“ها هو صوت عمي يأتي من وراء الجبال يقفز على التلال”، هكذا يشدو شلومو الملك في نشيد الإنشاد، عن التمني والتوق اللذين بين الحبيب وعقيلته. غير أن وثيقة حب شلومو، بكل جمالها، هي في نهاية الأمر وثيقة تفويت للفرصة. فالعقيلة تبحث في الليالي عن حبيب قلبها، ولكن عندما يدق الحبيب بابها تتردد، وحين تفتحه سيكون غادر المكان.
منذ سنة وإدارة ترامب تدق بابنا مع صفقة القرن. صوت العم سام يأتي من الغور والصحراء، ويصعد إلى الجبل. “صوت عمي يدق، افتحي لي يا اختي، أما نحن فنتعلل بالمعاذير: “خلعت منامتي، انتظر لأرتديها”. ليس الآن. ثمة انتخابات، ومرة أخرى انتخابات، ومرة أخرى انتخابات. والعم ينتظر بصبر. وها هو الآن يدق مرة أخرى، ربما يقترح أو يطلب من إسرائيل أن تبسط القانون الإسرائيلي على كل الغور وعلى كل المستوطنات في يهودا والسامرة. ويجب علينا في هذه اللحظة التاريخية أن لا نفوتها بأي حال.
كان الفلسطينيون في العقد الماضي هم الذين قرروا الحقائق على الأرض، فقد لعب الزمن في صالحهم. حكومات إسرائيل كفت عن إقامة مستوطنات جديدة وبنت بتقنين في داخل المستوطنات، وسيطرت السلطة الفلسطينية على مناطق “ج”. عدد لا يحصى من البؤر غير القانونية، مثل الخان الأحمر، نثرت على الأرض، بإدارة السلطة الفلسطينية وبتمويل أوروبي. أما إسرائيل فلم ترد. وعملياً، المعنى هو فقدان ذخائر استراتيجية. ويجب على اليمين واليسار أن يقلقا على هذا، وإذا كانت إسرائيل فقدت ذخائرها، فما الذي يمكن أن يعرض على طاولة المفاوضات؟
توضح صفقة القرن للفلسطينيين بأن الزمن يعمل في طالحهم. في مشروع التقسيم كان يمكنهم أن يقيموا دولة على نحو نصف الأرض التي بين النهر والبحر. ولاحقاً عرض عليهم باراك وأولمرت كل يهودا والسامرة وعاصمة في القدس. أما الآن، فحسب المنشورات، فما يعرض عليهم أقل بكثير: مساحة أقل، وتجريد من السلاح، ودون القدس، ودون حق العودة، دولة بلا سلاح وبلا سياسة، وهجرة مستقلة.. هذه ليست دولة.. هذه أقل من سلطة فلسطينية. هذه النقطة من المهم أن تفهمها محافل مختلفة في اليمين، ولكن تنطلق في اليمين أصوات تلك العقيلة الكسولة التي يصعب عليها فتح الباب. ولا يكفيها أقل من مسيح مع حمار أبيض وبوق.
في الوسط وفي اليسار أيضاً، من جهة المستوطن ليبرمان ورئيس الأركان الأسبق غانتس، تنطلق أصوات التثاؤب للعقيلة التعبة. هذه الأصوات، التي تحاصر الإدارة الأمريكية من اليسار، تقترح أن يبسط القانون على غور الأردن وليس على المستوطنات في يهودا والسامرة.
هذا لا يعقل. فلماذا نفوت الفرصة التاريخية؟ حكومات إسرائيل، بما فيها حكومات رابين وبيرس، ساعدت في إقامة المستوطنات واعترفت بها. أكثر من يوبيل مر منذ أن بدأ المشروع الاستيطاني في يهودا والسامرة. أكثر من 400 ألف من السكان اليهود يعيشون هناك اليوم، يربون الجيل الثالث والرابع. بعد المحاولة الفاشلة في غزة، بات الكل يفهم بأنه لن يكون هناك مزيد من الانسحابات، فلماذا إذن نبقي مئات آلاف الأشخاص تحت حكم عسكري؟
ضم الغور والكتل والجيوب الاستيطانية في يهودا والسامرة سيستوجب إعطاء المواطنة لكل الفلسطينيين الذين يعيشون في تلك المناطق. في الغور يدور الحديث عن 5 آلاف شخص. في مناطق “ج” يعيش بضع عشرات آلاف أخرى من الفلسطينيين. ولما كان الاقتراح الأمريكي يتحدث عن قسم من المناطق “ج” تضم المستوطنات اليهودية بالذات، فيمكن الافتراض أن الحديث يدور عن بضعة آلاف من الفلسطينيين ممن سيتلقون المواطنة. ويمكن لإسرائيل أن تحتمل ذلك.
لا عذر يمكنه أن يبرر تأجيل هذه الفرصة التاريخية. لا الانتخابات ولا التحقيقات، فكل تأجيل يعتبر سيئاً. كل من هو صهيوني، من اليمين ومن اليسار، عليه أن يفهم بأن هذه لحظة محظور تفويتها، ونتنياهو يفهم هذا. وحسب القانون، فهو لا يحتاج حتى إلى أغلبية في الكنيست كي ينفذ اقتراح صفقة القرن، رغم أن له أغلبية كهذه. يمكن لنتنياهو أن يعقد حكومة إسرائيل صباح غد ويعلن عن بسط القانون على الغور والمستوطنات في يهودا السامرة. ويمكن لنتنياهو أن يفتح الباب للعم أخيراً.
بقلم: يفعت ايرلخ
يديعوت 26/1/2020