وفق النظرية الاجتماعية تغدو المعيارية سمة الإنسان الواقعي، ذي الفعل الاجتماعي المستقر والنمطي، ولهذا الفعل كما يرى ماكس فيبر، أربعة أنواع: الفعل التقليدي العاطفي، والفعل الموجه نحو غاية عليا، والفعل الموجه نحو هدف عملي دنيوي، والفعل الأخير وحده هو الفعل العقلاني بأوفى معانيه، وهو الذي ساد المجتمع مع التطور الصناعي الرأسمالي، واختيار الفعل الاجتماعي العقلاني يعني البحث عن التفاعل في عالمنا.
وبإمكان الإنسان أن يختار الوسيلة التي بها يستطيع تأدية هذا الفعل، الذي به يطرح رؤيته للعالم بطريقة عقلانية، ومن تلك الوسائل القصة القصيرة التي سماها أكونور (الصوت المنفرد) لأن فيها يُعلن السارد عن صوت مهمش ومعزول، يعيش على هامش المجتمع، بينما رأى هارولد بلوم في القصة القصيرة أنها تجرح المشاعر مرة واحدة فقط، على عكس الرواية التي يمكنها أن تصيبنا بأحاسيس كثيرة.
وهذه اللفتة الفنية والموضوعية في القصة القصيرة، تجعلها تجمع العاطفة الرومانسية بالاجتماعية الواقعية، في شكل خلطة جمالية تتمازج فيها رهافة الحس بألم البؤس، مرمزة المشاعر ومستبطنة الدواخل مختزلة الكلمات ومكثفة الدلالات.
والسؤال هنا هل تكون عقلانية الفعل الاجتماعي، الذي توصله إلينا القصة القصيرة واحدة عند كل الساردين؟ قد يكون الجواب بالنفي حتميا، حين يكون الصوت المهيمن داخل القصة هو صوت السارد الموضوعي بضمير الشخص الثالث، إذ لا فرق فيه بين أن يكون السارد والشخصية متوافقين جنوسيا أو غير متوافقين، لأن الصوت الذكوري في الحالين سيكون هو السائد. وقد يكون الجواب على السؤال أعلاه بالإثبات حين يغدو السارد ذاتيا بضمير الشخص الأول (الأنا)، وعندها سيكون التطابق بين السارد والشخصية متحققا جنوسيا، فإذا كانت الشخصية رجلا كان السارد مذكرا، وإذا كانت الشخصية امرأة تحول السارد إلى ساردة بضمير مؤنث.
وعلى الرغم من هذه الخصيصة الفنية للساردة الذاتية، التي تقابل السارد الذاتي؛ فإن التنظير الغربي عمم الصوت الذكوري ـ ولا أقول أنكر الصوت الأنثوي ـ وصار السارد واحداً، سواء أكان صوته صوت امرأة، أو كان صوته صوت رجل، كسمة من سمات النقد البطريرياكي، الذي لا يؤمن بوجود أدب نسوي يساير الأدب الذكوري، أما أن يتجاوزه فتلك استحالة. وهذا ما فصله بحث لنا شخَّص هذا النوع من الساردين الذاتيين، في رواية «أورلندو» لفرجينيا وولف في مقال نشر في العدد 55 من مجلة «الجديد» 2018.
ووظيفة الساردة الذاتية في القصة النسوية، كوظيفة السارد الذاتي، وهي تأدية فعل اجتماعي قد يتسم بالعقلانية وقد يتسم بالانفعالية أو بكليهما. وما يهمنا هنا تأدية السارد والساردة الذاتيين الفعل الاجتماعي العقلاني، الذي بدا حاضراً بقوة في القصة القصيرة النسوية في العراق.
وإذا ما بحثنا عن نشأة هذه القصة فنياً؛ فإننا سنصادف اسما نسويا مهمشا في النقد العراقي، هو اسم القاصة سهيلة داود سلمان ككاتبة ريادية متميزة عن مجايلاتها، أو اللائي سبقنها في العقدين الرابع والخامس من القرن العشرين، مفتتحة العقد السادس منه بقصص قصيرة، ركّزت فيها على الساردة الذاتية، مستغنية بها عن السارد الموضوعي، مكتفية بضمير الأنا في الأغلب. وهي بمركزتها صوت الأنا، وجعلها الذات المؤنثة هي المهيمنة تكون قد تقدمت على من سيأتي بعدها من الكاتبات والكتّاب، لتكون أول قاصة عراقية تكتب القصة بقصدية ووعي نسويين. وما كان لها أن تمركز صوت الأنا المؤنث فنيا لولا ما سكنها موضوعيا من هواجس الانتفاض الأنثوي، واجدة في القصة القصيرة وتقاناتها وسائل فاعلة في التعبير عن إرادة المرأة في أداء الفعل الاجتماعي بطريقة عقلانية، بها تضبط مشاعرها النفسية وتختزل همومها الحياتية وتبث تظلمها من الواقع المرير.
والانتفاض والثورة والتمرد هي من سمات الساردة الذاتية المتطابقة أو المتماهية مع الشخصية القصصية، بدءاً من أول قصة لها وعنوانها «انتفاضة قلب» التي نشرتها في العدد السابع من مجلة «الأديب» اللبنانية عام 1964 ثم اتبعتها بقصة «زمة كبرياء» في العدد التاسع، وقصة «تمرد» في العدد الثاني عشر من المجلة نفسها والسنة نفسها. ثم نشرت قصة «ألام سيطول الليل؟» في العدد العاشر عام 1965، وقصة «رسالة» في العدد الرابع 1966 من المجلة نفسها.
وعلى الرغم من هذا التميز في التجربة القصصية فإن النقد الأدبي نسيها ونسي مجايلاتها، كما لم تأخذ القاصة العراقية ما أخذه مجايلها من الرجال من فرص في أنطولوجيات القصة وميادين النقد.
الذي يميز قصصها هو صوت الأنا الذي لا يحوّل السارد الذاتي إلى ساردة ذاتية حسب؛ بل يعلن عن روح ثائرة قوية تريد مجابهة الذكورية، أو في الأقل مقاومة هالتها. هذه المقاومة التي بها تروض الساردة إرادتها، متصالحة نفسياً مع ما حولها، مؤكدة استقلالية هويتها.
والقاصة إذ تميل إلى ترويض إرادة الساردة/ الشخصية، فلأجل أن توجه عاطفتها توجيها اجتماعيا متعقلنا، وقد تم لها ذلك بأساليب فنية مختلفة، منها استعمال المعادل الموضوعي، الذي جعل تمرد الساردة وانتفاضها تمردا رمزيا، لا تكاشف فيه قارئها الضمني) النصي) والخارجي (الواقعي) دفعة واحدة؛ بل هي تشخِّص له مطلبها الفكري غير مدارية على من تقصده، محددة إياه بالرجل، حبيبا أو أبا أو زوجا أو قريبا أو صديقا.
وهو ما نجده في قصة «تمرد» التي فيها يغدو صوت الهاتف أول معادل موضوعي للعاطفة التي تريد ترويضها، كي لا تستعبدها (لن أذهب، لا يمكن لآلة صغيرة تافهة أن تستعبدني. أعرف كيف أروض إرادتي، سأسحقها إن كانت لا تريد أن تحميني، أشعر كمن انتهى لتوه من المعركة).
ويكون المطر هو المعادل الموضوعي الثاني للعاطفة (لتشتد فإنها لا تهمني) وتعمل أفعال الانتفاض مثل (سأصمد / لا أريد / أرميه) على منح القصة ديمومة درامية. ثم تتحول ثورتها نحو نفسها ويغدو شَعرها، المعادل الموضوعي الثالث لإرادتها.. ويجتمع المعادلان المطر والشَعر في هذا المشهد التصويري، الذي فيه تبلغ الحبكة الذورة، وقد انتفضت إرادة الساردة على نفسها وما حولها، متحررة من كل ما يقيدها (سحبت الدبوسين ولملمته كله في مقدمة رأسي وتوجهت نحو النافذة وأخرجت رأسي، رأسي كله حتى العنق مطر مطر مطر، ليت السياب كان حاضرا معي الآن، لأسمعته لحنا رائعا لقصيدته المطر. نفذ المطر إلى كل جزء من رأسي، وبلل صدر قميص النوم، وواجهت المرأة ثانية، الماء يتساقط من شعري على البلاط، قشعريرة تسري في ظهري، سأمرض لكنني سأكسر أغلالي، لن يقيدني شيء بعد الآن أنا كما أنا)، وتكون خاتمة هذه القصة سماعها لحنا حزينا يأتي مع زخات المطر من بعيد، ترميزا إلى مأساوية الفعل الاجتماعي الذي عليها أن تؤديه بثقة.
وتكون الساعة في قصة «ألام سيطول الليل؟» هي المعادل الموضوعي للزمن الذي تريد الساردة توكيد إرادتها عليه، مقاومة صورته، محاولة إسكات صوته من خلال الانقضاض على الساعة، ثم يغدو صوت الضفدعة معادلا موضوعيا لصوت العاطفة التي تريد إخراسها أيضا، مانحة عقلها فرصة التأمل ملياً في ما حولها. ويخالجها الشك وتنتابها الوساوس في مدى قدرتها على إثبات إرادتها الاجتماعية المقاومة للزمن والعاطفة (كل خططي ذهبت أدراج الرياح) و(لن استطيع أن أقاوم عناقا قضيت عمري أحلم به) بيد أنها تتمكن من ذلك حين يرشدها عقلها إلى أن من أحبته لا يبغي سوى الانتصار عليها، فتنتفض إرادتها ثائرة وقد وجدت أن الرجال كلهم على الشاكلة نفسها، لكن اليأس ينتابها مجددا، فتتمنى لو أنها تكون على شاكلة النساء اللائي لا إرادة لهن (ليتني خلقت برأس غبي إذن لكنت الآن كالأخريات أرفل بالسعادة) وربما هذا هو حال النساء المثقفات جميعا.
ومن الأساليب الفنية التي بها روضت الساردة إرادتها على الأداء الاجتماعي العقلاني استخدامها الحكاية المضمنة في القص، كما في القصة نفسها «ألام سيطول الليل؟» (طفلة ربما تعدت العاشرة لعبة مدججة.. نظرت إليّ خجلة.. نظرات ألم لا تزال تئن منه.. لعبة كسيرة الجناح عبث بها طفل فلونها عدة ألوان.. كدت أتقدم منها أجرها من يدها الصغيرة المخضبة والملم ضفائرها المفضضة، وأمسح من جبينها الذلة واستصرخها، أن انهضي لولا يد خشنة تهزني وصوت عجوز يتساءل: كيف رأيت عروستنا يا عيني؟).
والعجوز هنا معادل موضوعي للتقاليد التي رسخت مع أنها واهية، بالإمكان الانتفاض عليها وتغييرها بالإرادة التي امتلكتها الساردة، لكنها لم تطبقها فعليا، فعادت أدراجها إلى غرفتها وحيدة، ومع ذلك ترفض أن توصف بالجبانة لأنها برغبتها في التغيير دللت على صمودها واستبسالها اللذين يدفعانها باتجاه مقت التقاليد التي تخدم الذكورة وتجعل الأنوثة مسيّرة لا إرادة لها. هذه الإرادة هي التي جعلت الساردة تنتقد أيضا التمييز الطائفي مرمزة لذلك بأبيها، الذي عنده الرجال صنفان صنف يصلي مضموم اليدين وصنف يسبلهما.
وعلى الرغم مما في داخلها من إرادة الثورة والتمرد، فإن قدرتها على تحويل ما بداخلها إلى فعل اجتماعي تظل مجرد حلم فتعاني خيبة الأمل. وبالتساؤلات تبرهن الساردة على إرادتها في ترويض ذاتها على الفعل الاجتماعي كما في قصة «تمرد» التي تفتتحها الساردة بالشكوى لكن عزمها على المقاومة يجعلها تنتفض على ما حولها، شاعرة أنها في معركة وأنّ عليها الصمود فيها مجابهةً أحاسيسها تجاه الآخر بالإرادة.
وبهذا تترسخ قناعة الساردة بقدرتها على ترويض إرادتها فلا هي تترك الألفة العاطفية تهيمن على مدركاتها الحسية، ولا هي تتنكر لها كليا، بل تعقلن أداء أفعالها الاجتماعية ملتزمة جمالياً تجاه واقعها المعيش، من دون نقص أو تهميش، مؤكدة استقلالها ومدللة على دوام تفاعلها الإيجابي مع الرجل ما دام متفاعلا معها بإيجابية خلاّقة. ومما اتسم به عطاؤها أيضا بساطة اللغة وخلوها من التعقيد، وبالشكل الذي أوصلها إلى مقاصدها العقلانية مباشرة وبيسر.
وعلى الرغم من هذا التميز في التجربة القصصية فإن النقد الأدبي نسيها ونسي مجايلاتها، كما لم تأخذ القاصة العراقية ما أخذه مجايلها من الرجال من فرص في أنطولوجيات القصة وميادين النقد.
٭ كاتبة من العراق