محظوراً في المجتمعات المنغلقة على نفسها، والمتسمة بالأخلاقية الشديدة كطابع اجتماعي يميزها وينأى بها عن الشُبهات، فمن بينها كان فيلم «النداهة» المأخوذ عن رواية يوسف إدريس، و«المراهقات» للمخرج أحمد ضياء الدين، وهو الذي تناول حياة ثلاث فتيات يعانين من وصاية المجتمع الذكوري، وسطوة الأب والأخ الأكبر، وهي قضية شغلت الرأي العام في ستينيات القرن الماضي، وظلت تشغله لفترة طويلة، إلى أن جاء الفيلم ومثّل صرخة مدوية كانت لها أصداؤها الواسعة، وتوزعت البطولة في هذا الفيلم المهم بين ماجدة وزيزي مصطفى وسناء النقراشي، وشاركهن البطولة رشدي أباظة، كأحد النجوم الشباب الصاعدين الواعدين.

من العلامات المهمة أيضاً في مشوار النجمة الراحلة فيلم «أين عمري» مع أمينة رزق وزكي رستم، وهو من الناحية الموضوعية يعد ذا صلة قوية بما سبق ذكره عن أزمة الحرية وديكتاتورية الرجل الشرقي

وفي هذه الأثناء ربطت علاقة عاطفية قوية بين ماجدة ورشدي، بقيت كامنة لفترة طويلة قبل أن يتقدم أباظة لخطبة النجمة الشابة، ويتم رفضه من قبل العائلة، لأسباب تتعلق بحياته البوهيمية، وعدم الثقة في جديته وخوفهم من نزواته المتكررة.
ولعل فشلها في الاستمرار مع إيهاب نافع، الزوج الذي عاشت معه الفترة الأطول من حياتها الأسرية، وأنجبت منه ابنتهما غادة، كانت هي الملمح الرئيسي من ملامح مأساتها الكبرى، التي طال أمدها وانتهت باعتزالها الفن وانزوائها بعيداً عن الأضواء، وهي النجمة والبطلة والمنتجة، والمنافسة القوية لسيدة الشاشة العربية فاتن حمامة.
من العلامات المهمة أيضاً في مشوار النجمة الراحلة فيلم «أين عمري» مع أمينة رزق وزكي رستم، وهو من الناحية الموضوعية يعد ذا صلة قوية بما سبق ذكره عن أزمة الحرية وديكتاتورية الرجل الشرقي والأسوار التي تحاط بها المرأة المصرية، بحسب التصوير الدرامي والتراجيدي للقصة والسيناريو، فالفيلم تدور أحداثة حول فتاة مراهقة تفقد زهرة شبابها في سجن رجل في سن أبيها، جراء رغبة الأم التي أرادات التخلص من عبء مسؤوليتها فألقت بها في جحيم الأسر، لتكابد وحدها مرارة الحياة وقسوة المعاملة من الزوج الذي يتلذذ بتعذيبها والحجر على حريتها. ولا شك أن فيلم «جميلة بوحيرد» يمثل دُرة التاج في تاريخ ومشوار ورحلة الفنانة الكبيرة، فهو حالة سينمائية استثنائية مكتملة الأوصاف والمواصفات الفنية في المسيرة النضالية للبطلة، كما هو نقطة الضوء والتأريخ الحقيقي لكفاح البطلة الجزائرية جميلة، ودليل مادي على توهج الموهبة وعمق الوعي السياسي لماجدة، التي تتم الإشارة باسمها لنضال البطلة الأصلية من فرط ما تميزت به من تفوق في أداء الدور التاريخي الأهم.
وعلى صعيد الأفلام الدينية أسهمت الصباحي بقدر كبير في توثيق البطولات والفتوحات الإسلامية، لعنايتها واهتمامها بإنتاج أعمال فائقة التكلفة مثل فيلم «هجرة الرسول» الذي قامت فيه بدور حبيبة وقاسمها البطولة فيه إيهاب نافع وفيلم «انتصار الإسلام»، حيث جسدت شخصية هند زوجة سيدنا بلال مؤذن الرسول «ص» وكلها إسهامات كبيرة أضيفت لأرشيف السينما المصرية، واعتُبرت تعزيزاً للفيلم التاريخي الملحمي المُفتقد حالياً والغائب تماماً من خريطة الإنتاج المصري وجدول المنتجين.
حظيت النجمة المصرية العربية الكبيرة بعدد من التكريمات في حياتها فقد اختيرت عضوا في لجنة السينما في المجالس القومية المتخصصة، وحصلت على جُملة من الجوائز في مهرجانات دولية وعالمية مهمة كبرلين وفينيسيا وكان ودمشق والقاهرة السينمائي، وتمتعت بشعبية كبيرة من محبيها وعشاق فنها، ولم تفقد مكانتها وبريقها، رغم اعتزالها منذ ما يقرب من أربعين عاماً على الأقل.

٭ كاتب من مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية