معاً في مؤامرة نفي المكان

حجم الخط
0

أعرف انني وروائيين آخرين شاركنا في مؤامرة نفي المكان وإلغائه حين كررنا حضوره في رواياتنا، كما حاولنا – ولا زلنا – ان نحتال على وجوده بعد ان توصلنا إلى ضرورة الهرب منه باعتباره وجودا متبلدا متبرما لا يقوى على احتمال توقنا إلى التحليق والانفكاك منه .
مرة ارتكبتُ تلك الحماقة المتداولة وحاولت تعريف المكان، على الرغم من ان تعريف الأشياء حماقة أو ربما جنحة يجب ان يعاقب عليها القانون .
تعريف الأشياء يعني بشكل ما، انكار حضورها فينا وإحالتها إلى ما يشبه النكرات التي لا تتحقق إلا عبر تعريفاتنا .
ارتكبت تلك الحماقة وابتلعت ذلك الاحساس الحامض بغرابة محاولتي، فاكتشفت ان البيت مثلا أو الشارع أو الحي أو المدينة أو البلد، كل هذه ليست أمكنة بالضرورة، لأن من يضفي عليها سمات الأمكنة هو أنا وسواي، بما نحس وندعي في سياق وجودنا المكابر الذي يرى الأشياء وفقا لما نريد .
وجدت أيضا ان المكان لا يتحقق إلا عبر اتصاله واشتباكه بأمرين غاية في الأهمية هما : الإحساس والذاكرة .
سوف أدعي بان الكاتب لا يستطيع الاعتراف بالمكان من دون الإحساس بوجوده، وإذ ينتفي هذا الإحساس، فان وجود المكان ينتفي معه .
وعلى ما تحمل هذه النتيجة المناكِفة من سذاجة تثير الحفيظة للوهلة، إلا انها تلخص الكثير مما ينبغي قوله في سياق العلاقة الملتبسة بين الروائي والمكان، فثمة أماكن لا نستطيع اعتبارها أمكنة، ثمة أرصفة وهضاب وحقول نعبرها في حياتنا من دون ان نحس بها، ومن دون ان تتجسد فينا أو ان تنشأ بيننا وبينها علاقة، انها أماكن لا تمنحنا شيئا، لأنها لا تستقر في ذاكراتنا، انها أماكن ملغاة بحكم إخفاقها في امتلاك شروط التحقق في وعينا الذي يمنحها صفات المكان .
المناكفة الأخرى تتصل بالعلاقة المصيرية والوجودية بين المكان وبين ذاكراتنا .
هذه العلاقة لا تستمد وجودها من الدهاليز الرغائبية للكاتب، إنما مما يمارس من استبدادات مكانية، ومما يتبقى من المكان بعد ان تنمحي معالم الذاكرة الإنسانية باعتبار ان الإنسان يمثل المرجعية التي تؤكد وجود الأشياء أو تنفيها.
حين نألف المكان نكون اكتشفنا تفاصيله، لكننا في الوقت ذاته نكون خضعنا لإرهابه ووقعنا في شرك حصاراته وفخاخ مسالكه وشعابه .
هكذا يتصيدنا المكان: نعيش فيه فيمتص ألواننا كي يمنحنا لونه، لكنه يمارس أنواعا من التدخل في حياتنا حين يمحو – أو يحاول ان يمحو – من ذاكراتنا معالم الأماكن التي سبقته كي يبقي على ملامحه هو، وفي الوقت ذاته، فانه يستولي على أمزجتنا ورغباتنا كي يبثها ويبثنا في مناخاته ومحيطاته .
ثمة صراع أماكن يتم عبر الذاكرة، وصراع آخر نمارسه نحن مع المكان الذي يحاول الاستبداد بنا وصهرنا في مرجل وجوده الثقيل .
المناكفة الثالثة تكمن في اننا نستطيع اختراع الأمكنة وتلوينها وبث الحياة فيها، لكننا لا نستطيع تجنب الخلط بين أماكن الواقع وبين ما اخترعنا من أماكن في رواياتنا، وحين نُعمِل ذاكراتنا فإننا لا نقوى – أحيانا – على الجزم فيما إذا كانت ملامح المكان الذي تذكرناه وأحداثه قد مرت من بوابة واقعنا الذي عشناه في يوم ما، أم من بوابة مخيالنا الذي أسس لها واخترعها وأحالها بمرور السنين إلى أجزاء من ذكرياتنا، كي يضفي عليها صفات التحقق والوجود، على الرغم من انها لم تكن سوى مشاهد تم اختراعها في مَعامل أرواحنا .
انه لأمر مثير، لكن هذه الاثارة لا تتأتى مما قد يعتري الذاكرة من اضطرابات أو اختلالات، إنما من التداخل المفزع الرهيب بين المحتويات المكانية التي تختزنها الذاكرة بعد ان يصوغها المخيال، وبين تلك المستمدة من معاينات الحواس أثناء اشتباكها مع الواقع أو معايشتها له.
والأنكى ان الأمكنة التي تهبط في أحلامنا، تختلط أيضا مع أمكنة الواقع، ومع تلك التي اخترعها مخيالنا الروائي. هكذا تتحول الذاكرة إلى مسرح لثلاث جبهات مكانية، فيعز التمييز والتفريق بينها، ويصير المكان جزءا من لعبة الذاكرة التي تحتال عليه وعلينا، حين تحيله إلى واقع ملتبس يصلح للكتابة الروائية أكثر مما للحياة.
يفزعنا هذا الخلط للحظة لكنه يستلنا من يومياتنا الزاخرة بروائح المكان وملامحه ويحلق بنا كي يمنحنا متعة التحرر من ثقل المكان ويباسه وتفاصيله المتكررة .
لكننا على الرغم من كل هذا نصر بشكل غير مفهوم – على الوقوف عند ثنائية المكان والزمان، كأننا نريد عقد تكافؤ قسري فيما بينهما، وكأننا لا نريد إلاعتراف بالفلسفة وباينشتاين وكوبرنيكوس وسواهما.
حين تبنى البيوت في الجبل فان إحساسنا ينزاح عنه كي يستقر عند البيوت، حين تشق الطرق فإن اهتمامنا ينزاح من جديد لينصب على الطرق بدلا من البيوت، حين تكتظ الشوارع بالمارة تتلاشى الشوارع ويصير المارة موضوعنا، وحين تكتسي الأرصفة والواجهات باليافطات المضيئة وسواها فإن اهتمامنا ينتقل إليها بدلا من كل ما تقدم .
ثمة تحولات مكانية تتم عبر الزمان الذي يمثل الحقيقة الأشمل، وثمة نفي لمعالم المكان الذي يعيش ومضة ثم ينطفىء ليولد مكان آخر يحمل ملامح جديدة : نحن جزء من هذا التوالد الذي يتم في حضن الزمان وتحت رقابته الصارمة .
حين يتنادى المكان ويتكثف في وعينا فانه يكرر وجوده كي ينفي هذا الوجود، نحن شركاء في مؤامرة نفي المكان وتجيير وجوده لصالح الزمان، وهي بالمناسبة مؤامرة غالبا ما لا تكون قصدية، لكنها تظل مشروعة .
هو صراع نمارسه في وعينا أو ربما دون ان نعي لكنه قائم رغما عنا، وإلا كيف ننسى في غمرة انهماكنا بتفاصيل يومياتنا اننا نسير في قارعات المكان؟ كيف نتغاضى عما ندوس بأقدامنا وما نلمس بأصابعنا وما نرى بأعيننا؟ إنها سلسلة انتفاء وجود المتكرر.
نقول: كان الزمان قد مر، كانت السنون قد مضت وانقضت حين تحول الجبل إلى مدينة زاخرة بالأرصفة والمارة والدكاكين وأصوات الباعة وأبواق السيارات .
هذا ما نقوله في رواياتنا، لكننا لا ننتبه إلى ان مرور الزمان قد أحال المكان إلى مسخ أداة يستخدمها للتعبير عن سيرورته، كما لا ننتبه إلى ان الزمان قد أصبح كلا شاملا فيما غدا المكان جزءا صغيرا: ان الزمان أكبر من مجرد طرف مكافىء للمكان في تلك الثنائية التي نصر على استعارتها وتداولها .
في الرواية نستضيف الأمكنة المشرئبة والحميمة والمسالمة والمعادية، نحاورها ونناكفها ونصالحها، لكننا أبدا نستخدمها كي نضلل الآخرين، فقليلون هم أولئك الذين يستطيعون التنبه إلى وقع الزمان وسيرورته الخفية التي تترسّم عبر حركة المكان وانتقالاته واستبدالاته وتحولاته .
هكذا نشارك في المؤامرة، وهكذا يصير المكان مجرد فعل في الزمان، أو مظهرا زمانيّا يحاول جذبنا إليه فنستجيب، ليس لأننا نريد الانصياع إليه، إنما لأننا نريد مشاغلته كيما نتمكن من تحقيق حلمنا الأبدي في التحليق بعيدا عن ثقل المكان الذي يتنزّل فينا، ويرغمنا على احتمال سطوته وضجيجه وهراء تفصيلاته .
ثمة هروب نحو الزمان، وثمة سحر ونظريات تتناول المكان في منأى عن هذا الهروب الكبير الذي يبرر الإبداع ويمنحه أسباب الحياة.

٭ روائي أردني فلسطيني

جمال ناجي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية