عن العنف المتلفز وعنف المنظومة: لبنان على طاولة قِمارِ تلفزيوناته

حجم الخط
3

دخلت موجة الاحتجاجات في لبنان شهرها الرّابع، وهي تعاظمت الأسبوع الحالي إلى مستويات عتيّة غير مسبوقة، متسببة في سقوط مئات الجرحى بين المتظاهرين ومنسوبي القوى الأمنيّة في حوادث عنف منقول معظمهما على هواء التلفزيونات المباشر، لتدخل كل بيت بلا استئذان، وتصل إلى كل أفراد العائلة كباراً وصغاراً.
الأمر ذاته يتكرر في العراق، حيث يسقط الضحايا يومياً وينقل المئات جرحى إلى المستشفيات. ولا تبدو ولادة حكومة جديدة في لبنان بعد تعسر ومماحكات سياسيّة استمرت لأسابيع بمثابة نهاية لتلك الاحتجاجات، إذ ما لبثت أطراف غير ممثلة داخلها أن دفعت إلى تسعير موجة أكثر عنفاً مستفيدة من الغطاء العام لفكرة «الثورة» ضد النظام، التي داعبت شغاف قلوب شعب يعيش ظروفاً معيشيّة تزداد قتامة، في ظل هيمنة تحالف متين لزعماء الطوائف وأمراء الحرب، وفق تفاهم يرعاه المجتمع الدّولي (اتفاق الطائف) أنجز بداية التسعينيات لإنهاء الحرب الأهليّة التي عصفت بذلك البلد الجميل لما يقرب العقدين.

توظيف العنف: أوراق لعب على طاولة المراهنة على الأوطان

تظاهر اللّبنانيون في بداية انتفاضتهم بدون اللّجوء إلى العنف أو الصدامات المباشرة، ونجحوا بفرض معادلة جديدة على جميع الأطراف، مستقطبين تعاطف العالم من رأسه حتى أخمص قدميه، ولم تعد جمهوريّة مرحلة ما بعد 17 تشرين أول/أكتوبر الماضي – ليلة اندلاع الاحتجاجات – تشبه بحال تلك التي كانت قبلها.
لكن عدم استجابة (النّظام) القائم أصلاً على أساس إدارة الفوضى لضغوط المحتجين، وانعدام رغبة زعماء الطّوائف والنّخبة الملتفة حولهم في التنازل عن امتيازات اعتادوا عليها وطالما اعتبروها حقاً من حقوقهم المتوارثة، سهّلت لأطراف من داخل هذه المنظومة حصراً القفز على الحراك الشعبيّ، وتوظيف قطاعات منه كأوراق لعب على طاولة المراهنات، ودفعها للقيام بأعمال عنف بداية ضد المواطنين أنفسهم – من خلال قطع الطرقات الرئيسة وتعطيل الحياة العامّة – واستهداف فروع البنوك، ولاحقاً عبر الهجوم على مواقع القوى الأمنيّة التي كلّفت بحماية مبنى مجلس النوّاب في قلب وسط العاصمة.
وقد شاركت محطات التلفزيون اللبنانيّة الكثيرة – وكل منها محسوب على أحد الأطراف المتنافسة – بنقل مباشر لتلك الأعمال، وتبريرها أو حتى إذكاء نارها في بعض الحالات خدمة لهذا الطرف أو ذاك.
ومحصّلة العنف الموجه تلك جاءت على حساب الطرفين المحتجين وقوى الأمن، الذين فقد بعضهم بصره أو كسرت أطرافه أو خسر قدرته على الإنجاب، أو تعرّض لضرب مبّرح وإصابات متفرقة وجميعهم، على الإطلاق من أناس عاديين اندمجوا في لعبة الهجوم والهجوم المضاد.

عنف اليوم أم عنف كل يوم؟

أثار هذا العنف المستجد، وهو حقيقة أقلّ من مستوياته في أماكن أخرى عادة ما تأخذ فيها القوى الأمنية بزمام المبادرة، مستفيدة من احتكارها للعنف المسلّح – أثار مشاعر قطاع عريض من اللبنانيين الذين فرضت عليهم تلفزيوناتهم مشاهدة مكثّفة ومتكررة لمقاطع مختارة من مواقع معينة دون أخرى، وكاد بعضها أن يفتح من جديد جروح الحرب الأهليّة الطائفيّة التي هي بالطبع درع الطبقة الحاكمة الأخير لحماية الامتيازات في مواجهة الغضب الشّعبي.
لكن السؤال لماذا مشاهد عنف – كثيرها مفتعل وموجه – يثير عواطف مكثّفة وردود أفعال متسارعة، بينما لا تثير نماذج ممنهجة منه تمارسها السلطات منذ تأسيس الكيان اللبناني لمئة سنة خلت، وسقط ويسقط لها ضحايا بمئات الألوف ربع هذه العواطف؟

المنظومة القاتلة من وراء حجاب

يعرف خبراء السياسة والقانون أن الدولة اللبنانيّة التي هي أداة النخبة الحاكمة وملعبها مارست عبر العقود قتلاً منظماً ومستمراً – وإن بطيئاً – لمواطنيها بأشكال متعددة. فالفساد الذي يتسبب في سوء البنية التحتيّة يقود إلى نسبة عالية من ضحايا حوادث الطرق، مقارنة بمعظم دول العالم، كما أن غياب مستويات كافية من الرّعاية الصحيّة لغالبيّة المواطنين تتسبب لكثيرين منهم بالموت المبكّر نتيجة أمراض يمكن في عصرنا مواجهتها والتقليل من تأثيراتها، ناهيك بالطبع عن الإهمال البيئي المتعمّد الذي جعل لبنان واحداً من أسوأ دول العالم لناحية الإصابة بالسرطان والأمراض التنفسيّة والمعويّة، بينما يؤدي التفاوت الصارخ في مستويات الدّخل إلى سعي كثيرين لتحصيل الرزق عبر طرق ملتوية من سرقة وتجارة مخدرات وقلّة ذمّة ورشوة، في الوقت الذي تحولت السجون إلى مصانع لإعداد المجرمين أكثر منها بكثير مؤسسات للردع والإصلاح.
كما أن فشلت الإدارات المتعاقبة في توفير فرص عمل وترق للمواطنين نتيجة نظام محسوبيّات طائفي بشع دفع بالكثيرين إلى التماس طرق الهجرة والانقطاع عن أسرهم وعائلاتهم بما تتسبب به مثل تلك الغربة من ضغوطات نفسيّة وماديّة ومجتمعيّة على المغتربين وأبنائهم كما على أهاليهم. وهذا كلّه فوق التوتر اليوميّ والشد العصبي الذي يعيشه معظم اللبنانيين في لهاثهم اليوميّ للحصول على لقمة العيش، سواء للعاملين الذين هم تحت تغوّل رأس المال من دون توفر قوانين كافية لحمايتهم من التعسّف، أو للمتعطلين الذين يفرّغون طاقتهم في قنوات سلبيّة غالباً ويصبحون فريسة للعصابات والمافيات وتجار المخدرات.

والتلفزيون يقتل أحياناً

يعتقد خبراء الميديا المعاصرة أن تفسير هذا التفاوت الكبير بين استجابة الجمهور للعنف اللّحظي المباشر والعنف الممنهج البطيء يقع تحديداً على عاتق حلقة متوسطة بين العنفين، وهو العنف المتلفز.
قارن مثلاً ماذا يحدث في وسائل الإعلام العالميّة عندما يقتل إسرائيليّ واحد أو ينفّذ مهووس ملتحٍ عمليّة طعن لمواطنين أو ثلاثة على جسر في لندن أو ساحة داخل باريس أو شارع في أحد أحياء نيويورك، فيضجّ العالم من أقصاه لأقصاه، وربما تقام تظاهرات تضامن عبر العواصم شرقاً وغرباً، بينما قُتل في الكونغو مثلاً أكثر من أربعة ملايين شخص خلال حرب أهليّة دمويّة استمرت خلال عقد كامل – ونتيجة لأوضاع خلقتها القوى الاستعماريّة الغربيّة – لكن لم يسمع بها أحد – ربما سوى الخبراء المتخصصين. الفرق هو في ما تختار وسائل الإعلام الإضاءة عليه مقابل ما تبقيه تحت ستائر قاتمة.
وبالطبع فإن وسائل الإعلام الجماهيريّة الكبرى في غالبيتها الساحقة جزء لا يتجزأ من المنظومات الحاكمة، وبالتالي لن ترى على شاشاتها أو أغلفتها سوى العنف الذي تتعمد السّلطات أن تريه لمواطنيها.
في لبنان، وهو نسخة محليّة فاجرة من هذا النّظام المعولم، فإن معظم وسائل الإعلام الكبرى مملوكة لهذا الطرف أو ذاك من الجهات الشريكة في السلطة بشكل أو آخر، وتصطف مواقفها حكماً في مربّع مصالح القلّة النخبويّة حصراً دون سواد المواطنين.
وبالتالي ننتهي كمشاهدين غفلاً ونحن نتلقى جرعة عنفنا اليومي بما يتناسب ومصالح هؤلاء، مع إثارة دخان كثيف لحجب أشكال العنف الممنهج الأخرى البطيئة لكن الأشد تأثيراً.
الفيلسوف السلوفيني سلافوج جيجيك يمنح هذه الحلقة درجة العنف الكامل. فكما صدام السلطة والمحتجين عنفٌ، فإن التلفزيونات – والإعلام في مجمله – يمارس بدوره عنفاً آخر بحق الأكثريّة عبر خداعهم لرؤية عنف دون آخر ودفعهم للانفعال اللحظي دون الانفعال العاقل، بينما كل ذلك ما هو في الحقيقة إلا نتيجة العنف البنيوي المستمر والدائم الذي تنتهجه المنظومة الحاكمة – بتفرعاتها وتمظهراتها – على المقهورين لتقتلهم ببطء مفتعل بارد.
ربما على المحتجين الثائرين عند تحقق شيء من مطالبهم – على الأقل – أن يكون من ضمنها وضع تشريعات لازمة لتأسيس إعلام بديل ينتمي للوطن وللناس وللإنسانيّة، وتقييد المؤسسات القائمة بقوانين تفرض عليها ولو نوعاً من توازن مستحيل كي لا تكون مصدر عنف آخر موجه ضدّهم.

٭ إعلامية وكاتبة لبنانية بريطانية – لندن

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية