يشكل “بيت الأمان” الذي أقامته الحكومة الفلسطينية في غزة، الحاضنة الآمنة والوحيدة للنساء المعنفات اللواتي يتعرضن للعنف الجنسي والجسدي، حيث تضم جدار هذا البيت حكايات عميقة التفاصيل، لفتيات تعرضن على مدار سنوات للعنف والضرب من الأب والأشقاء والزوج. فكل فتاة خاضت رحلة عذاب مختلفة عن الأخرى، ففي إحدى غرف المبيت داخل المؤسسة، تجد فتاة لم تبلغ سن السابعة عشر ولم تستطع تحمل عنف والدها ضدها، وفي غرفة أخرى سيدة تبيت هي ورضيعها، بعد أن ضاقت ذرعاً بسياسة التعامل القاسي الذي رافقها من بيت زوجها إلى منزل شقيقها، ليكون “بيت الأمان” هو ملجأهن الأخير يجدن فيه الصدر الحنون والحضن الدافئ، ومحاولة التعافي من أثر العنف الجسدي والنفسي، الذي لا يزال يرافقهن حتى اللحظة.
أصغر معنفة
“ميادة” وهو اسم مستعار لطفلة لم تتعد الـ 14 عاما من عمرها، وهي أصغر معنفة تقيم في البيت منذ فترة قصيرة، تجلس إلى جانب مجموعة من النساء، ويعتقد الزائر للوهلة الأولى أنها ابنة إحدى المقيمات في البيت، لكنها في الحقيقة تركت منزل والديها لتقيم هنا نتيجة تعرضها للضرب والتعذيب الدائم من قبل والدتها من دون أي سبب، وتعدى الأمر إلى منعها من الذهاب للمدرسة، ما إضطرها للجلوس في البيت، لانتظار الضرب والتعذيب كل يوم.
حالة أخرى داخل البيت، وهي لفتاة تدعى م. ق تعاني الضرب والحرمان من قبل زوجة والدها، حيث تحرمها من إكمال دراستها وتلبية أدنى متطلبات حياتها بحجة الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة، لكن علامات الضرب كانت موجودة على وجهها، ونتيجة لذلك اضطرت الفتاة للهرب في ساعات الصباح الباكر نحو “بيت الأمان” بعد أن علمت به من قبل إحدى صديقاتها، لتجد الحرية والراحة هناك حسب قولها.
في السياق تقول مديرة “بيت الأمان” هنادي سكيك إن الهدف من تأسيس البيت، هو إيواء الناجيات من العنف بكل أشكاله، وجاء بدافع خلق جهة مختصة في الدفاع عن المرأة لتعيش بكرامة، وبينت أنهم يستقبلون نساء تعرضن للعنف الجسدي والجنسي وسوء المعاملة وأغلبهن بين سن 13-18 عاماً، وليس لهن أي معيل أو مأوى.
وأشارت في حديثها لـ”القدس العربي” إلى أن الفكرة من إنشاء المؤسسة هي احتواء المرأة من أي عنف منزلي، في بداية الأمر كان هناك تخوف من تمرد النساء على بيوتهن، إلا أن الفكرة لاقت قبولًا في المجتمع الفلسطيني وتفهم طبيعة عمل المؤسسة.
لجان الإصلاح
وتكمل سكيك قائلة، تحصل السيدة في البيت على كل الدعم من مأكل ومشرب وملبس خلال فترة المكوث في المؤسسة، ويتم السماح لها بالخروج إذا كانت طالبة مدرسة أو جامعية أو موظفة، ترافقها شرطية بزي مدني في حال كانت هناك خطورة على حياتها خارج المؤسسة، وتتعلم المعنفات حرفة أو مهنة ضمن برنامج المؤسسة، مثل التدريب المهني والتعليم على الكمبيوتر، وبرامج تثقيفية للتعامل مع الأسرة وحل المشاكل، بالإضافة لبرامج الدعم النفسي، والجناح الترفيهي.
وأوضحت أن لجان الإصلاح العشائرية تتدخل لإصلاح ذات البين مع الأهل أوالإخوة أو الزوج حسب طبيعة المشكلة، وذلك حفاظاً على النسيج الاجتماعي، وفي حال تعرضت الحالة لعنف جسدي يتم تدخل الشرطة، والتعهد من قبل المعتدي أن لا يعود لذلك، وإن أخلف وعده يحق للمؤسسة تقديمه لمركز الشرطة، ويتم الدفاع عن المعنفة في المرافعات القانونية لطلب حضانة أو نفقة أو طلاق أو زواج أمام المحاكم.
وأوصت سكيك الأهالي، باختيار الزوج المناسب لبناتهم والإحسان لهن، لأن أغلب المشاكل كانت نتيجة التفكك الأسري، والطلاق ليس الحل المناسب دائماً، وتفكك الزواج ينعكس سلباً على الأبناء، لافتة إلى أن بعض الحالات تكون الأم في جهة والأولاد في جهة أخرى ما يعرضهم للتسول في الشوارع والضياع من دون راع لهم.