صدرت مجموعة «رقصة الشحرور» للكاتب الفلسطيني مصطفى عبد الفتاح عام 2019، عن دار الآن ناشرون وموزعون في الأردن، وتتألف المجموعة من 21 نصا، وتقع في 188 صفحة من القطع المتوسط. وكتب فتحي فوراني بوصفه «رئيس الاتحاد القطري للأدباء الفلسطينيين- الكرمل» كلمة مقتضبة على غلاف المجموعة يشيد بتلك القصص، سواء في موضوعاتها، أو أساليبها الفنية التي تنوعت، كما قال، بين «السرد والحوار بالعامية والمونولوج، وتعدد الضمائر، كما يستخدم الرمزية والواقعية والرومانسية، ويتكئ في نصوصه على الأسطورة، والتناص مع الموروث الشعبي». كما يصف فوراني الكاتب مصطفى عبد الفتاح بأنه «كاتب ملتزم ذو رؤية ثورية متفائلة، ويسعى لاجتراح عالم آخر ومشهد آخر ليتمرد على المشهد السائد».
يبدو للوهلة الأولى، وقبل أن يقرأ المرء القصص، أن تلك القصص ستأخذ القارئ نحو عوالم من الفنية العالية، والجمالية المتوهجة، وأن هذا القارئ سيشتبك بعوالم قصصية جامحة متعددة الأساليب، وصادمة وحاثّة على التفكير بمصائر الشخصيات وتقنيات الفنّ القصصي بتنوعاتها ومآلاتها الحداثية.
لا أعتقد أن المهم في الأدب هو الأفكار، إذ لو كانت الأفكار هي الأهم في العمل الأدبي، لماذا إذن كل تلك الجماليات التي يسعى الكتاب إليها لتوظيفها أو لابتكارها؟ ولماذا يسعون إلى السرد القصصي المغاير المثير للدهشة والإعجاب؟ ولماذا يلجأون إلى التشويق، إن كان كل ذلك عاملا مساعدا في الأدب؟ لا حاجة لنا لكل ذلك، إن كانت القضية فقط قضية فكرة. ولنكتب تلك الفكرة هكذا عارية صادمة، وينتهي الأمر هنا. أظن أن الأدب معنيّ أولا وأخيرا بالجماليات، ولن يكون أدبا إلا بها. فليكن أي شيء آخر إلا أن يكون أدبا، إذا خلا من كل تلك العناصر التي تؤهله ليكون أدبيا خالصا.
أظن أن العقد الذي بين الكتّاب والقراء هو هذه «الأدبيّة» المعلن عنها على غلاف الكتاب، فعندما يلاحظون جنس الكتاب الذي يريدون قراءته، بوصفه «قصة» أو «رواية» أو «ديوان شعر» أو «مسرحية»، أو غير ذلك، فإن أفق التوقع في ذهن القارئ سيكون موجها نحو هذه الإشارة الأولية في ذلك العقد، وإذا أخلّ الكتّاب بهذا العقد، فإن القارئ سيشعر بالخيبة والخديعة وبالتضليل، ويزداد التضليل حضورا عندما يتواطأ آخرون ويتورطون في مدح الكتاب بما ليس فيه، كما حدث في هذه النصوص. وربما أوقع ذلك الدارس في مهمة صعبة في تفكيك ما حيك من تضليل مضاعف.
لا تنفك تلك القصص أن تجعل القارئ في مواجهة ضدية تصل إلى حد المفارقة الساخرة بين كلمة رئيس اتحاد كتاب الكرمل وعالم تلك النصوص «السردية»، التي اشتبهت وتخايلت مع عالم القصص، وربما لم يكن لفن القصة منها نصيب إلا في عدد محدود منها، لن يتجاوز في أحسن الأحوال الخمس قصص.
إن نصوص مصطفى عبد الفتاح «القصصية» تعاني من تشوهات سردية متعددة، في البناء السردي الكلي للنص، وفي سير الأحداث وتشابك حبكتها، وصولا إلى نهايتها، تلك النهايات التي شكلت ملمحا لافتا للنظر، إذ انتهت جل تلك القصص بالطريقة ذاتها، إذ يتم إغلاق المشهد بطريقة فجائية، حاملة معها الفكرة والعبرة التي تسكن عقل الكاتب، ليس هذا وحسب، بل يجد القارئ صوت الكاتب واضحا، خلال البنية اللغوية للنص؛ إذ يفارق السرد للشرح العام، وتقديم وجهة نظره على ذيل المشهد المتحدث عنه، كما في نصوص: «ظل الله في الأرض» و«أهم من فلسطين»، و«مريض رغم أنفه»، و«رجل من ورق»، وغيرها.
نصوص مصطفى عبد الفتاح «القصصية» تعاني من تشوهات سردية متعددة، في البناء السردي الكلي للنص، وفي سير الأحداث وتشابك حبكتها، وصولا إلى نهايتها، تلك النهايات التي شكلت ملمحا لافتا للنظر، إذ انتهت جل تلك القصص بالطريقة ذاتها
اختلطت تلك النصوص وتلاشت شخصيتها السردية، وتاهت بين عدة فنون نثرية، ما بين المقال الذاتي والخاطرة، والحكاية والسيرة الذاتية، إن القصة القصيرة فن مختلف تماما عن هذه الفنون، وما ظنه فتحي فوراني تعددا في الأساليب، ما هو في الحقيقة سوى ضياع في السرد وعدم التمكن من «اجتراح مشاهد أخرى خارجة عن المشهد السائد». كما عانت تلك النصوص من تشوهات أخرى، تمثلت في توظيف الصياغات الجاهزة المجتلبة من الموروث اللغوي، أو من الحكايات الشعبية، وغصت تلك النصوص كذلك بالإنشائية التي تبعد تلك القصص عن سرديتها، التي يجب أن تتوفر فيها، وسبق للناقد العراقي عبد الله إبراهيم، أن حذر من وجودها بقوله: «الكتابة الإنشائية سمة عامة في الكتابة السردية العربية، وهي نقطة ضعفها الأساسية». ولم تسلم اللغة من بعض التشوهات في الصياغة السليمة للجملة، كاقتران أن بخبر كاد أو حرف الجر اللام مع تعبير «وحده» الذي يستخدم مجردا منها باعتباره «حالا» منصوبة. إضافة إلى «حشر» جمل لا معنى لها في السياق، كقول الكاتب في نص «نسخة إضافة»: «ويخرج الدخان الأبيض معلنا بشرى تريح أعصابه التي نهشها القلق والترقب»، إضافة إلى الاسترسال والإطناب في ذكر المترادفات المتتابعة، التي لا تقدم معنى جديدا يخدم البنية النصية، أو يطور الأحداث، إذ لم يكن أكثر من التعبير الذاتي والجري وراء اللغة ومترادفاتها ليس أكثر.
لقد بقيت تلك النصوص تسير بمنطق بسيط، وقد وقعت في فخ التنميط المعهود وأعادت إنتاج المعنى المعروف، بل ربما الممل أيضا، وتدور في الفلك ذاته من الوعي البسيط الشعبي أو الأفكار التي يحملها الكاتب عن الشخصيات، أو ما يتبناه من قناعات اجتماعية وثقافية ودينية وسياسية، كما ظهر في مناقشة حقوق العمال وضرورة التكاتف في ما بينهم، أو في النظر إلى المرأة ووضعها في المجتمع، وفضح التناقض البيّن للتعامل معها. كما افتقدت تلك النصوص الموصوفه بأنها قصص لعنصر التشويق إلا ما ندر، ولم تسر على منهج القصة القصيرة الكلاسيكية على الأقل، كمطلب أساسي فني لجعلها قصصا قصيرة، بل كان يسيطر عليها النَفس الإنشائي، إلى حد اقترابها من «التعبير المدرسي»، خاصة فيما كتبه الكاتب حول العلم والمال والصراع بينهما في نص «أهم من فلسطين».
لم يستطع الكاتب إجمالا أن يقدم بنية نصية قصصية كاملة الأركان، في ما قدّمه من نصوص في هذه المجموعة، وأعتقد جازما أن «تأكيد الانتماء إلى أرض الآباء والأجداد»، بما تُعنى به «بالهمّ الوطني العام الذي يحتلّ مواقع متقدمة في المشهد السياسي الساخن» لم يكن وحده، كفيلا بصنع قصة جيدة في هذه النصوص، لتأخذ القارئ إلى تلك الآفاق التجريبية، التي خطتها القصة القصيرة على أيدي كتابها العظماء، ولم يستطع الاستفادة من كل ذلك المنجز الإبداعي الكبير، لتقديم مجموعة قصصية ذات أثر في مشهد القصة القصيرة، الذي يعاني أصلا من التهميش، ليعاني بالإضافة إلى ذلك بفعل هذه القصص إلى التشويه أيضا، وفي الوقت الذي تناضل فيه القصة القصيرة لأن تستعيد مركزيتها والتذكير بأهميتها الإبداعية، على الأقل والسرديون يحتفلون بها في «اليوم العالمي للقصة القصيرة» الذي يصاف الرابع عشر من فبراير/شباط، ولكنه لم يلتفت أحد إلى هذه المناسبة، ليس بفعل الانشغال إلى حد الغرق باحتفالية العالم والعشّاق بـ«عيد الحب»، بل ربما يتحمل كتّاب القصة القصيرة بعض المسؤولية، الذين رضوا بها فنا هامـــشيا، وأن يظلوا هامشيين لا يشير إليهم أحـــــد، ولا يهتم بقصصهم النقاد كما ينبغي، ولم يعمــــلوا بما فيه الكفاية لفرض نماذج إبداعية تسترعي الانتباه، وتجعلها في مواجهة نقـــدية فيها الكثـــير من الاشـــتباك والتفكيك والاحتفال بالجماليات والتقنيات السردية المبتكرة.
٭ كاتب فلسطيني