وادي “المساخيط” في صحراء مصر الغربية: عندما كانت الحيتان تمشي على الأرض

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة-“القدس العربي”: لم تزل أرض مصر تحمل الكثير من الأعاجيب والآثار التي تثير الدهشة، وبخلاف المنحوتات الشهيرة التي صنعها الفراعنة، والتي استمدت منها مصر سمتها الحضارية والفنية، يبدو أن الطبيعة بدورها تحمل الكثير لهذا المكان، الذي لم يزل يشي بأسراره. ففي منطقة نائية في صحراء مصر الغربية وبين صخور انوجدت منذ ملايين السنين يتم اكتشاف حفريات لأضخم الكائنات ــ المتبقية ــ الموجودة فوق سطح الأرض (الحيتان). هذا المخلوق المائي، الذي يحاول البحث العلمي أن يُثبت أنه كان حيواناً أرضياً يسير ويعيش فوق سطح الأرض!

يقع وادي الحيتان في محافظة الفيوم، والتي تبتعد عن القاهرة مسافة 150 كم، داخل محمية وادي الريان، والتي تبلغ مساحتها 1759 كم. أما الوادي نفسه فتبلغ مساحته 400 كم، وذلك في منطقة صحراوية بالقرب من سفح جبل يُسمى “جبل جهنم” الذي استمد اسمه من طبيعته، حيث تكتسي صخور الجبل عند غروب الشمس بلون أحمر فتبدو وكأنها تتوهج. هذا المكان الصحراوي المجهول حتى بدايات القرن الفائت تم تسميته بـ “وادي الحيتان” نظراً لعثور علماء الجيولوجيا على مجموعة من الهياكل الكاملة لحيتان كانت ــ حسب العلماء ــ تعيش في هذه المنطقة قبل حوالي 40 مليون سنة، حيث كانت عبارة عن محيط كبير يشمل شمال افريقيا بالكامل. ونظراً لثراء المنطقة وأهميتها، تم تصنيفها كمنطقة تراث عالمي، فاختارتها اليونيسكو كأفضل مناطق التراث العالمي للهياكل العظمية للحيتان، ذلك بجانب مناطق التراث العالمي التي تزخر بها مصر، مثل الأهرامات، والقاهرة القديمة، وآثار النوبة، ومنطقة سانت كاترين.

وادي المساخيط

لمئات الملايين من السنيين كان هناك بحر هائل يُسمى بحر “تيثيس” كان يفصل بين القارات، والذي ربط ما بين البحر المتوسط القديم والمحيط الهندي، عبر ما يعرف الآن بالعربية السعودية. ومنع الطقس الدافئ تكوّن الثلوج بالقطب الشمالي والجنوبي ما تسبب في ارتفاع معدل المياه بالمحيطات. وبعد أن انطمرت صخور وادي الحيتان تحت المياه تغير مناخ الأرض، وأدى ذلك إلى تكوّن الثلوج بالقطب الجنوبي مما أدى إلى تحول الكثير من المحيطات إلى ثلوج، وبالتالي أدى ذلك إلى جفاف بحر تيثيس وظهور أرض مصر. بعد ذلك تعرضت الأرض في عصور جيولوجية مختلفة إلى مناخ أكثر رطوبة، وهطول الأمطار الغزيرة مما تسبب في وجود الأنهار في شمال افريقيا. تلك الأنهار كانت قادرة على إزالة الكثير من الصخور والرواسب، ومن المحتمل أنها كانت السبب في تشكيل مرتفعات ما يُسمى الآن بـ “وادي الحيتان”. استمر هذا الشكل الجيولوجي طيلة الفترة من 25 إلى 35 مليون سنة، ونتيجة للتغيرات المناخية، تقلص البحر الهائل، ولم يتبق منه سوى البحرين المتوسط والأحمر.

أما وجود هذه المخلوقات ــ الحفريات الآن ــ بهذا الوادي الصحراوي فتتنازعها تفسيرات علمية وأخرى جاءت وفق المخيلة الشعبية والدينية. فبينما يؤكد علماء الجيولوجيا أن هذه المنطقة كانت جزءاً من البحر المتوسط قبل أن ينحسر عنها إلى حدوده الحالية، وأنه كان هناك نهر يصب فيها وأن رواسبه قد صنعت دلتا عاشت عليها الأفيال القديمة وبعض الفقاريات الأخرى عند شاطئ البحر المتوسط القديم، والذي كان عند شمال الفيوم، حيث لم يكن البحر الأحمر قد نشأ بعد. ويُقال إن جبل المقطم كان أحد ترسيبات البحر المتوسط القديم وحتى المكان المُسمى حالياً بالقاهرة، فقد كان تحت مياه البحر القديم. أما المخيلة الشعبية ذات الرؤية والتفكير الديني، فترى أن هذه الكائنات ما هي إلا بقايا لمجتمعات وأقوام عصت الله فمسخهم وخسف بهم الأرض، تاركاً هذه الشواهد لتدل عليهم على سبيل العِبرة والموعظة لمن سيأتون في ما بعد، حتى أن البعض يُطلق على الوادي اسم “وادي المساخيط”.

اكتشاف الوادي

تم اكتشاف حفريات وادي الحيتان في شتاء عام 1903 في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني، بواسطة عالم الجيولوجيا البريطاني بيد تل، من خلال المسح الجيولوجي في مصر. فقد عثر على حفريات لحوت أطلق عليه تل اسم “الباسيلوسورس إيزيس” من فصيلة الأركيوسيتس، والتي يصل طولها إلى 18 متراً، ويعود لعصر الإيوسين، أي خلال الفترة من 37 إلى 42 مليون سنه مضت، وكان يسبح كالثعابين في قيعان البحار، وبالقرب منه وجد حوت آخر أسمه “دوريودون أثروكس” وهو أقل حجماً، وينتمي للعصر نفسه، وقد صنفت كأنواع جديدة من الحيتان بواسطة متحف التاريخ الطبيعي في العاصمة البريطانية لندن. وقد أدى هذا الاكتشاف لفك بعض طلاسم العصر الإيوسيني.

وفي عام 1989 اكتشف فريق العمل المكوّن من علماء حفريات مصريين وأمريكييين أول عينات مائية لهيكل الحوت الباسيلوسورس والدوريودون أثروكس بأرجلها وأقدامها الصغيرة. وفي عام 1996 تم اكتشاف أحفورة حوت آخر قديم يبلغ طوله 5 أمتار هو حوت “أتشيرنوس سيمونس”. وفي عام 2006 تم اكتشاف أول حفرية من الثدييات البحرية وهي من أجداد الفيل وتعرف باسم “بيراثيرم”. وفي عام 2007 تم العثور على حوت طوله 10 أمتار تمت تسميته “ماسوا سيتسي ماركغريف”. أما أحدث هذه الاكتشافات فكان في عام 2014 وهو حفرية حوت “الريان سيتس”. لذلك أكد العلماء أن وادي الحيتان هو موقع استثنائي لدراسة الحياة القديمة نظرا لوجود عدد كبير من الحفريات في حالة جيدة جداً تصل إلى أكثر من 400 حفرية للهياكل العظمية للحيتان، والتي تصور المراحل التي مرّت بها المعضلات التطورية للحيتان التي عاشت منذ أكثر من 40 مليون سنة وكيفية تحولها وانتقالها من حيوانات برية إلى حيوانات بحرية. هذا ما يؤكده أيضاً هيكل لحوت يصل طوله إلى 21 متراً، وجدت فيه زعانف أمامية بخمسة أصابع، أما الشيء غير المتوقع فكان وجود أطراف خلفية مع أقدام وأصابع ووجود أسنان مشابهة لأسنان آكلات اللحوم، مما يدعم نظرية تطور الحيتان. لكن السجل الأحفوري لا يظهر أي أسلاف مباشرة للحيتان الحالية، فقط أقصى ما يمكنه أن ينبأ عنه هو وجود أنواع من الحيوانات التي تظهر بعض التشابهات في صفات متفاوتة. فتم الاستعانة بمفهوم التطور التقاربي، أي أن التشابه بين تلك الأشكال يكون غير مرتبط بسلف.

ومن ضمن الاكتشافات الأخرى ما أطلق عليه العلماء اسم “بقرة البحر” هو أيضاً لحيوانات ضخمة بأطراف وأصابع ولها أسنان مشابهة لأسنان البقر، وهي حيوانات بحرية تتغذى على أعشاب البحر. إضافة إلى ذلك يضم الوادي حفريات وهياكل للكثير من الحيوانات وأنواع الأسماك الأخرى، مثل سمك القرش، والأسماك العظمية، وعروس البحر، والدرافيل،‏ والسلاحف والثعابين البحرية.

متحف الهواء الطلق

ويتم عرض هذه الحفريات في مكانين، أولهما المكان الطبيعي في صحراء الوادي ــ البحر سابقاً ــ في ما يُعرف بمتحف الهواء الطلق. حيث يتم عرض الحفريات في بيئتها الطبيعية التي تم العثور عليها فيها. إضافة إلى ذلك تم إنشاء متحف الحفريات وتغير المناخ، والذي يُعرض من خلاله أكبر هيكل عظمي كامل عثر عليه حتى الآن لحوت من سلالة “باسيلوسورس” الذي ينتمي لرتبة الحيتان القديمة، والذي عُثر عليه في العام 2015. وقد أعيد بناء الهيكل العظمي لحوت الباسيلوسورس الذي يصل طوله إلى 18 مترا بالكامل، وصولا لأصغر فقرات ذيله ويمكن مشاهدته من خلال صندوق زجاجي داخل المتحف. إضافة إلى ذلك وهو المثير في الأمر أنه تم العثور أيضاً على بقايا هياكل عظمية لكائنات بحرية داخل معدة حوت الباسيلوسورس، وهو ما يكشف عن نوع المواد الغذائية والحيوانات البرية التي كانت موجودة في المنطقة قبل 40 مليون سنة. فقد عثر الباحثون على جزء من جمجمة حوت الدوردون، وجزء آخر من فقرات الرقبة، وجزء من عروس بحر، وفك سمكة عظمية، ومن هذه العينة توصل الباحثون إلى نتيجة مفادها أن غذاء حوت الباسيلوسورس كان يتكون من كل هذه الأشياء مجتمعة. من ناحية أخرى يشير العدد الكبير من أسنان سمك القرش التي وجدت بالقرب من باسيلوسورس إلى أن هذه الأسماك المفترسة قد تغذّت عليه بدورها.

المكان وكائناته

 

وبالإضافة لكون الوادي عبارة عن متحف طبيعي، حتى أن صخوره المنحوتة بفعل الزمن تشبه إلى حدٍ كبير الشعاب المرجانية في البحر الأحمر ــ من أشهر معالم الوادي (صخرة الألمان) حيث وجدت هذه الصخرة وعليها عبارات باللغة الألمانية تدل على هوية أحد الطيارين المقاتلين الذي في الأغلب سقط بطائرته بالقرب من الصخرة عام 1942 أثناء الحرب العالمية الثانية ــ فإنه يحتوي على العديد من النباتات الصحراوية، مثل الأثل، الرطريط الأبيض، العاقول، السمار، الغاب، البوص، الغردق والحلفا. كذلك يضم العديد من الكائنات النادرة والمهددة بالانقراض، مثل الغزال الأبيض، الغزال المصري، ثعلب الفنك، ثعلب الرمل، ابن آوى، الثعلب الأحمر، النمس المصري، والقط البري الافريقي. ومن الطيور النادرة صقر شاهين، صقر الغزال، الصقر الحر، العقاب وأنواع أخرى من البط والسمّان. والآن لا يتبقى سوى الحفريات، ولا توجد كائنات حية في الوادي سوى الطيور المهاجرة، التي تتوافد من أوروبا في بعض المواسم المحددة، وتسقط في منطقة وادي الريان الذي يقع فيه وادي الحيتان، حيث تتوافد الطيور حتى تضع البيض للتزاوج وتقيم شهراً وتعود مرّة أخرى إلى أوروبا.

المزيد من العجائب

ويبدو أن العجائب لا تنتهي، ففي عام 2010 كان من بين المكتشفات النادرة حوت عمره 37 مليون سنة كشفه فريق برئاسة فيليب غنغيريتش عالم الحفريات والأستاذ في جامعة ميتشغان في الولايات المتحدة. إلا أن الحوت أصبح محل تنازع في مطار القاهرة. ويوضح غنغيريتش أن الأحفورة التي عثر عليها هي الوحيدة لحوت يعثر عليه بشكل كامل. وتعطي الدليل على كيفية تطور الحيتان من مخلوقات تعيش على اليابسة إلى الانتقال للحياة في المياه. ويبلغ طول الحوت الذي عثر على أحفورته حوالي 15 متراً، إلا أن أطرافه هي بحجم الأطراف البشرية العادية. وقد عكف غنغيريتش وفريقه على مدى عامين على تجميع أجزاء الأحفورة في ميتشغان، وعادوا بها إلى مصر حتى يعرض في متحف جديد يقام في وادي الحيتان. إلا أن الأحفورة تم احتجازها في مطار القاهرة، بحجة أن الجمارك تطالب بدفع رسوم مقدارها 40 ألف دولار!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية