هلا غريب: قناعة الأهل بأهمية تعلُّم أطفالهم لغتهم العربية بداية الطريق لإتقانها

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت-“القدس العربي”: “ألعابي” ابتكار جديد يساعد الأطفال العرب المنتشرين في بلدان الهجرة والعمل برفقة ذويهم على تعلّم العربية بجاذبية وسلوى. إنه البازل “Puzzle” تدخله حروفنا الـ28 بالألوان والصوت الذي يفيد بأن الطفل نجح في تنزيل الحرف بمكانه الصحيح، فيتحمس لمتابعة النجاح.

 “ألعابي” ابتكار مسجّل باسم صاحبته هلا غريب، بدأ ينتشر حول العالم مؤكداً نجاح الهدف منه، ونجاح وسيلة إيصال اللغة العربية للأطفال بجمال بعيداً عن التعقيد. في جعبة غريب المزيد من الأفكار وأملها أن تجد الممول لتتفرغ لها.

مع هلا غريب حوار وتفاصيل عن كيفية ولادة “ألعابي”:

*كيف خطر لك ابتكار الأحرف العربية مشغولة كما البازلز ليتعلمها الأطفال؟

**إثر نيلي لشهادة الماجستير بالترجمة في لبنان، عشت أربع سنوات في برشلونة لدراسة الترجمة من العربية إلى الإسبانية. حينها درّست اللغة العربية لأطفال عرب يعيشون هناك، ووقفت بدقة على المشاكل التي يواجهونها في دراسة لغتهم الأم ومنها سهولة استخدام لغة البلد المستضيف للتأقلم في بيئة جديدة، وانعدام الوقت لدى الأهل ليتحدثوا مع أطفالهم بالعربية نتيجة طبيعة الحياة السريعة. وشكا الجميع من أن أطفالهم لا يتكلمون العربية فيما بينهم عندما يكبرون، كما ويعاتبونهم على تفويت فرصة تعلم لغة إضافية. علّمت هؤلاء الأطفال على مدى سنتين، ابتكرت خلالها مواد التدريس التي تقارب تعليم اللغة من خلال اللعب وتمثيل الأدوار والأغاني، فكانت النتيجة جيدة جدا من ناحية تعلق الأطفال باللغة وحبهم للحصة الدراسية. ومنذ ذلك الوقت بات هاجسي أن لا يكون تعلُم العربية مشكلة لأطفالي وأن تكون المقاربة مسليّة.

شخصياً اكتشفت جمالية اللغة عندما درست اختصاص الترجمة، وليس من خلال المدرسة لأن المواد التعليمية كانت “ناشفة” وكنا نعتبرها “حشوا” في أذهاننا لأننا لم نكن نرى الفائدة أو لم تكن تلك الفائدة واضحة بالنسبة لنا، فلم يفسرها لنا أحد وباتت اللغة العربية بعيدة عنا. ولكن الترجمة أتاحت لي الغوص في جمالية اللغة العربية وليس في تعقيداتها، وعندها أدركت أهميتها.

*ولهذا بحثت عن جماليات مضافة للغة من خلال بازل “ألعابي”؟

**خطرت لي الفكرة بإلحاح عندما صرت أماً. كنت أبحث باستمرار عن ألعاب تساعد في تقديم اللّغة للصغار، ولكن إما أن تكون رديئة الجودة، أو من دون الجدوى التعليمية التي تدعيها، وأغلبها لا يحترم عقل الطفل بتقديم رسوم جذابة تنمي الخيال. رغبت أن يحب أطفالي العربية كما أحبها. فعلينا أن نفتخر بلغتنا، وأن ندرك أنها المساعد الأساسي في اتقاننا للغات الأخرى. فمن شأن العربية أن تُشغِّل الدماغ أكثر من اللغات الأخرى، كونها معقدة وجميلة في آن. فمن الواضح سرعة تعلمنا للغات الأجنبية، فيما لن يحقق المستشرقون النتائج نفسها في الوقت ذاته لدراستهم العربية، ولن يتعدى تحصيله من التعلم تركيب جملة، وتسهيل أموره في المطعم أو الشارع. ولأنني أريد لأطفالي التقرب من تراثهم العربي وحضارتهم، بحثت عن فكرة تتيح لهم تعلُمها أثناء اللعب. فتلك الوسيلة التعليمية أثبتت فعاليتها قياساً للطرق التقليدية. ورأيت أن البازل سيساعد الأطفال في حفظ أحرف الأبجدية عبر شكلها ومن خلال سماعهم لاسم الحرف عندما تلفظه البازل.

*هل مرّت اللعبة باختبارات كثيرة قبل أن تأخذ شكلها الحالي؟

**كانت اختبارات طويلة ومضنية. وسبقها عمل لثلاث سنوات تخللته مراحل عدة: من البحث إلى التصميم ثم انتقاء المصنِّع وأخيراً التصنيع. توجهت أنظاري إلى الصين لأنها الأسرع في تقديم المساطر. وتعاونت مع مصممة انكليزية كونها أما، لكنها لا تعرف العربية وهذا ما استغرق مزيداً من الوقت، ولكن المقاربة في التصميم جاءت لتلبي حاجة الأطفال والأهل في آن واحد. أما اختبارات الجودة والسلامة التي تمكنني من تسويقها في البلدان الغربية بما فيها انكلترا فقد مرّت بنجاح. وتتضمن الاختبارات نوع الألوان والطباعة المستخدمة، ونوع الخشب، والحقل المغناطيسي وغيره من التجهيز الإلكتروني داخل اللعبة. إضافة إلى التدقيق بالمعلومات المرافقة للعبة لترشد الأهل إلى كيفية استخدامها وتدخل في تفاصيل كيفية تبديل البطارية مثلا. وبما أن هدف البازل هو تعلُّم العربية بشكل مسلٍ، تعاونت على تجسيد صوت الأحرف العربية مع مدرِّسة للّغة في لبنان، وسجلت الأصوات وكيفية لفظها. وكانت لي أبحاث خاصة في كيفية تشكيل البازل من جميع الجوانب التقنية والتربوية، وضرورة تشغيل وتحفيز الذاكرة البصرية لدى الطفل، بحيث يكتسب شكل الحرف وهو هدف مهم في اللعبة. سيسمع الطفل صوت الحرف ويحفظ بطريقة غير مباشرة كيفية كتابته منفصلاً. وبما أن الأهمية التعليمية هي الهدف الأساس، فقد اجتهدت لتحقيقها بكل الوسائل رغم أنها أدت لرفع سعر اللعبة، فالحرف الكبير والسميك مُكلف.

*في رأيك هل الانتشار العربي في مختلف أصقاع العالم هو المسؤول عن جهل الأجيال المهاجرة للغة العربية؟ أم هناك عوامل أخرى؟

**لا شك أن للهجرة دورا في ذلك، لكن العامل المؤثر أكثر يتمثل بعدم إدراك الأهل لأهمية اللغة أو نتيجة قرار منهم بقطع التواصل مع الجذور والدخول في منظومة الحياة الجديدة في البلد المستضيف. ومنهم من يشعر بأن القطع مع العربية يمكّن الطفل من لغة المكان الذي يعيش فيه. وربما ينطبق هذا على بعض الأطفال الذين لا يتمكنون من تعلّم لغتين في وقت واحد.

ولكن تجدر الإشارة إلى أن دماغ الطفل الذي يتقن لغتين أو ثلاثا يكبر وينمو بأضعاف عن آخر يعرف لغة واحدة. وهذا مثبت علمياً. فمن هذا المنطلق نشجع الأهل على تمكين أطفالهم من اللغة الأم بالإضافة إلى أي لغة أخرى يتعلمونها في بلاد الاغتراب.

كما أن هناك فئة تنظر إلى اللغة العربية على أنها لم تعد “كوول” وأن الكثير من الكلمات “ثقيلة” على السمع: قنفذ، نفق، قطار هي أمثلة مصغرة لبعض الكلمات التي غالبا ما نستعيض عنها بلغة أجنبيّة. ومن المؤكد أن هذا التفضيل اللغوي عند الأهل يؤثر أيضا على الأبناء، ويتركهم ضحية حكم مسبق حول لغتهم العربية. ولكن المشكلة الأهم التي تواجهها العربية هي أنها لم تعد لغة الاختراعات والاكتشافات. بمعنى آخر نحن العرب لا نكتب الاكتشافات التي يقوم بها بعضنا بلغتنا، بل بالإنكليزية أو الفرنسية أو غيرهما. لم تعد لغتنا منافسة على الصعيد العلمي. ومعروف كم تتراجع أهمية اللغة حين لا تُكتب بها الاكتشافات. وتضاف إلى ذلك إشكالية لجهة الفصحى والعامية. وهذا ما يعانيه الأهل مع أطفالهم في قراءة القصة. أما الحل، فقد يتمثل بقصص الروايات بالعامية في مرحلة أولى ومن ثم إدخال بعض الكلمات بالفصحى فمثلا نستعيض تدريجيا عن كلمة “تخت” بسرير و”تاتا” بجدّة، و”وين أنا” بأين أنا ألخ. هذه المقاربة سهّلت تعلّم اللغة لأطفالي حيث يرون أن الفرق بين الفصحى والعامية هو مصدر غنى وليس مشكلة، وتالياً في لا وعيه سيخزِّن الطفل كل تلك المفردات. ولكن هذا يستدعي قناعة الأهل بأهمية تلعيم اللغة وبذل الجهد لصالح الطفل.

*اللعبة عبارة عن أحرف تتكلم وتفصح عن شخصيتها فهل هي مخصصة لأعمار محددة؟

**إن بازل “ألعابي” مخصص لمن هم فوق 3 سنوات، وننصح بوجود الأهل حرصاً على عدم وضع الأحرف في الفم من قبل الأطفال. فثمانية أحرف من اللعبة تُعتبر صغيرة بالقياس لمن هم دون الثلاث سنوات. وتجدر الملاحظة أن بعض الرسائل التي تلقيتها نوهت بأن هذه اللعبة تجذب الطفل لوقت طويل مما يساعد الأهل في إبعاده عن الشاشات على أنواعها قدر الممكن.

*ماذا يكتسب الطفل من مهارات عبر هذه اللعبة؟

**البازل بحد ذاته ينمي الذاكرة والدقة وحس الملاحظة. وهذه اللعبة لها الدور ذاته إلى جانب تعلُم 28 حرفاً تشكل أبجدية اللغة العربية. فعلى الطفل أن يختار الشكل ويضعه في مكانه، كما أن اللون المخصص لحرف الباء مثلا موجود أيضاً تحته. وإلى اللون يضاف الشكل والصوت. وعندما ينجز الطفل وضع الحرف في مكانه مباشرة سيسمع لفظ الحرف ويحاول تقليده لا إراديا، وهنا أهمية اللعبة بأنها تجعل الطفل يتعلم وهو يلعب، وعندها يدرك أنه نجح في عمله، وبالتالي تكبر لديه حوافز المتابعة والتكرار. إذاً للعبة مميزات في دقة الملاحظة من خلال الشكل والصوت، وتساعد على تنمية الحواس لجهة السمع واللمس والنظر الذي هو الأساس. كما ويستطيع الطفل الربط بين الأحرف والحيوانات الموجودة على لوحة البازل.

*هل ستضيفين جديداً إليها؟

**لدي أفكار للمستقبل، ولكن قبل الشروع بها سأعمل على تثبيت قنوات المبيعات لتسويق المخزون الحالي. لقد بنيت أفكاري الجديدة للمستقبل إلى دراستي للترجمة، وتدريسي العربية للأطفال لبعض الوقت. وتأخذ بالاعتبار الهدف نفسه وهو تسهيل تعليم اللغة العربية للطفل عبر اللعب، وبالتالي سيفرح ويتسلّى وهو يتعلمها. وأركز على تبسيط اللغة ليتمكن الطفل من استيعابها.

أنني أدرك مشكلة التمويل من أجل تطوير أفكاري، وما جمعته من عملي قبل أن أتركه صرفته حتى أنجزت هذه اللعبة. هذا الإنتاج إذاً هو مبادرة مني ومن مدخراتي الخاصة، لأني اعتبر نفسي في نضال دائم من أجل أن يتعرف الجيل العربي الجديد الذي ولد في الخارج على لغته الأم ويحبها. وبمقدار انتشار هذه اللعبة بمقدار ما أتمكن من المتابعة، فإن تمكنت من تقديم الجديد عندها ستكون في رأيي الالتفاتة جميلة والنظرة أكثر إيجابية بالنسبة للغة العربية.

*كيف تسوق “ألعابي” وما هي ردة فعل الأهل والأطفال؟

**هو تسويق شخصي، وأيضاً عبر أمازون بريطانيا، الذي يوصلها إلى كندا والولايات المتحدة وأوروبا وبعض البلدان العربية، وهي مطلوبة رغم ارتفاع سعرها بعد النقل، كما أنها متوفرة في بعض المكتبات والمدارس.

بصراحة إن ردود الفعل ايجابية جداً. وأتلقى رسائل صوتية مشجعة حتى من الأطفال أنفسهم، وبعضهم يبدو فخوراً بها فيحدِّث أترابه عنها ويشاركهم بها حين يزورونه. كما ويفرح الأطفال والأهل معا لأن نقلها متيسر، فاللعبة مترافقة مع كيس من قماش يسهل ذلك كي لا يفقد الطفل أي حرف منها.

أما الشركة فسميتها “ألعابي” تأكيداً للخصوصية فهذه اللغة لي، وهذه الثقافة لي وأريد التمسك بهما.

*هل ترين أن حكوماتنا وشعوبنا العربية يعتنون كفاية بلغتنا؟

**لا عناية باللغة، فطرائق التعليم المدرسية والمناهج لا تربطها بالحياة المعاصرة. لهذا لا يرى التلميذ الفائدة من بذل جهد لتعلمها، كما وتقدمها المناهج على أنها صعبة ومعقدّة. ونتجاهل تقديم العربية كلغة جميلة وغنية. وأرى من خبرتي في هذا المجال أن من مهام المنهج الدراسي التركيز على جمالية اللغة وليس صعوبتها. فمهمات طرائق التعليم تسهيل اللغة عبر الألعاب وتفكيك الصعاب. وعلى صعيد آخر، لا أظن أن مجامع اللغة العربية تعمل بشكل جيد أو تطرح مبادرات من أجل تقديم اللغة بالشكل الأفضل والأجمل. وهنا أذكر بأن الوجه الديني للغة العربية تركها تعيش وليس مجامع اللغة، فنحن شعوب للأسف لا تتداول لغتها في حياتها اليومية لا عبر وسائط التواصل ولا التجارة والأبحاث. إذا لا نرى فعليا دوراً للدولة ولا لوزارات التربية والإعلام في تطوير اللغة. وعلينا تركيز العمل على الجيل الصاعد لأنه هو من سيقرر مصير اللغة العربية. وأتوجه للأهل المهاجرين متمنية أن يحرصوا حين يعودون أثناء العطل المدرسية إلى بلدانهم العربية، أن يطلبوا من محيطهم العائلي تلّكم العربية حصراً مع أطفالهم. وأخيرا أودّ أن أشير إلى بعض المبادرات الفردية الصغيرة: من كتابة القصص الجديدة إلى الرسومات والتصاميم الفريدة التي تظهر تدريجيا في الأسواق وهي بادرة إن أكدت على شيء فهي تأتي لدعم اللغة العربية وتقديمها بشكل جميل ومسل للأطفال.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية