لافت للنظر، «في مديح الوقت» للشاعر الفلسطيني مرزوق الحلبي، ذلك التجنيس الذي أعطاه للكتاب؛ ليوصف بأنه «مؤلف شعري»، وعلى الرغم من أن الشاعر نفسه شرح مبررات ذلك فنيا في أحد الحوارات معه، إلا أن التجنيس الخارج عن المألوف في الدواوين والمجموعات الشعرية يلزمه توضيح وتدقيق وتمحيص.
يُفترض في عملية تأليف الكتاب، أي كتاب، أن يكون ذا فكرة واحدة وفلسفة ينطلق منهما، بحيث تعكس مادة الكتاب تلك الفكـــرة وهاتــيك الفلســـفة، وهذا ما كان يعيه الشاعر، فقد قال عن الكتاب إنه «ليــس مجرد مجموعة شعرية، لأنه ثمرة تجربة من ثلاثة عقود، إذن هي ليست حالة، وإنما هو عمر، عمر كامل كتبتُه شعرا». فالكتاب إذن وتوليفه خاضع لهذه الفلسفة في أن يدل على عمر الشاعر، وعلى تجربته، وعلى وقته.
من ناحية أخرى، وتأكيداً لما قاله عن سبب اختياره لتصنيف «مؤلف شعري» في حواراته الصحافية والتلفزيونية، فثمة تحكّم لشخصيته العلمية الصارمة في منتوجه الشعري، فالكاتب مع أنه شاعر هو باحث وناقد ثقافي، وقد انعكست هذه الشخصية في ما صرح فيه أنه يعدل وينقح قصائده كثيرا، ويخضعها لهذا المنطق الصارم، لأن ثمة رؤية خاصة للشعر حاضرة في وعي الشاعر.
كما أنّ بنية الكتاب تؤشر إلى هذا التجنيس؛ فيستهل الشاعر كتابه بإهداء بسيط غير إنشائي، ولا ينحو نحو اللغة المجازية، بل يكتفي بأن يهديه لزوجته دالية وابنته شادن (إلى دالية وشادن)، بدون أن يذكر كلمة إهداء. أما في ما كتبه من شكر بعد عبارة الإهداء، فإنه يعطي انطباعا للقارئ بعملية التأليف الشعري؛ فالشاعر خرج عن مألوف الدواوين والمجموعات الشعرية، فثمة أشخاص راجعوا المخطوطة ودققوها، وثمة أشخاص آخرون نقدوا المؤلف، وقدموا ملحوظات للشاعر كي يغير أو يبدل، أو يحذف. إن ما قام به الشاعر هنا يضع القارئ في أجواء غير مألوفة، فالشعر لا يخضع إلا لمزاج صاحبه، ولا يقبل في الأعم الأغلب أن يشير عليه أحد بالتعديل والتغيير والحذف، وإن تم ذلك، فإنه يتمّ بدون الإعلان عن ذلك، كأن في الإعلان عن مثل هذا الأمر خادش للعلاقة السرية الحميمة جدا بين الشاعر وشعره، وكأنه كذلك بهذا الفعل يعرّي القصيدة ويفتح الباب، لأن يتدخل فيها الآخرون تدخلا واعيا، بمزاج مختلف عن مزاج الشاعر الذي أنتجها بكل تأكيد. إن ما قام به الحلبي هنا وصرح به انتهاك لخصوصية الشعر، تلك الخصوصية التي لا يحق في عرف الشعراء أن يطلع عليها أحد إلا بعد إعلان ولادتها منشورة. كأنه تعمّد أن يكسر هذه الخصوصية عندما أتاحها للقراء أيضا، وأطلعهم عليها، ليخرج الشعر من دائرة الغموض إلى دائرة أخرى أكثر وضوحا وأشدّ بساطة.
أصبح المكان متحدا مع الوقت، وتدفع كثير من القصائد الدارس ليفكر مليا بحضور الوقت والانتباه له، فثمة معنى فلسفي للوقت، وآخر اجتماعي، أو ثقافي، بل يتجسد الوقت ويتخذ له معنى ماديا محسوسا، كأنه قطعة مادية لا يستطيع التفريط بها.
يبتعد الشاعر خطوة أخرى عن مألوف الدواوين الشعرية، فيتجه إلى تبويب «مؤلفه الشعري» إلى سبعة أبواب، وهي: (جدل، لغة لم يدخلها أحد، وجع الأماكن، عودة الحلاج، جنة التأويل، ورد الشام، خاتمة تليق بك). وفي هذا التبويب ما يحيل إلى عملية التأليف الشعري، ليكون الكتاب مؤلفا شعريا وليس «مجرد مجموعة شعرية». وقد بنى الشاعر كل باب بوعي كامل، بحيث يعطي هذه الأبواب للقارئ «مداخل ذات طابع محدد»، فباب جدل، ناقش فيه الشاعر موضوعات ذات اتصال بالفلسفة والقضايا الوجودية، وفي باب لغة لم يدخلها أحد، تأمل في الشعر واللغة، وبين وجهة نظره في الشعر وكتابته وانحيازاته الفنية والجمالية، وخصص بابا كاملا للحديث عن أماكن متعددة مرّ بها الشاعر، وعلاقته بتلك الأمكنة، وفي عودة الحلاج ثمة مناقشة شعرية مفتوحة لدور الدين ومآلاته، ويناقش في جنة التأويل قضايا ذاتية وشخصية، ليصل إلى ورد الشام والحديث عما آلت إليه سوريا، ووجهة نظره في كل ما يحدث فيها، ويختم المؤلف بـ«خاتمة تليق بك». وبذلك يكون الشاعر قد أعطى كتابه من ناحية بنائية وموضوعاتية سمة التأليف.
والسؤال الذي يبقى في الذهن: هل من رابط يربط بين تلك الأبواب السبعة، ليقول الدارس إنها شكلت «مؤلفا» بغض النظر عما إذا كان هذا المؤلف شعريا أو غير شعري؟ للإجابة على هذا السؤال، أقف قليلا عند العنوان، فقد أطلق على الكتاب اسم نص من نصوص الكتاب وهو «في مديح الوقت»، وجاء في الباب «جنة التأويل»، وهو الباب الخامس من الكتاب، وكما أشرت سابقا، فإن باب «جنة التأويل» مخصص لعرض قضايا ذاتية وخاصة في حياة الشاعر، وفي هذه القصيدة المؤرخة بربيع 2011، يتحدث عن عمره، وقد أصبح وقتذاك خمسين عاما، إنه إذن التفات للوقت، وكيف يشكل الإنسانُ وقته، وكيف يشكله الوقت أيضا. وهذا يتفق أيضا مع ما سبق وذكرته من أن الشاعر يرى في هذا المؤلف «ثمرة عمر كامل»، والعمر هو الوقت بالضرورة، أو محصلة الوقت وتراكماته، فالعمر ما هو إلا مجموعة أوقات. ومن ناحية أخرى فإن النصوص عامرة بمفردات الوقت والتاريخ والزمن، فكثيرا ما تحدث الشاعر عن الوقت في نصوص الأبواب السبعة، وارتباط الوقت بالمكان والتجربة. فالوقت هو الموضوع الأساسي في هذا المؤلف، ولم ينس الشاعر نفسه أن يعبر عن وجهة نظره الإيجابية تجاه الوقت، فقال في معرض حديث عن تسميته للكتاب بهذا الاسم، وإن كان فعلا يمدح الوقت: «التسمية نابعة من فهمي لأهمية الوقت، الوقت أهم من المكان. تستطيع أن تعيش خارج كل الأمكنة، لكنك لن تستطيع أن تعيش خارج زمن واحد».
وعلى ذلك لم يكن للشاعر مشكلة مع الوقت، إنمـــــا كانت مشــــكلته مع التجربة، أو الموضوع، أو المكان داخل حدود هذا الوقت الذي يتحدث عنه.
لقد أصبح المكان متحدا مع الوقت، وتدفع كثير من القصائد الدارس ليفكر مليا بحضور الوقت والانتباه له، فثمة معنى فلسفي للوقت، وآخر اجتماعي، أو ثقافي، بل يتجسد الوقت ويتخذ له معنى ماديا محسوسا، كأنه قطعة مادية لا يستطيع التفريط بها. كما أنه لم يكن هناك وقت واحد؛ فثمة وقت شخصي، يقابله وقت عامّ، وثمة وقت مُصادر وضائع، أو مسيطر عليه، وثمة وقت مبكيٌّ عليه أو مبحوث عنه، وثمة زمن جميل متشوَّق إليه، وآخر عذب جميل أيضا، ولكنه انتهى، وعلى ذلك فإن الرابط الذي يربط نصوص الكتاب في أبوابه السبعة أمران، هما: الوقت، وعلاقة هذا الوقت بالتجربة الحياتية، واختبارات الشاعر الشخصية ومعتقداته الفكرية والفلسفية، كل ذلك أدى إلى انصهار تلك النصوص في بوتقة واحدة، لتشكل مؤلفا شعرياً، على الرغم من تباعد تاريخ كتابة القصائد، كما يشير التاريخ الذي سجله الشاعر في ذيل مجموعة منها، وهي قليلة بالقياس إلى مجموع النصوص. وربما دفع ذلك الدارس إلى أن يسأل: هل كان لتلك التواريخ دلالة خاصة ليثبتها الشاعر، ويغضّ الطرف عن تاريخ كتابة بقية النصوص، فلم يثبت لها تاريخاً؟ وهل كان يقصد تحرر تلك النصوص المهملة من التاريخ من اللحظة التي كتبت فيها، ليحررها من السبب المباشر الذي كان دافعا لكتابتها وليعطيها صفة «النص المطلق»؟
من كل ما سبق يتبيّن أن الشاعر مرزوق الحلبي، أخضع كتابه «في مديح الوقت» إلى عملية التأليف الواعية بكل ما يعنيه مفهوم التأليف من معنى، وما يلزمه من أدوات ومهارات
أولا أود أن أؤكد أن كتابة النصوص في تواريخ متباعدة لا يقلل من فكرة التأليف الشعري، بل ربما شابه ذلك ما يفعله بعض الباحثين من جمع مجموعة من الدراسات والمقالات المكتـــوبة في فترات متباعدة، لبناء كتاب بحثي في موضـــوع معـــين، مع أن المســألة قد تبدو مختلفة قليلا مـــع الشعر، فالشعر موقوف على لحظة إنتاجه ومزاجـــية الشــاعر وحالته النفسية وقت إنشاء النص قبل تضفيره، ليكون ضمن كتاب أو ديوان، ومع إشارة الشاعر المهمة الواردة في ما كتبه من شكر، وأشرت إليه سابقا، فإن كل تلك النصوص خضعت لعملية التحرير والمراجعة، وإعادة النظر لتشكل «مؤلفا شعريا» متآلفا في مادته وفكرته.
بلغ عدد النصوص التي يثبت لها الشاعر تاريخ كتابة (39) نصا، من أصل (146)، ولم تكن كتابته للتاريخ موحدة، فمرة يكتب التاريخ محددا مع اليوم، أو محددا بدون اليوم، وأحيانا يكتب الفصل (ربيع 2011)، فعل ذلك مرة واحدة مع قصيدة «في مديح الوقت»، وفي الغالب فإنه يكتفي بالشهر والعام، وأحيانا قليلة يشير إلى بعض المناسبات مع التاريخ كعيد ميلاد ابنته شادن، أو كما وضح في ذيل أحد النصوص أنه كتبه بعد مكوثه في المشفى مدة أحد عشر يوما. إذاً لم يشكل ذكر الوقت في ذيل تلك القصائد أي دلالات مهمة سوى مرتين فقط، إلا إذا كان بعضها والمحددة باليوم والتاريخ تشير إلى ذكريات خاصة جدا للشاعر، وأحيانا يلجأ الشاعر إلى ذكر تاريخ أحداث معينة تحت العنوان قبل الشروع في القصيدة، كتلك القصائد الخاصة بالمناسبات التكريمية أو التأبينية.
من كل ما سبق يتبيّن أن الشاعر مرزوق الحلبي، أخضع كتابه «في مديح الوقت» إلى عملية التأليف الواعية بكل ما يعنيه مفهوم التأليف من معنى، وما يلزمه من أدوات ومهارات، وبذلك يكون هذا الكتاب فريدا في فكرته الكلية التي بُني عليها بوصفه مؤلفاً شعريا، تجاوز عدد صفحاته «300» صفحة من القطع الكبير، مخالفا مرة أخرى القطع المألوف للمجموعات الشعرية التي تطبع عادة بالحجم المتوسط، ليعطي الكتاب الحجم المعتمد في الدراسات والمؤلفات البحثية، إذ تشكلت مادته من إهداء، وشكر، ومقدمة، ومتن الكتاب المقسم إلى أبواب، ليكون الباب الأخير هو الخاتمة أيضا، وهو أقصر الأبواب، كعادة الخاتمة في الكتب التي تكون أقصر من أي باب من أبواب الكتاب الذي يتشكل منها.