ملتقى الشعر الدولي الأخير في القاهرة

نظم المجلس الأعلى للثقافة، الذي يرأسه الدكتور هشام عزمي وبرعاية وزيرة الثقافة الفنانة إيناس عبد الدايم، ملتقى القاهرة الدولى الخامس للشعر العربي بعنوان «الشعر وثقافة العصر.. دورة إبراهيم ناجي وبدر شاكر السياب» في الفترة من 13 حتى 16 يناير/كانون الثاني الجاري، في مقر المجلس الأعلى للثقافة في القاهرة، بمشاركة عدد كبير من الباحثين والشعراء والنقاد من مصر ومعظم الدول العربية.
وكانت وزارة الثقافة قد أصدرت في يناير/كانون الثاني الماضي قرارا وزاريا بتشكيل لجنة عليا لتنظيم الدورة الخامسة من الملتقى، تحت إشراف الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة؛ ومقررها محمد عبد المطلب .. ملتقى الشعر العربي وملتقى الرواية العربية هما من أبرز أنشطة المجلس الأعلى للثقافة في مصر. عام للرواية وعام للشعر، وفي كل عام تتم دعوة عدد كبير من المبدعين والنقاد العرب، بالإضافة إلى المبدعين والنقاد المصريين. لم أكن يوما في لجنة ملتقى الشعر، وهذا طبيعي فلست شاعرا ولا ناقدا، وكنت أكثر من مرة في لجنة الإعداد لملتقى الرواية. لن أحكي شيئا عن كواليس اللجان التي حضرتها، لأن شيئا فيها لم يكن يضايق أي أحد منا، وكان الوضوح راية الجميع، وتبادل الآراء جميلا وبشكل يستهدف فقط نجاح الملتقى. كانت المشكلة الدائمة هي كثرة أعداد الكتاب، لأن هناك كتابا كثيرين يتمتعون بسوء الظن، ويتصورون أن عدم دعوتهم يعني موقفا مضادا لهم. كنا نتغلب على ذلك بعمل ندوات، وهذا طبيعي، لكن شخوصها عادة من النقاد أكثر، وكنا نقيم لقاءات تحت شعار الشهادات للمبدعين، مصريين وعربا، وكانت تكفي لأنها كانت تتم أكثر من مرة في اليوم الواحد. هكذا كان يمر ملتقى الرواية بدون مشاكل من أي نوع. فقط كانت الجائزة التي تُمنح للفائز عربيا أو مصريا تثير بعض الجدل، لكنها دائما تكون آخر مظاهر المهرجان، فينتهي بدون مشاكل، وتكون الصحافة هي مجال الخلافات التي سرعان ما تخبو.
لم يحدث أن استمر الجدل حول جائزة بشكل كبير، إلا في العام الذي خرج فيه صنع الله إبراهيم إلى المسرح ورفض الجائزة عام 2003. في ذلك اليوم كنت أقف أمام المسرح في بهو منطقة الأوبرا، قبل انعقاد الجلسة بدقائق، ورأيت صنع الله ابراهيم يدخل إلى المسرح واندهشت جدا. معرفتي بصنع الله ابراهيم أنه لا ينشر في وزارة الثقافة، ومقاطعُ لها في كل أنشطتها، وقد طلبه أمامي مرة سمير سرحان، بعد أن سألني إذ كنت معه في المكتب، ما رأيك أن نطبع لصنع الله ابراهيم رواية في مكتبة الأسرة؟ قلت له سيرفض، لكن حاول أن تكلمه. سألني عن تليفونه فأعطيته له، واتصل به أمامي وسرعان ما أبعد سماعة التليفون عن أذنه وقال لي «دا بيشتمني». ضحكت. هما يعرفان كل منهما الآخر من قبل أن أظهر أنا في الحياة الأدبية. حين رأيت صنع الله إبراهيم يدخل قاعة المسرح أدركت أنه قد حصل على الجائزة، واندهشت جدا ليس من أنه سيحصل عليها، لكن من توقعي أنه سيرفضها.

 انسحب  حسن طلب من لجنة الإعداد أصلا، حين رأى ميلا للشعراء القدامي، وحيث أن العرب أيضا لم يأت منهم شعراء شباب.

لم أدخل قاعة المسرح بالأوبرا وظللت واقفا في الخارج متوقعا للدراما. لم يكن ممكنا لي أن أفكر أنه قادم للاحتفال أبدا، فهو بعيد تماما عن كل أنشطة وزارة الثقافة. كان دخول صنع الله متأخرا، كأنه يقصد أن يكون الجميع قد اكتمل حضورهم. سمعت بعد قليل تصفيقا شديدا جدا، فأدركت أنه قد تم إعلان الجائزة واسم الفائز، وما هي إلا دقائق وأنا مازلت في الخارج، وسمعت تصفيقا مدويا جدا فأدركت أن صنع الله رفض الجائزة. لم تمر دقيقة إلا ووجدته يخرج من المسرح، ويجري خلفه الصحافيون، لكنه لم يتوقف واستمر في طريقه. ضحكت وسألت أحد الصحافيين قائلا هل رفض الجائزة قال أجل. لن أحكي أكثر ولا عن كواليس الجائزة، التي لم أكن أبدا عضوا في لجان تحكيمها، ولا ما قيل من أن جابر عصفور أمين المجلس الأعلى ذلك الوقت، حين اتصل بصنع الله يعلنه بفوزه ويريد اسمه كاملا وحسابه البنكي، أعطاه صنع الله كل شيء، لأنهم حين سألوا صنع الله بعد ذلك لماذا أعطيته بياناتك ثم رفضت؟ أجاب بوضوح كنت أريد أن أصنع ذلك «الشو» قالها بوضوح وبدون حرج، وكان معناها لمن يريد أن يفهم أنه لو رفض في السر لن يعرف أحد موقفه من الحُكم، وكانت مصر وقتها ينمو فيها الرفض لحكم الرئيس مبارك.
هذه هي الأزمة الوحيدة التي عاصرتها علانية. في كل الأحوال أنا بعيد عن الجوائز ولجانها ودهاليزها، أنا فقط اشتركت أكثر من مرة في الإعداد لمهرجان الرواية، الذي حرصنا فيه على ألا نغضب أحدا من مصر، أو من الخارج، لأن هذا يتحدد وفق الميزانيات المالية. الآن أنا بعيد عن كل شيء بإرادتي، فلم يعد لديّ الوقت ولا الصحة. حضرت مؤتمر الرواية الماضي، لأرى أصدقائي من العرب الذين لا أراهم إلا في هذه المناسبات، واشتركت في ندوة واحدة معتذرا عن أي ندوة أخرى لأسباب صحية.
كان حضوري لملتقى الشعر الأخير أيضا لأرى الضيوف من العرب، وبعض الأدباء من خارج القاهرة. في هذا العام لم أعرف عن مهرجان الشعر إلا من الفيسبوك، ولاحظت أن ما ينشره الصديق وائل حسين الأمين المساعد للمجلس الأعلى ودينامو الأعمال في المجلس، لا يجد قبولا كبيرا ولا رفضا، لكن يجد عدم اهتمام. دعوت الشعراء والروائيين خاصة على الفيسبوك للاحتفال بالمهرجان، وكتبت ضاحكا «طيب روحوا قابلوا الكتاب والنقاد العرب، والا هي الرواية خلاص خلتكم طلقتم الشعر بالثلاثة». جاءتني ردود كلها ضد الملتقى من شعراء من الأجيال الجديدة، ملخصها أن الملتقى أهمل الأجيال الجديدة، ولم يكن فيه من شعراء النثر الشباب أحد تقريبا، فضلا عن موضوع المهرجان الكلاسيكي البعيد عن حالة الشعر الآن، وأن هناك حركة مقاطعة من الشعراء لهذا الملتقى. أسماء كثيرة قيل إن المؤتمر تجاهلها من الأجيال بعد جيل أحمد عبد المعطي حجازي. وبعضها بالمناسبة اعتذر عن عدم حضور المؤتمر لأنه لا يهوى المهرجانات مثل عبد المنعم رمضان.
لكن الغضب كان شديدا وتسرب أن هناك أيضا انقساما في الكواليس، انتهى بانسحاب أحمد عبد المعطي حجازي لأنه تم اختيار جابر عصفور رئيسا للجنة التي تمنح الجائزة، وأن حسن طلب انسحب من لجنة الإعداد أصلا، حين رأى ميلا للشعراء القدامي، وحيث أن العرب أيضا لم يأت منهم شعراء شباب. الحقيقة بدا لي معدو الملتقى أقل حنكة من معدي ملتقي الرواية، لكن في النهاية كانت هناك حشود يوم إعلان الجائزة التي فاز بها قاسم حداد، وهو شاعر كبير لا يختلف عليه أحد، رغم وجود شعراء كبار مثل محمد علي شمس الدين وشوقي بزيع وعلي جعفر العلاق وغيرهم، لكن هكذا الجوائز لابد أن تذهب لشخص واحد فقط وهي عربية هذه الدورة. أتمنى في المهرجان المقبل أن يلم المهرجان شمل الشعراء المصريين، خاصة أن الجائزة ستكون مصرية حتى لو زادت أيام المؤتمر يوما آخر.

٭ روائي من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية