الجزائر: ملف المعتقلين مطلب للحراك الشعبي وصداع في رأس السلطة

كمال زايت
حجم الخط
0

الجزائر-“القدس العربي”:تحول ملف معتقلي أو سجناء الحراك في الجزائر إلى عقدة تفاقمت مع مرور الأيام والأسابيع والأشهر، بل يمكن القول من دون مبالغة إنها النقطة السوداء الوحيدة في الثورة الشعبية السلمية التي قام بها الشعب الجزائري طوال أشهر طويلة، ويمكن أن نتخيل أي مسار كان سيتخذه الحراك لو لم يكن هناك معتقلين وسجناء تم توقيفهم وحبسهم خلال هذه الهبة الشعبية.

في هذا الوقت بالذات من السنة الماضية لم يكن أكثر الحالمين جنونا وأكثر المجنونين حلما أن يتصوروا أن الجزائر ستكون على هذه الصورة بعد عام واحد. في هذا الوقت من السنة الماضية كانت الجزائر تستعد لمأتم جديد، كانت تتجه صوب مأساة أخرى، عصابة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة كانت تقود البلاد نحو المجهول، وكانت مستعدة لحرقها لو وقف أحدهم في طريقها، لأنهم اعتقدوا بعد عشرين سنة من حكم الجزائر، أنهم وأدوا كل شيء جميل فيها، وأنهم جعلوا شعبها ذليلا خانعا قابعا في قاعة انتظار لا يغادرها أبدا، فيما هم منشغلون بقضاء مصالحهم بعد أن دان لهم كل شيء، فالوضع الداخلي مستقر، ومراكز القوى داخل السلطة تم القضاء عليها، وحتى المؤسسة العسكرية التي كانت عادة تتدخل لما ترى أن الأمور انحرفت عن مسارها، كان قد تم تحييدها وتحطيم بعض أجنحتها، وخلق أطراف داخلها تدين بالولاء التام إلى الرئيس وعصبته وعلى رأسها شقيقه ومستشاره السعيد بوتفليقة، وبالتالي اعتقد هؤلاء أن الولاية الخامسة لبوتفليقة في الجيب، ومع ذلك كانوا قد شعروا بنوع من الحرج، وفضلوا أن يلعبوا على الكلمات، فبدل القول إن الرئيس سيترشح لولاية خامسة، راحوا يستعملون كلمة الاستمرارية، لتبرير مشروعهم الإجرامي في حق الجزائر، فالرجل الذي كان يجلس على كرسي متحرك لأكثر من ست سنوات، أي منذ إصابته بجلطة دماغية سنة 2013 أردوا أن يبقوا عليه في الرئاسة ولو شكليا، فمادام في جسده نفس ففي أنفسهم طمع وتعطش لمزيد من السلطة والنفوذ والنهب، بل كان بإمكانهم أن يحكموا باسمه حتى لو وضعوه تحت التراب، فبالإضافة إلى النهب والسلب والتسلط وعشق المنصب، كان هؤلاء قد وصلوا إلى مرحلة متقدمة من معاداة الكثير من الجهات والأشخاص داخل السلطة وحولها، وكانوا يدركون أنه لا حل أمامهم سوى المواصلة، لأن الانسحاب يقابله حساب وعقاب.

ساعة التغيير

ورغم أن أستاذ الرياضيات في جامعة باب الزوار سابقا، والنقابي الشرس، السعيد بوتفليقة عرف لسنوات طويلة كيف يتلاعب بمعادلات السلطة، وكيف يكون دائما الرقم المجهول المعلوم في القصر، ذلك الذي يحكم ولا يملك، يأمر ولا يحاسب، لا يوقع على شيء ولكن كلمته مسموعة، وأحلامه وأوهامه أوامر بالنسبة لغيره، إلا أنه لم يحسب حساب الشعب، فهؤلاء بالنسبة إليه مجرد “غاشي” لا يعتد بهم، فمنذ أن مرر ومن معه الولاية الرابعة، وأظهر شقيقه على كرسي متحرك، وهو حتى لا يستطيع وضع ورقة الانتخاب داخل صندوق، ثم مرر ولاية كاملة برئيس غائب ومغيب، وهو يشعر أن بإمكانه فعل أي شيء، خاصة وأن الخارج أيضا متواطئ، بل ومستعد أن يشهد شهادة الزور من أجل ضمان مصالحة الضيقة والآنية.

في الثاني والعشرين من شباط/فبراير دقت ساعة التغيير، واستفاق الشعب من سباته، وقرر أن يثور، يثور ضد نظام بوتفليقة، وضد النظام بأكمله، هذا النظام الذي فرض على الجزائريين رئيسا استنجد بالخارج لتعزيز أركان حكمه، ولقطع الطريق أمام أي محاولة لإبعاده عن السلطة، آل بوتفليقة استولوا على الجزائر ولم يكن لديهم أي استعداد لتركها، وكانوا على استعداد لحرقها لو شعروا أن بقاءهم على رأسها مهدد، ورغم كل التقارير الأمنية التي كانت تحذر مما سيقع في الثاني والعشرين من شباط/فبراير لكن نظام بوتفليقة استسهل الأمر، واعتقد أنها فورة وليست ثورة، وظن أنها مجرد محاولة من بعض الفئات لتسجيل موقف رافض للولاية الخامسة، ثم القبول بالأمر الواقع، ولكن الذي حدث قلب كل الموازين، وخلط كل الحسابات، حتى داخل السلطة نفسها، فالمؤسسة العسكرية أدركت منذ البداية أن ما يحدث ليس بالأمر الهين أو البسيط، وسارعت لقطع الطريق أمام سياسة علي وعلى أعدائي، وحذرت أجهزة الأمن من استخدام القوة ضد المتظاهرين.

ثورة فانتصار فشقاق

كسر حاجز الخوف منذ الجمعة الأولى، ملايين الجزائريين في الشارع بشكل شبه يومي، تحررت الحناجر وسقط الصنم، حتى أركان النظام اهتزت، وأصبحت سلطة بوتفليقة تهرول في كل الاتجاهات بحثا عن مخرج بأقل الأضرار، بداية بتغيير طاقم مديرية حملة بوتفليقة، والإعلان أنه في حالة فوز بوتفليقة سيقلص الولاية الرئاسية وينظم انتخابات مبكرة ويرحل، ثم تأجيل الانتخابات، والبقاء في السلطة إلى غاية تنظيم حوار وطني وانتخابات، لكن الشعب كان قد قرر أنه يجب أن يرحلوا جميعا، وتواصلت القبضة الحديدية إلى غاية استقالة الرئيس بوتفليقة، بعد أن دفعه إلى ذلك قائد أركان الجيش الراحل الفريق أحمد قايد صالح.

عند هذه النقطة بالذات وقع الاختلاف، لأن هناك من كان يرى أن المطالب تحققت، وأن الولاية الخامسة سقطت، وأن بوتفليقة ومن معه رحلوا عن السلطة، وأن رؤوس الفساد في عهده تم توقيفهم وحبسهم والشروع في محاكمتهم، في حين أن الشارع أو جزء منه شعر أن رحيل بوتفليقة لا يكفي وأنه حان وقت التغيير الجذري والكلي للنظام، وأنه لا بد من العودة إلى نقطة البداية، وهو الأمر الذي لم يتوافق معه قائد أركان الجيش السابق، الذي كان يعتقد أن تحطيم كل شيء والرجوع إلى نقطة الصفر يحمل بين ثنايا نواياه الطيبة مخاطر تهدد استقرار البلاد، فراح يدفع نحو إجراء انتخابات رئاسية بأي ثمن، وهنا اشتدت القبضة الحديدية، وبدأت الاعتقالات مع بداية قضية العلم الأمازيغي، التي أثارها قايد صالح، والتي أشعلت صراعا جديدا كان يمكن تفاديه، مع أن الراحل تحدث عن ضرورة منع جميع الرايات، عدا الراية الوطنية والرسمية، ودخل بعض الحراكيين في منطق التحدي مع السلطات وتم توقيف العشرات من المتظاهرين بسبب حمل الراية الأمازيغية، وحبسوا تحت النظر، ثم عرضوا على القضاء. الغريب أن بعض المحاكم في مدن شرق وغرب البلاد برأت من تم ضبطهم “متلبسين” برفع الراية الأمازيغية، ومحاكم أخرى، خاصة في العاصمة أمرت بحبسهم، مع أن الأمر كان يتعلق بشابات وشباب في العشرينيات من العمر، وجدوا أنفسهم وراء القضبان، وقضى بعضهم عقوبة كاملة، وصلت إلى ستة أشهر، وخرجوا وخرجن محمولين ومحمولات على الأعناق.

بعد ذلك بدأت عملية توقيف مجموعة من النشطاء والمعارضين، ولم يسلم من ذلك حتى شخصيات من وزن المجاهد لخضر بورقعة البالغ من العمر 86 سنة، الذي أوقف بسبب تصريح تعرض فيه إلى الجيش بكلمات قاسية نوعا ما، لكن الرجل أحد أبرز مجاهدي ثورة التحرير، وهو معروف بتصريحاته النارية ومواقفه الصارمة، كيف لا وهو صاحب كتاب “شاهد على اغتيال الثورة”؟ بورقعة أوقف وأودع الحبس المؤقت ووجهت له تهمة إحباط معنويات الجيش، ورغم سنه ووضعه الصحي إلا أنه بقي لأشهر طويلة في السجن، والمصير نفسه لاقاه أيضا الجنرال المتقاعد حسين بن حديد الذي قضى أكثر من نصف عمره في المؤسسة العسكرية، والذي سجن أيضا في فترة حكم بوتفليقة، ليجد نفسه وراء القضبان مرة أخرى، بتهمة إحباط معنويات الجيش، بسبب مقال نشره في صحيفة “الخبر” (خاصة) والذي توجه فيه إلى قائد أركان الجيش السابق مطالبا إياه بتحمل المسؤولية مباشرة في الأزمة السياسية، ونشرت نصوصها على صفحات جريدة وطنية، دعا فيها للتوجه إلى الحل السياسي للخروج من الأزمة، بعيدا عن الدستور الذي اعتبره مصمماً على مقاس سلطة ترفض أي انفتاح ديمقراطي، معتبرا في تلك الرسالة المفتوحة أن حل الأزمة القائمة يمكن أن يكون سياسيا فقط، ولا يمكن بأي حال أن يكون في دستور مصمم حسب قوة ترفض أي انفتاح ديمقراطي.

وطالت الاعتقالات شخصيات ونشطاء مثل كريم طابو المعارض المعروف، والغريب في حالة طابو أنه بعد توقيفه بأيام أفرج عنه، وعاد إلى بيته وتنفس الجميع الصعداء، معتقدين أنه نهاية كابوس، لكن الغريب أن طابو أوقف بأمر من محكمة أخرى، وأودع السجن، وما زال حتى كتابة هذه السطور خلف القضبان، واللافت للانتباه هو أن طابو لم يوقف بسبب تصريحاته إلا بعد أشهر من إدلائه بها، وهو ما يثير تساؤلات بخصوص التوقيت.

وتوالت الاعتقالات وشملت نشطاء مثل سمير بلعربي وفضيل بومالة، بسبب منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، ووجهت لهما تهمة تهديد الوحدة الوطنية وما زالا خلف القضبان حتى كتابة هذه السطور، وقيل آنذاك إنه كانت هناك نية لتوقيف مزيد من النشطاء والمعارضين، ولكن مع مرور الأيام، زاد التوتر والتعصب، ولم تزد الاعتقالات الوضع إلا سوءا، حتى وإن حاولت السلطات آنذاك القول بشكل مباشر أو عن طريق أبواقها إنه لا وجود لمعتقلي رأي، لكن هؤلاء كلهم أوقفوا بسبب آرائهم ومواقفهم، وبدا أن الممسك بزمام الأمور تورط بوضع بعض الرموز في السجن، ومع مرور الأسابيع تعقدت الأوضاع أكثر.

إطلاق سراح سجناء الحراك

تحول مطلب إطلاق سراح سجناء الحراك مع مرور جمعات المظاهرات إلى مطلب رئيسي يتردد على لسان المتظاهرين، إلى جانب المطالب الأخرى التي كانت ترفع مثل رحيل رموز نظام بوتفليقة، وإعادة الكلمة والقرار للشعب، ومحاسبة الفاسدين، ولكن السلطات التي كانت ماضية إلى انتخابات 12 كانون الأول/ديسمبر الماضي، بعد أن اضطرت إلى تأجيلها في تموز/يوليو الماضي، راحت تعتقل المزيد، حتى تجاوز عدد المعتقلين في السجون مئة معتقل بتهم مختلفة، ولم تكن الاعتقالات إلا لتخلف مزيدا من العزيمة والتحدي لدى المتظاهرين، وحتى المعتقلين أنفسهم، فبورقعة الذي تجاوز عمره 86 عاما، ورغم وضعه الصحي الذي زاد تدهورا في السجن، إلا أنه رفض أن يوجه رسالة اعتذار بخصوص تصريحاته، بل إنه أكد أنه يرفض الإفراج عنه ما لم يتم إخلاء سبيل جميع المعتقلين، وكذلك الشباب من الموقوفين الذين كانوا يمثلون بين فترة وأخرى أمام القضاء، والذين كانوا يعبرون عن إرادة وعزيمة قويتين، لا ينال منها السجن الذين زادهم قوة.

بداية الانفراج

انتخاب عبد المجيد تبون رئيسا للجمهورية، ورغم الظروف الاستثنائية التي تم بها، جاء على عكس ما كان متوقعا ليقلل من التوتر الذي كان قائما، والقبضة الحديدية بين قائد الأركان السابق وبين الحراك الشعبي بدأت تتلاشى، فالرئيس المنتخب وفور إعلان النتائج أكد استعداده الحوار مع الحراك الشعبي والذي وصفه بالمبارك، وقال إن مطالبه شرعية، وهي تصريحات قلبت صفحة القبضة الحديدية، وشاءت الأقدار أن يرحل قائد الأركان بعد أيام من تنصيب تبون رئيسا للجمهورية، وودعته الجزائر في جنازة مهيبة، لتدخل البلاد بعدها مرحلة جديدة، فقد تم تشكيل حكومة، ضمت وجوها من الحراك وأخرى كانت معارضة للانتخابات، وشرع القضاء في الإفراج عن المعتقلين، وكانت البداية بالمجاهد لخضر بورقعة، الذي غادر السجن في اليوم نفسه مع الجنرال المتقاعد حسين بن حديد وأكثر من 60 شابا وشابة من معتقلي الحراك، وإلى غاية كتابة هذه السطور لم يبق إلا قليلون وراء القضبان، ويتعلق الأمر أساسا بالثلاثي كريم طابو وفضيل بومالة وسمير بلعربي.

ورغم أن القضاء قرر تمديد حبس كريم طابو أربعة أشهر أخرى على ذمة التحقيق، إلا أن إطلاق سراحه في الأيام المقبلة وارد، أما بالنسبة لبومالة وبلعربي فإن جلسة محاكمتهما برمجت ليوم 9 شباط/فبراير الجاري، ومعظم المؤشرات توحي أنهما سيستفيدان من الإفراج بعد أن قضيا عدة أشهر خلف القضبان، وإذا ما تم الإفراج عن الثلاثة قبل موعد 22 شباط/فبراير الجاري الذي يصادف الذكرى الأولى للحراك، فإن من شأن ذلك قلب هذه الصفحة، التي تبقى النقطة السوداء الوحيدة في مسار حراك شعبي طويل أذهل العالم بسلميته وتحضره، وبين أن المستحيل ليس جزائريا، وأن بالإمكان القيام بثورة شعبية سلمية من دون أن تراق فيها الدماء، وبدون أن يتعرض المتظاهرون لقمع أجهزة الأمن، وأنه أيضا بإمكان الجيش أن يرافق الشعب في مطالبه المشروعة بدون أن يستغل ذلك للسطو على السلطة، وتكرار سيناريوهات عرفتها دول أخرى.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية