محمد خان أبو البنات وصاحب الامتياز في سينما المرأة

كمال القاضي
حجم الخط
0

قدم المخرج الراحل الكبير محمد خان مجموعة من الأفلام التي لعبت فيها المرأة دوراً رئيساً ومحورياً، فلم تأت النماذج الأنثوية في أفلامه عابرة أو للزينة والمتاجرة، كما هو حال الكثير من الصور الاستثمارية السينمائية التي جعلت من النساء والفتيات مجرد أنماط مشوهة للإغراء فقط.

لقد تعامل خان مع المرأة كإنسانة، فكشف عن مكنونها الروحي وفتش في داخلها عن الأحاسيس والمشاعر كمستوى أول وأخير بعيداً عن غواية التوظيف الجسدي والجمال الظاهري والإلحاح الغريزي على الرغبات لخلق أجواء من الإثارة ومضاعفة الإيرادات في شباك التذاكر.

في فيلمه الروائي الأول “ضربة شمس” مع نور الشريف كان له السبق في توظيف الإمكانيات التمثيلية الخاصة والفريدة للفنانة ليلى فوزي، حيث قدمها في صورة مختلفة ومغايره تماماً لما اعتاد عليه الجمهور طوال مسيرتها ومشوارها الفني الطويل، فقد منحها فرصة العمر لتثبت أنها ممثلة بارعة، إذ أسند إليها دور زعيمة العصابة ورئيس شبكة تهريب الآثار، وبرغم أن الدور صامت وخالي من أي حوار، إلا أنه صار الدور الأكثر تميزاً والعلامة الدالة على موهبتها.

غير أنه اعتنى في فيلم “موعد على العشاء” لسعاد حسني بأزمة البطلة الداخلية والصراع النفسي الذي عاشته جراء فقدانها الأمان وملاحقة الزوج المتسلط لها موضحاً الفوارق الكثيرة بينها وبين الرجل الذي تزوجته قسراً وكان سبباً في عذابها.

وفي تجاربه السينمائية الأخرى التي جاءت متتالية وموحية أيضاً بانحيازه الكامل لصورة المرأة الإيجابية على الشاشة، لم يتجه إلى استغلال الجسد وإنما ركز في الأساس في ماهيتها وخصوصيتها وواقعها، ولعله عبر بقوة عن ذلك في فيلم “زوجة رجل مهم” بالدور المُسند لميرفت أمين، زوجة الضابط أحمد زكي المغلوب على أمرها والعائشة في زمن الرومانسية والأحلام البريئة، والمغتربة في حياتها مع البطل المختلف عنها في الطبيعة والسلوك والروح، وهي محنة كبرى ناقشها المخرج الكبير بحساسية وبراعة وجعل منها قضية سياسية أو جعلها جزءا من قضية سياسية مهمة.

واستمر محمد خان في التعبير عن رؤيته المحايدة ومنظوره الإنساني للمرأة بكل اختلافاتها الثقافية والاجتماعية والبيئية فعمد إلى تكريس الصورة المضيئة دون إخلال بالحقيقة وجاء ذلك مُصدقاً وملموساً في فيلم “أحلام هند وكاميليا” لنجلاء فتحي وعايدة رياض، حيث عطف على حياة الفقراء فقدم شخصيتين من العاملات في خدمة البيوت، كنموذجين لكفاح المرأة المعيلة والمربية والخارجة من حسابات التنمية والنهضة ودعاوى التقدم والرفاهية، مجرد امرأتين لا تملكان القوت الضروري للحياة.

 وقد ربطت بينهما صداقة حميمة بحكم وحدة الفقر والجوع والعوز، وباتتا تمضيان في مضمار الحياة القاسية، تستلهمان الصبر والعزيمة من طبيعتيهما الحالمة وطموحهما في المستقبل القادم، إلى أن تأتيهما الفرصة ويحصلان على ثروة قليلة تتبدد بفعل اللصوصية والسرقة، وهي إشارة لسرقة أحلام الفقراء وحرمانهم من لحظة سعادة عابرة، وهو معنى حرص المخرج على تأكيده طوال الأحداث لإعلان انحيازه وتأييده وتعاطفه مع ملح الأرض من بسطاء الناس والمهضومة حقوقهم.

حق المرأة في الحياة

ويمضي مشوار العمر ويزداد المخرج خبرة وتألقاً وشهرة، ويزداد يقينه بحق المرأة في الحياة بعيداً عن المنغصات والمضايقات، فيعود من جديد لتعزيز الصورة السينمائية بفيلم “شقة مصر الجديدة” كتجربة رومانسية بديعة التكوين مع غادة عادل التي أسند إليها دور البطولة لتجسد شخصية الفتاة الريفية الخجولة، تلميذة المرحلة الثانوية والمرتبطة بأستاذتها ارتباطاً عاطفياً كبيراً يدفعها للبحث عنها في محيط القاهرة الواسعة بعد نقلها من المدرسة الريفية، وفي أثناء الرحلة تصادف فتى أحلامها وتبدأ قصة الحب البريء وتتبدى آيات الجمال بملامحها الإنسانية الرقيقة ويبرز المعنى الدلالي لقيمة الوفاء ونبل المشاعر وسمو الأخلاق وتتأكد وجهة نظر خان في المرأة ككائن لطيف ورقيق وليس سلعة رخيصة توضع على أفيشات الدعاية.

وفي فيلم “بنات وسط البلد” يعود لتجديد الثقة في إطار خفيف يعتمد على الخفة والدعابة من خلال علاقة صداقة تربط بين فتاتين في سن المراهقة، منة شلبي وهند صبري وهما عاملتان في أحد محلات بيع الملابس بوسط البلد بالقاهرة، وتميلان بطبيعتهما للمغامرة والمرح، وتكشف أحداث الفيلم عن الاختلافات الجوهرية للفتيات وطبيعة نزوعهم للحب كإحساس فطري، بينما يختلف الأمر بالنسبة للمراهقين الشباب، فهم يتسمون في هذه المرحلة بالاندفاع والرعونة ومحاولة إثبات الذات على حساب أشياء أخرى، وهي دروس ضمنية أراد المخرج أن يلفت النظر إليها للاستفادة منها في تربية الأبناء والتعامل معهم بما يتفق مع انفعالاتهم وسمات المرحلة الحرجة.

وتتنوع التجارب والخبرات وتسفر عن مجموعة أفلام تأتي في السياق نفسه كفتاة المصنع لياسمين رئيس، الذي يطلق صرخة مدوية في وجه المجتمع للتنبيه إلى ضرورة حماية الفتيات والنساء من القمع والاضطهاد كمظاهر سلبية مقيدة للحرية ونافية لشعار الاستقلال والمساواة.

 وكذلك فيلمه الأخير “قبل زحمة الصيف” بطولة هنا شيحه، وتدور أحداثه حول مفهوم الحرية وأزمة التكيف المجتمعي وحصار العادات والتقاليد ومشاكل الزواج والطلاق، إلى آخرة. وهو التقاط ذكي ترك أثره الإيجابي في بعض المواهب الشابة من أصحاب التجارب السينمائية الحداثية الجديدة كالمخرجة آلاء سعد الدين التي قدمت صور درامية مشابهة في فيلمين قصيرين لها هما “طير بينا يا قلبي” و”كوزموس” وأعربت فيهما عن تأثرها البالغ بأبو البنات محمد خان، بوصفة رمزاً فنياً من رموز التحيز للمرأة والفتاة ولسان حالهما عند الشكوى.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية