فلسطين-“القدس العربي”: بالرغم من الضغوط الكبيرة المتوقع أن يتعرض لها الفلسطينيون لتطبيق بنود صفقة القرن، التي تصاحبها إجراءات إسرائيلية عملية تتمثل بسلب ومصادرة وتهويد أراضي الضفة، إلا أن رفض الكل الفلسطيني، وخيارات المواجهة بوسائل المقاومة جميعها، وعدم وجود الشريك، يجعل من تطبيقها أمرا صعب التنفيذ.
ولم تجد الصفقة التي طرحها الرئيس الأمريكي، والتي تلاقي صدى “غير معلن” في بعض العواصم العربية، أي ترحيب من أي طرف فلسطيني، حيث اتفقت كل الفصائل مع رأي القيادة الفلسطينية، في رفض الصفقة وتعهد الجميع بإفشالها، مع انطلاق موجة “غضب شعبي” عارمة في جميع المناطق الفلسطينية.
تصعيد المقاومة الشعبية
وفي ترجمة أولية لقرارات الرفض الرسمي والشعبي الواسعة، شهدت المناطق الفلسطينية “أيام غضب” نزل فيها المواطنون وقادة الفصائل في مسيرات جماهيرية، جابت مراكز المدن، ووصلت إلى مناطق التماس والاستيطان، تخللها إحراق أعلام أمريكية وإسرائيلية.
وفي الضفة الغربية، نزل المواطنون عند أكثر من نقطة تماس مع الاحتلال، وانخرط الشبان في مواجهات، عبروا فيها عن غضبهم من المخططات الأمريكية التي تحاك ضد القضية الفلسطينية، أسفرت عن عشرات الإصابات، واعتقالات كبيرة طالت أطفالا خرجوا ضد الصفقة.
وفي غزة أيضا أجمعت القوى على برنامج غضب شعبي وإضرابات، وانطلقت مسيرات شعبية وصلت إلى مقرات الأمم المتحدة، للتنديد بالمخططات الأمريكية التي تتجاوز قرارات الشرعية الدولية، فيما اندلعت مواجهات شعبية عند العديد من نقاط الحدود.
ورفعت الفصائل الفلسطينية شعار “تصعيد المقاومة” من دون تحديد خياراتها، لمواجهة الصفقة التي يصفها الفلسطينيون بـ “المشؤومة” بما يفتح المجال أمام تنفيذ هجمات مسلحة، إلى جانب المواجهات وردات الفعل الشعبية الواسعة.
وجاء ذلك في الوقت الذي كشفت فيه تقارير إسرائيلية، أن السلطة الفلسطينية قررت تقليص “التنسيق الأمني” وعدم اعتراض طريق المتظاهرين المتوجهين لنقاط التماس في الضفة الغربية من الآن فصاعداً خلافاً لما كانت تقوم به سابقاً.
إنجاز المصالحة
كما أعقبت الصفقة، دعوات فلسطينية لتجاوز الخلافات، وعقد اجتماع موسع للاتفاق على استراتيجية المواجهة المقبلة، في ظل اتفاق الجميع على رفض الصفقة، وتمثل ذلك باتفاق حركتي فتح وحماس، بعد اتصال جرى بين الرئيس محمود عباس وإسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحماس، على عقد لقاءات وطنية في غزة، لتجاوز الانقسام، ومن المقرر أن يصل وفد قيادي من الضفة خلال أيام للقطاع، لإنجاز المهمة بعد توقف طويل لعجلة المصالحة، وتأكيد الطرفين على “طي صفحة الانقسام” خاصة في ظل حال الرفض الشاملة من الفلسطينيين للصفقة، وقد تمثل ذلك بحضور ممثلين عن حماس اجتماع القيادة الفلسطينية الذي عقد بعد إعلان ترامب بنود الصفقة ليل الثلاثاء، وهو أمر لم يحصل من قبل.
وبما ينذر من خطوة الأوضاع، دفع جيش الاحتلال بقوات كبيرة إلى الضفة الغربية وعلى حدود قطاع غزة تحسبا لاحتمالية اندلاع مواجهات عنيفة، وذكرت مصادر إسرائيلية، أن قائد أركان الجيش الجنرال أفيف كوخافي، يستعد لإقرار عدة خطط عملياتية، تحسباً لتفجر الأوضاع في الضفة الغربية أو قطاع غزة بسبب نشر بنود “صفقة القرن” حيث تعتمد الخطة على التعامل مع سيناريوهات متعددة.
وبدأت الاستعدادات العسكرية بإبقاء خمس كتائب من جيش الاحتلال على أهبة الاستعداد تحسبًا لأحداث عنيفة في الضفة، كما كشف النقاب عن إلغاء كوخافي جلسة كانت مقررة مع قادة الجيش لمناقشة خطة الجيش السنوية، ليتفرغ لتطور مفترض للأحداث على الأرض، حيث يخشى من تصعيد الأحداث.
خيار المقاومة المسلحة
وفي دلالة على أن الأمور تسير باتجاه التصعيد في ظل الغضب الفلسطيني والرافض للخطة الأمريكية، أطلقت من قطاع غزة بعد إعلان ترامب عن الصفقة، العديد من الصواريخ تجاه بلدات إسرائيلية قريبة من الحدود، أعقبه قيام قوات الاحتلال بقصف عنيف ضد العديد من المواقع، أدت إلى تضرر منشآت مدنية، حيث توعد قادة إسرائيليون بـ”هجوم قاس”.
وسياسيا تعهدت الرئاسة الفلسطينية على لسان الناطق باسمها نبيل أبو ردينة، بإفشال الصفقة، وقال في تصريح صحافي، إن القيادة بدعم من الشعب “ستفشل محاولات تصفية القضية الفلسطينية، كما أفشلت عشرات المحاولات السابقة” وهدد باتخاذ عدة إجراءات للرد على الخطة، من بينها دراسة مصير السلطة الوطنية، في إشارة إلى قرب البدء بتطبيق قرارات المجلسين المركزي والوطني، بإنهاء العمل بـ “اتفاق أوسلو” وتبعاته السياسية والأمنية والاقتصادية.
وطالب المجلس الوطني في بيان صحافي، اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير بتنفيذ قرارات المجلسين الوطني والمركزي وفي مقدمتها القرار الخاص بانتهاء “المرحلة الانتقالية” بكل التزاماتها السياسية والأمنية والاقتصادية تجاه الاحتلال الإسرائيلي، واتخاذ الخطوات اللازمة لـ “تفعيل وتصعيد المقاومة والنضال بكل أشكاله وصوره في وجه الاحتلال” لمواجهة “صفقة القرن”. وقال رئيس المجلس موجها حديثه للدول العربية والإسلامية “إننا في مرحلة لا مجال فيها للحياد مع من يريد تصفية القضية الفلسطينية والمشروع الوطني”.
تحرك سياسي للقيادة
وإلى جانب القرارات الداخلية التي تعكف القيادة الفلسطينية لاتخاذها، لمواجهة الصفة، هناك خطة مواجهة سياسية، تشمل وفق ما أعلن وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي، الذهاب من جديد صوب مجلس الأمن، لإدانة المخططات الأمريكية، لافتا إلى أنه سيتم التوجه بعدها إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، تحت بند “متحدون من أجل السلام” علاوة عن التوجه للاتحاد الأوروبي، من أجل تفعيل موقف واضح وقوي من الاتحاد تجاه المخطط الأمريكي، حيت تهدف القيادة الفلسطينية من وراء التوجه للأمم المتحدة الحصول على اعتراف بدولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة على الأراضي التي احتلت عام 1967 وذلك بعد الاجتماع الوزاري لمجلس الجامعة العربية، حيث تريد القيادة الفلسطينية تأكيد العرب مجددا على رفض الصفقة والالتزام ببنود مبادرة السلام العربية، التي ترفض التطبيع أو إقامة أي علاقات مع الاحتلال، قبل إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة على الأراضي التي احتلت عام 1967 وعاصمتها القدس.
وعلى الصعيد الميداني أكدت قيادة القوى الفلسطينية على “التمسك الحازم” بحقوق وثوابت الشعب الفلسطيني المتمثلة بحق عودة اللاجئين وحق تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس، وجددت رفضها لأي مساس بهذه الحقوق الثابتة، ودعت لاستمرار الانتفاضة، بمشاركة الجميع تصديا لهذه “الصفقة المشؤومة” وإلى استمرار الخروج بمظاهرات وفعاليات إلى مراكز المدن، ومناطق التماس.
إجماع فلسطيني
ودعا جمال محيسن عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، الشعب الفلسطيني لـ “حراك جماهيري واسع” لمواجهة الإجراءات “الصهيوأمريكية” المتمثلة في “صفقة القرن” محذرا من التساوق مع هذه الخطة التي تمس بمستقبل الشعب الفلسطيني، وطالب الأمتين العربية والإسلامية بأن تقفا أمام مسؤولياتهما “في ظل الغطرسة الأمريكية” وأن يكون هناك “ضغط عربي لتطبيق مبادرة السلام العربية كي لا تبقى حبرا على ورق”.
كما أعلن حسين الشيخ عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، أن مرحلة ما بعد الإعلان عن “صفقة القرن” ليست كما قبلها، وقال إن الفلسطينيين لم يفوضوا أحدا للتحدث باسمهم، وأكد أنه ستتم إعادة النظر بشكل كامل بـ “الدور الوظيفي للسلطة الوطنية” والبدء بإعداد خطط استراتيجية جديدة، وتعزيز حضور منظمة التحرير الفلسطينية وحمايتها.
وأشار الشيخ إلى أن ما أعلنه الرئيس الأمريكي يعد “تحديا للعالم وليس للشعب الفلسطيني فقط” مؤكدا أن القيادة الفلسطينية لن تقبل بأي حل ينتقص من حقوق الشعب.
وقد اعتبرت حماس أن الصفقة الأمريكية تمثل “نكبة جديدة للشعب الفلسطيني” وأكد عضو مكتب الحركة حسام بدران، أن المقاومة بأشكالها وعلى رأسها الكفاح المسلح هي القادرة على حماية حقوقنا، في ظل السياسة الأمريكية التي تقوم على تصفية الثوابت الوطنية، ودعا الدول العربية والإسلامية إلى إعلان موقف واضح وصريح برفض الصفقة، والبدء بحراك دبلوماسي عالمي عنوانه الدولة الفلسطينية كاملة السيادة وعاصمتها القدس.
وقال داوود شهاب القيادي في حركة الجهاد الإسلامي، إنه ليس أمام الفلسطينيين “إلا الاعتماد على أنفسنا لمنع هذه المؤامرة الكبيرة لاحتلال أرض فلسطين” وشدد على ضرورة “حماية الثوابت الفلسطينية واستمرار مشروع المواجهة مع العدو الإسرائيلي على كل المستويات”.
أما الجبهة الشعبية فأكدت أن “صفقة القرن” تعد “حلقة جديدة من حلقات التآمر على شعبنا وقضيته” ودعت الجماهير الفلسطينية إلى “التعبئة والحشد الشامل” للتصدي للصفقة، وشددت على أن جهود استعادة الوحدة الوطنية وفقاً لقرارات الإجماع الوطني، يتطلب الدعوة لعقد اجتماع وطني عاجل للاتفاق على البرنامج والرؤية الوطنية لمواجهة التحديات الراهنة وفي مقدمتها صفقة القرن، وأضافت “الخطوة الأكثر أولوية وإلحاحا من أجل التصدي للصفقة هي إعلان السلطة بشكلٍ جديٍ ونهائيٍ موت مرحلة أوسلو إلى الأبد”.
كما أكدت الجبهة الديمقراطية، أن الصفقة ستعطي الضوء الأخضر لدولة الاحتلال للمضي في إجراءاتها الاستعمارية، لضم غور الأردن، وشمال البحر الميت، والإعلان عن ضم المستوطنات في أنحاء الضفة، والذهاب أبعد فأبعد، في تهويد القدس وطمس معالمها الوطنية” ودعت الجبهة كل القوى إلى “تحمل المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقها، بدعوة فورية لحوار قيادي، وعلى أعلى المستويات، لتنقية العلاقات وتنظيمها”.