لم يحبس العالم العربي أنفاسه أمس مع نشر خطة السلام للرئيس ترامب، وبشكل عام رد بضبط للنفس أو حتى بصمت صاخب.
ولكن بالمقابل، وهذه هي الأنباء الطيبة، لم يخرج أحد أيضاً عن طوره غاضباً ضد الخطة ليرفضها رفضاً باتاً –لا الإعلان عن القدس الموحدة كعاصمة إسرائيل، ولا طلب الاعتراف بدولة إسرائيل كدولة يهودية، ولا حتى الضم المرتقب للمستوطنات في يهودا والسامرة. فبعد كل شيء، فإن معظم الدول العربية انشغالات أكثر أهمية وإلحاحاً من مسألة مستقبل الفلسطينيين، وإذا كان هؤلاء لا يريدون أو ربما لا يستطيعون أخذ مصيرهم في أيديهم، ويتخذون لأول مرة في تاريخهم المسؤولية عن مستقبلهم– فإن أحداً في العالم العربي لا يعتزم عمل ذلك نيابة عنهم.
أما الفلسطينيون من جانبهم فقد قرروا -كما كان متوقعاً- أن يرفضوا بغضب الخطة الأمريكية المقترحة، فهم يفضلون على ما يبدو “العيش في فيلم” ومواصلة حلم الأحلام عن مستقبل أفضل، وبالأساس عن مواصلة الكفاح ضد إسرائيل أو حتى عن التدخل الدولي الذي يجبر إسرائيل على إعطائهم ما يريدون. ولكن كل هذا لن يحصل، وكل العالم، باستثناء الفلسطينيين، باتوا يفهمون هذا.
إن الافتراض بأن استمرار الوضع الراهن يخدم الفلسطينيين أو لا يسيء وضعهم، تحطم أمس، ولكن بسبب ضعف المجتمع وضعف القيادة الفلسطينية، فإنهم لا يستخلصون الاستنتاجات اللازمة من ذلك فيستجيب لعرض ترامب.
***
وهكذا، بدلاً من الاعتراف بالواقع، واستيعاب أن خطة أفضل من خطة ترامب لن تعرض عليهم، وبالأساس بدلاً من تشمير الأكمام والبدء بالعمل من الداخل على بناء مجتمع واقتصاد مزدهر، وهكذا محاولة إخراج العربة الفلسطينية من الوحل الذي تعلق به منذ عشرات السنين.. يفضل الفلسطينيون مواصلة تفويت كل الفرص التي تقع في طريقهم.
بخلاف الماضي، لم يعد الشرق الأوسط منقسماً بين إسرائيليين وفلسطينيين ومن خلفهم الدول العربية. الانقسام الجديد هو إيران وحلفاؤها، ومقابلهم الدول العربية المعتدلة وإلى جانبهم إسرائيل والولايات المتحدة. وبقرارهم رفض الخطة الأمريكية، يختار الفلسطينيون أن يكونوا في الطرف غير الصحيح من الخريطة والتاريخ. العالم العربي يفهم هذا، ومن هنا تلك الكتف الباردة التي يوجهها لهم في لحظة مصيرية بهذا القدر بالنسبة لهم.
لقد عرض ترامب أمس خطة بعيدة كبعد الشرق عن الغرب عن أحلام الفلسطينيين. ولكن هذه خطة واقعية وعملية، تتصدى لعموم المشكلات التي منعت في الماضي تحقيق اتفاق سلام. فضلها الأكبر هو أنها -بخلاف الماضي- خطة ليست رهينة لضعف أو نزوات الفلسطينيين، وإسرائيل والولايات المتحدة يمكنهما أن ينفذاها، كلها أو أجزاء منها، بأنفسهم. هذا إنجاز مهم لإسرائيل، ويحتمل أن يذكر العام 2020 في المستقبل مثلما نذكر اليوم العام 1948 والعام 1967.
بقلم: ايال زيسر
إسرائيل اليوم 29/1/2020