عبد الرحمن قطناني: في صبرا سكنني حنظلة وفني ابن العالم والمخيم وبيروت

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت-“القدس العربي”: بكّر الوعي السياسي والوطني والإنساني في التسلل التدريجي إلى عقل ومشاعر عبد الرحمن قطناني. معرضه الجديد جاء نتيجة اكتمال المشهد بأبعاده المتعددة في مخيلته ومشاعره معاً. أدرك بعمق العوامل المؤثرة في بؤس اللاجئ الفلسطيني وخاصة في لبنان فداهمه “عصف فكري”. وهكذا ظهّر فنياً بشاعة اللجوء، وأشار إلى المؤثرين سلباً في قضية فلسطين.

 في ظلال “زينكو” المخيم وقريباً من الموجة الهادرة غضباً في كاليري صالح بركات جرى الحوار معه:

*من هو عبد الرحمن قطناني؟

**للسؤال اشكالية كبيرة إن فكّرت بأنني فنان فلسطيني عاش طوال حياته في مخيمي صبرا وشاتيلا. في المحصّلة أنا فلسطيني ولدت في 25 أيلول/سبتمبر سنة 1983 في مخيم صبرا في بيروت.

*نعرف حياة المخيم ولهذا نسأل كيف اكتشفت حشريتك الفنية؟

**اعتبرت البدايات حشرية، ولم أكن أعرف ماهية الفن. رسمت الكاريكاتير كمراهق على جدران المخيم متأثراً بناجي العلي. سكنني حنظلة كرمز للصبر والنضال والتحرر والمقاومة. من عمر 14 رسمت على جدران المخيم، وتابعت حتى سنة 2007.

*وهل مرّت الأمور بسلام؟

**بل رافقتني المشاكل على الدوام. حينها كان والدي يمنعنا من المشاركة في اجتماعات الفصائل الفلسطينية في المخيم. كان منتمياً لفتح، وفقد الأمل بعد تطورات الخروج من بيروت، ورأى الفساد يدبّ في كل الفصائل. حينها كنت أطرح الأسئلة: “لماذا نعيش هذا الوضع والجميع يتحدث بحق العودة”؟ ولماذا تلعب الفصائل دوراً في تخريب المخيم وناسه؟ كنت في المرحلة المتوسطة من الدراسة حين طلب مني مسؤول في أحد التنظيمات الانضمام إليه لأكون مخبراً. كثر من عمري جذبتهم الـ50 ألف ليرة شهرياً، والدوام ليوم في المكتب أسبوعياً. وفي النهاية فضل هؤلاء المراهقون التنظيم على المدرسة. وحينها وجدت صلة قوية بين حق العودة الذي هو أساس قضيتنا وبين جيل جديد قوي ومتعلّم. قرءاتي من أجل كاريكاتير متطور وناجح قادتني لكتب لا حصر لها وفي مختلف الشؤون السياسية والاقتصادية والفلسفية، وجميعها وجدتها في مكتبة المخيم التي توليت تنظيمها في مرحلة معينة. استنتجت بعد القراءة أن ما يُنفذ في المخيم معاكس لمفهوم حق العودة. الشعب المتعلّم والمثقف والقوي قادر على تحديد وجهته لتحرير وطنه. للأسف الفكر السائد والذي أرسته منظمة التحرير، ومن ثم مع منظمات الـ”أن جي أو” يقنعنا بالعجز بدون دعم مالي خارجي. وفي رأيي مشاريع المخيم لا تحتاج للدعم. وتزيين جدرانه بالرسوم لا يحتاج لشركة التينول. قمت به كرسّام وحيد في مخيم صبرا بعد جمع الأندية الرياضية والثقافية، وكانت النتيجة 90 جدارية حرة وبدون دعم. طلبنا 500 ليرة لبنانية من كل عائلة، والجميع ساهم بدءاً من ألف وإلى خمسة آلاف ليرة. وأكثرهم شارك بنزع الملصقات عن الجدران. وتبرعت المحلات بالمواد المطلوبة من طرش وسواه. حينها نفّذت نشاطاً توعوياً مع آخرين يحبون الرسم على الجدران، ولم يخطر الفن في بالي.

*وكيف كسبت الوعي بشأن قضية شعبك؟

**من كبار السن في المخيم. فهمت منهم لماذا وصل اللجوء الفلسطيني إلى طرابلس وحلب. سألتهم لماذا لم تلازموا الحدود بما أنكم ستعودون بعد أسبوع؟ وعلمت أنه بوصولهم إلى الحدود في الأردن وسوريا ولبنان كانت تقلهم شاحنات كما الغنم وتوزعهم على مساحات من الأرض معدّة لهم سلفاً.

*وهل كان الطريق ميسراً لدراسة الفنون في لبنان؟

**لم أكن أعلم بمعهد الفنون في الجامعة اللبنانية. كنت رسّام كاريكاتير فطري، وأعمل حمّالا بورشة بناء لتحصيل المال صيفاً. وبعد الشهادة الثانوية حصلت على منحة لدراسة الغرافيك ديزاين في الجامعة الأمريكية. أحداث 11 أيلول/سبتمبر في الولايات المتحدة طيرتها، فلم يعد متاحاً تحويل المال إلى لبنان. صديق يكبرني ويرسم الكاريكاتير دلني إلى معهد الفنون وكنت أجهل وجوده. تقدمت لامتحان الدخول واعتقدت بأتي سأرفض لافتقادي الجهة الداعمة التي كانت تسيطر على المعهد حينها. لكني وللمفارقة حللت ثالثاً بين المقبولين لسنة 2003-2004. وللمفارقة أبوح لك بأنني بحثت عن اسمي في لائحة الانتظار أولاً ولم أجده وقررت الخروج. ولاح لي قراءة اسماء المقبولين فكنت الثالث بينهم. طوال سنوات الدراسة الخمس حققت نتائج جيدة رغم انعدام الشغف. نظام التعليم والأساتذة تعساء، بعكس الزملاء.

*معهد الفنون مُكلف ويحتاج الطالب للكثير من المواد للدراسة؟

**كنت أصنّع حاجاتي بيدي، وتالياً صرت أبيعها لزملائي لنوعيتها الأجود والأرخص من السوق. وكنت أنجزها بمساعدة والدي النجّار، ووالدتي الخيّاطة. بعد زملائي أولاً، ومن ثمّ كافة طلاب الجامعة، وباتت تلك المواد مصدر عيش لي ولعائلتي حتى أنهيت دراسة الماسترز في الجامعة اللبنانية.

*أن تنجز الماسترز فهذا يعني أن الدراسة لم تكن بالكآبة التي تصورناها؟

**بل أنني تركت الجامعة ولم أستلم شهادتي. فقد كنت الأول في صفي، درجة تتيح للمتخرج اللبناني الحصول على وظيفة في الجامعة. وكان القرار أن يكون غيري أولاً. كنت قد أنجزت رسالتي والمشاريع المطلوبة، أرجأوا البت بمشروعي لسنة بينما ينجز زملائي مشاريعهم. لعنت المسؤولين والجامعة وأدرت ظهري. وبعد سنة اتصل بي أستاذ عُين مشرفاً على رسالتي، فلم أستجب وحتى اللحظة شهادتي تقيم في معهد الفنون.

*فنك يحاكي الواقع ويزداد عمقاً في التعبير. ماذا يراودك حين تنجز فكرة أو تقدم معرضاً؟

**في البدايات كان همّي التعبير عن مشاعري. وإلى حدود سنة 2014 ركّزت لتحقيق مفهوم المعرض. وبعد إقامة فنية لسنة ونصف في فرنسا تبدلت الهموم والمفاهيم، خاصة بعد تواصل سريع حققته الكرة الأرضية فيما بينها. أرى فنون العالم وأضع ذاتي في صلبها. أقدم فناً هو إبن العالم إلى جانب كونه إبن المخيم أو بيروت أو حتى الشرق الأوسط. أنجز عملاً جاهزاً للعرض في كافة مدن العالم وقاراته. لهذا بات التركيز أكبر على المحتوى الفني. سابقاً كان الموضوع والتكنيك مركز اهتمامي. تركيزي الحالي منصب على الشكل الفني، وتأليف العمل بما يسبق الموضوع بقليل. أبحث في الصيغة البصرية الجديدة للموضوع، وأن يحمل مفهوماً يصل للناس. بعد سنة 2014 بات تفاعلي أكبر مع جمهور فرنسا وسويسرا وإيطاليا وانكلترا ودول الخليج العربي. وزرت البرازيل مؤخراً، وبمجرد عرض العمل رأت الناس ذاتها من خلاله. وهذا ما حصل بصدق في البرازيل. فرحت جداً لأني عبّرت بلغة عالمية، أقدم عملي كلاجئ فلسطيني في لبنان، وهو بات مشاهداً من الأوروبي والأمريكي اللاتيني وشعوب قارة آسيا.

*ماذا عرضت في الدول الأوروبية؟ وكيف تنقل تجهيز المخيم؟

**عرضت في فرنسا زاروباً يمثل المخيم أطول من الذي أمامنا بلغ 22 متراً، وبارتفاع ثلاثة أمتار ونصف. يشبه التجهيز الحالي إنما أكثر تعقيداً من الداخل. وفي فرنسا لجأت للمواد الموافرة هناك. الأعمال الضخمة كما تجهيز المخيم صعب نقلها. عندما يستدعيني غاليري في الخارج الازم المكان لشهرين وأنجز عملي. وأفضل استعمال المواد المتوافرة في كل بلد لصلتها بالناس. أقمت في فرنسا مع عائلة لشهرين، وكان الكراج بتصرفي حتى أنجزت عملي. هناك كان التفاعل جميلاً مع الناس.

*هل كان وجودك ضرورياً لتشرح ماهية المعرض للجمهور؟

**بل بعضهم كان يشرح لي ما لا أعرفه عن فلسطين. في سويسرا كان التفاعل كبيراً، ولم يطرح الناس أسئلة بل كانوا يحدثوني عن مشاهداتهم لأخبار الشرق الأوسط، وأين يرون التشابه بين معرضي وما سبقت رؤيته عبر الشاشات. أرغب في تقديم عمل يستفز المتلقي بحيث يطرح الأسئلة أو يترك انطباعاً في الغرب أو الدول العربية.

*خبرني عن ولادة “عصف فكري”؟ وماذا عن الوقت الذي سبق بدء التنفيذ؟

**كل معرض أقيمه يمدني بأفكار لمعرض مقبل، وأحب هذا الترابط. وضعت أفكار “عصف فكري” قبل ثماني سنوات، وخاصة الموجة، وكذلك المخيم الذي جسدت بعضه في معرض في المعهد الثقافي الفرنسي. وهذا المعرض فتح لي آفاقاً متعددة. تنفيذ الموجة في “عصف فكري” استغرق ثمانية أشهر. وهي عبارة عن سجاد منسوج من أسلاك شائكة، قسمتها لأربع قطع ليسهل نقلها، ووزنها طن ونصف الطن.

*تجهيزات ليست صالحة للبيع ولا وجود لمتحف يضمها. هل تدمر تاريخك؟

**في تجهيز المخيم الحالي بعض مما تشكل منه معرض المعهد الثقافي الفرنسي سنة 2012. صعب أن تكون الموجة في متحف دائم داخل لبنان، فلا وجود لمتحف للفن المعاصر.

*أظهرت جزءاً من مكان عشت فيه عبر تجهيز فني. في المحصلّة الفن جمال فهل جمّل المعرض المخيم وأزهر القضية؟ أم ماذا؟

**ارتبط بالواقع كفنان ولا أنقله، بل أنقل الانطباع عنه. عملي هذا يجسد فكرة المخيم. كما قلت والدي نجّار، وفي صغري كنت أساعده كثيراً في الزينكو وتركيبه على أسطح المنازل. وأعرف لماذا كان حديد البراميل يلف الجدران من الخارج. فالبناء في المخيم ممنوع ولهذا كان حجر الباطون يختفي خلف حديد البرميل. أسلوب موارب لحماية الذات من عوامل الطبيعة، ومن قرار منع البناء في المخيم. رغبت أن يكتشف زوار المعرض المواد الأولية التي تمّ استخدامها في البناء في مرحلتي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. الزينكو لا يزال مستعملاً رغم بلوغ طبقات البناء في المخيم الثماني. ويستخدمه أيضاً كشّاشو الحمام. لهذا رغبت بتماس مباشر بين المتلقي والمواد المستعملة في بناء المخيم في بدايات اللجوء، وبالوقت عينه عبّر زاروب المرايا عن التجربة النفسية لناس المخيم والذين لم يغادروه منذ سبعين سنة. لم تكن لديهم إجابة عن ما سيحدث بل يتوقعون. ولديهم احتمالات العودة أو دمار المخيم أو حدوث حرب ما أو أو أو؟ الأيام تتشابه ولا جواب حقيقيا.

*من يزور مخيمات الشعب الفلسطيني في لبنان لن يرى تجهيزك عن المخيم بل واحدة من جرائم العصر العربي بحق الإنسانية؟

**صح. جزء صغير من المخيم قد يكون تجهيزاً. يمكن وصف المخيم في لبنان بالبيئة الأتعس في العالم أجمع. بؤسه يفوق الخيال. زرت “الفابيلاز” أو السكان الأصليين المهجّرين عن أماكنهم في البرازيل، ارتفاع منازلهم ثلاث طبقات. ويعيشون وسط الشجر والطبيعة وعلى تلة جبل. المخيم في لبنان بُني بنفعية وبعيداً عن التنظيم، هو برج بابل.

*كم حقق المعرض هدف العنوان “عصف فكري”؟ هل تتبعت الانطباعات؟

**نظراً للحراك في الشارع اللبناني لم يكن للمعرض حفل افتتاح، بل كان إعلانا عن العمل الفني الذي يقدمه غاليري صالح بركات. توافد كثيرون، وتواصلوا بعضهم بالآخر معلنين عن المعرض داعين لضرورة مشاهدته. وبعضهم وصفه بأنه جزء من الحراك. وشعرت بأن الرسالة وصلت. وآخرون شاهدوا المعرض ولم يتكلموا مطلقاً.

*لماذا جعلت شخصيات براميل النفط التسع في طليعة المعرض؟

**بعيداً عن إطلاق الأحكام على هؤلاء الأشخاص، فهم من قاد لعبة البترول والمال في منطقتنا العربية. بدءاً من عبد العزيز الذي وقع اتفاقية البترودولار مع الأمريكيين على متن بارجة أمريكية في الخليج سنة 1945 مروراً بكارلوس الذي خطف طائرة وزراء الأوبك، إلى عبد الناصر الناس الذي ناهض اتفاق بغداد، إلى فيصل الذي اغتيل لأنه اوقف البترول عن الأمريكيين لوقف حرب 1973. ومصدّق الذي اغتيل لأنه قرر تأميم البترول الإيراني، إلى القذافي وصدام حسين ودورهما في تمويل المنظمات الفلسطينية كي تقاتل بعضها، إلى دعم الصباح وحاكم الإمارات لمنظمة التحرير. مال البترول دعم الفصائل، ولعب دوراً في انقسام الفلسطينيين وصولاً إلى تدمير القضية. والمخيم استعمل برميل النفط ليقيه عوامل الطبيعة بينما هو نقمة على القضية.

*هل “الموجة” تسافر إلى العالم؟

**أكيد. سبق القول إنها من أجزاء، وثمة حديث مع مركز فني كي تُعرض في فرنسا.

*أين تقيم ساحة عملك الذي يحتاج لمساحات؟

**في لبنان وخارج بيروت. أتفلت من المكان الثابت أرغب العمل في مكان المعرض عندما أتمكن.

*أوروبا باتت فضاء حراً للتجهيزات الفنية. هل ترغب بذلك؟

**هذا ما نفذته في فرنسا وسط غابة مخصصة للفنانين. كانت لي شجرة علّقت عليها الفطر الذي صنعته من الشريط الشائك.

*تتميز باللطف والرقة فما سر تآلفك مع الشريط الشائك؟

**قد يكون نتيجة شغف بالتناقض في الحياة. أفرح بالعمل معه وبدون كفوف واقية.

*الفنان يعيش من فنه فماذا عنك؟

**أعيش من فني، والناس يرغبون في أعمالي الصغيرة. سيمر الفنان بمرحلة صبر وتقشف وعمل قبل أن يتمكن من العيش من فنه. في عصرنا يشبه الفنان أي فقّاعة تحصل فجأة. قد لا يكون معروفاً وفجأة يبيع بحدود المليون دولار ويختفي.

*أنت بالانتظار؟

**يبدو أن الفقّاعة لن تأتي. أفضل أن لا يغرّني المال كي لا تفقع الفقاعة برأسي. أتابع العمل مع غاليريهات وليس مع رجال أعمال. فما من أحد يضغط عليَ للعمل كما سلق البطاطا. أتعاون مع أربع غاليريهات في لبنان وقطر وسويسرا وفرنسا. لا أحتاج لأحد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية