القاهرة ـ «القدس العربي»: الموضوعات الرئيسية في الصحف القومية الصادرة أمس الثلاثاء 11 فبراير/شباط، كانت عن عودة الرئيس السيسي من أديس أبابا لرئاسة القمة الافريقية، وتسليم رئاسة الاتحاد الافريقي لجنوب افريقيا، واستعراض ما قامت به مصر في فترة رئاستها من مشروعات لخدمة القارة. كما قامت الصحف بتغطية الجنازات الشعبية التي اقيمت في عدد من المحافظات لاستشهاد ضابطين من القوات المسلحة، وخمسة جنود في هجوم إرهابي في شمال سيناء، وقتل عشرة إرهابيين.
اهتمام بذكرى تنحي مبارك عن الحكم وإشادة بوطنيته! هجوم على شيخ الأزهر والمطالبة بإعمال العقل لحماية التراث
وأبرزت الصحف أيضا خبر الاجتماع الذي عقده رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي مع عدد من الوزراء والمسؤولين لبحث خطة توفير الدواء، وتشجيع شركات الأدوية العالمية على توطين صناعاتها في مصر. وإزالة منطقة شقق السهيلة العشوائية في دائرة قسم مصر القديمة ونقلهم إلى شقق مفروشة في منطقة الأسمرات. وقيام وزارة الداخلية بإرسال بعثات طبية للكشف عن المواطنين، وإجراء العمليات، وصرف الأدوية مجانا لهم، لكن الأهم بالنسبة للنظام كان المحادثات التي ستتم اليوم الأربعاء في واشنطن، بين وزراء خارجية مصر وإثيوبيا والسودان بمشاركة وزارة الخزانة الأمريكية والبنك الدولي، لوضع الصيغة النهائية لقواعد ملء سد النهضة الإثيوبي. والاهتمام الآخر واللافت للنظام كان مشروع تنظيم قوائم الكيانات الإرهابية والإرهابيين، الذي وافق عليه مجلس النواب، وأحالة إلى مجلس الدولة لإبداء الرأي فيه، ولوحظ انه جاء محققا لطلب الرئيس السيسي تخفيف القيود المفروضة على عناصر الإخوان المسلمين، الذين لا يقومون بأي نشاط ومنحهم أملا في ممارسة نشاطهم المهني.
وإلى ما عندنا..
نجاح الجهود
نجحت الجهود الحكومية حتى الآن في منع تسرب فيروس كورونا إلى البلاد، بسبب الاجراءات المشددة التي قال عنها وليد عبد السلام في «اليوم السابع»: «أعلنت وزارة الصحة والسكان ممثلة في قطاع الطب الوقائي الطوارئ في 14 محافظة، فيها مطارات وموانئ ومعابر برية في إطار تطبيق الإجراءات الاحترازية، لمكافحة انتشار الأمراض الوبائية، بالتزامن مع إعلان منظمة الصحة العالمية الطوارئ عالميا لمنع تفشي وباء كورونا.
وقالت مصادر في وزارة الصحة والسكان، في تصريحات خاصة لـ«اليوم السابع» إنه يوجد في كل محافظة فيها معابر برية أو بحرية أو جوية، تطبق فيها إجراءات الحجر الصحي، مستشفى كبرى، مهمتها استقبال أي حالات قد يشتبه في إصابتها بفيروس الكورونا، وتابعت المصادر، حال اكتشاف حالة مصابة أو ظهرت عليها أعراض الكورونا، يتم الفحص في عيادة الحجر الصحي، وحال التأكد يتم نقلها للمستشفى ليتم عزلها والتعامل معها من خلال فريق طبي مجهز لذلك، كما يتم رفع درجات تطبيق العدوى لأعلى مستوياتها داخل المنشأة الطبية.
وأكدت المصادر أنه تمت مضاعفة رجال الحجر الصحي في المطارات والموانئ والمنافذ البرية، للتمكن من الكشف عن كل القادمين من الخارج، مع تحرير كروت المراقبة الصحـــية، وتسجيلها على قاعدة بيانات العائدين من الخارج، مؤكدا أن الملاحق الصحية في جميع بلدان العالم حصلت على الأدلة الإرشادية وبرتوكولات العلاج الخاصة بالتعامل مع أي حالات مشتبه في إصابتها بالكورونا، كما سيتم عمل ندوات لتوعية الجاليات المصرية لضمان حمايتهم خاصة في الدول التي ظهر فيها الوباء».
ذكرى تنحي مبارك
ومن وباء كورونا إلى ذكرى تنحي الرئيس الأسبق حسني مبارك عن الحكم في الحادي عشر من فبراير/شباط 2011، وإشادة الدكتور أسامة الغزالي حرب في «الأهرام» بوطنيته وبدور وزير الدفاع المشير محمد حسين طنطاوي وقوله عنهما: «في مساء يوم 11 فبراير، اليوم الثامن عشر لثورة 25 يناير/كانون الثاني منذ تسع سنوات، ظهر اللواء عمر سليمان وعلى رأس أخبار نشرة الساعة السادسة في القناة الأولى للتلفزيون المصري يقف من ورائه مدير مكتبه في ذلك الحين المقدم حسين شريف ليلقي بيانه الشهير: بسم الله الرحمن الرحيم أيها المواطنون في هذه الظروف العصيبة التي تمر بها البلاد، قرر الرئيس محمد حسني مبارك تخليه عن منصب رئيس الجمهورية، وكلف المجلس الأعلى للقوات المسلحة، لإدارة شؤون البلاد، والله الموفق والمستعان. وهكذا وفي بيان مدته ثلاثون ثانية، أعلن عمر سليمان رئيس المخابرات العامة الأسبق، الذي كان قد عين في 29 يناير/كانون الثاني 2011 نائبا للرئيس، بعد انتهاء ثلاثين عاما من حكم الرئيس مبارك، أن مبارك لم يأت للحكم برغبته أبدا، وهو أيضا لم يغادره برغبته، ولست هنا بصدد التحليل السياسي لحكم مبارك، فليس ذلك محله، فضلا عنه بالطبع لم يكن هو الذي وضع أسس النظام السياسي، الذي قدر له أن يرأسه ثلاثين عاما، لكنه كان بالقطع حريصا على أمن مصر وسلامتها، أما شبهة توريث الحكم لجمال مبارك فلا اعتقد أن مبارك كان مسؤولا عنها، وإن كانت هناك في تقديري قوى أو شخصيات سعت بالفعل لذلك. أما جمال نفسه وبعيدا عن محاكمته ومحاسبته القانونية على تصرفاته المالية، التي حسم القضاء الحكم فيها، فقد عرفته عن قرب شابا مهذبا رزينا ساعيا للتعلم، هل كان يتطلع لوراثة أبيه ربما على غرار ما جرى في سوريا من توريث حافظ الأسد الحكم لابنه بشار، ولكن مصر ليست سوريا ومبارك بالقطع لم يكن حافظ الأسد».
وفي «الشروق» عالج محمد عصمت الأمر من وجهة نظر أخرى، وهي أن نظام مبارك لم يسقط وأن هناك مساومات تمت بين أجهزة الدولة وشخصيات وقوى لو تم الكشف عنها لأحدثت ضجة وقال: «سقط حسني مبارك بعد 18 يوميا من ثورة 25 يناير/كانون الثاني وبقي العمود الفقري لجهاز دولته كما هو يناور هنا وهناك ويعقد تحالفات مع هذا الطرف أو ذاك، يهادن الثورة والثوار في بعض المواقف، ويضرب بيد من حديد في مواقف أخرى، في حين غابت النقاشات الجادة بين ملايين المتظاهرين للاستقرار حول مفهوم موحد، يعبر بشكل صادق عن «دولة الثورة»، عقب الشهور التالية لاندلاعها، وأصبحت قاصرة على قوى ونخب سياسية محددة، تبحث عن هذه «الدولة» في دوائر ضيقة، إلا أنها لم تستطع أيضا أن تترجم شعارات العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، إلى سياسات وقوانين ونظم ومؤسسات بالشكل الذي يتمكن من الإطاحة بدولة مبارك من جذورها. قد لا يكون المناخ السياسي العام في مصر الآن مواتيا لطرح أسباب هذا الإخفاق، ولا لبحث انتصارات وانكسارت ثورة 25 يناير العظيمة للنقاش العام، بالقدر الكافي من الحيدة والحرية، أو لكشف حقيقة المواقف التي اتخذتها الأطراف الفاعلة خلال مسيرة الثورة والصفقات المشبوهة، التي أبرمتها قوى «ثورية» و«محافظة» داخل الغرف المغلقة، فكل هذه الأمور أصبحت الآن كالمحرمات لا يمكن لأحد الاقتراب منها بسهولة لكشف أسرارها وإدانة أطرافها ومحاسبتهم على جرائمهم في حق هذه الثورة».
المكسب والخسارة
برزت من جديد مشكلة الأزمة التي تواجهها الصحف الورقية بعد أن هدأت في أعقاب طلب رئيس الوزراء من رؤساء مجالس الإدارات والتحرير في المؤسسات القومية وقف أي تعيينات جديدة، وضغط مصروفاتها، وإغلاق الإصدارات، التي لا توزع، والبحث عن بدائل لزيادة الدخل، ما دعا محمد عبد الحافظ رئيس تحرير مجلة «آخر ساعة»، لأن يقــترح الآتي: «مهنة الصحافة هي رسالة قبل أن تكون صناعة، يعمل فيها ما يقرب من 22 ألفا و500 ما بين صحافي وإداري وعامل، أي أننا نتحدث عن ما يقرب من 100 ألف فرد، إذا افترضنا أن كل عامل يعول 4 أفراد. الدولة لم تقصر في دعم المؤسسات الصحافية القومية، لأنها تؤمن برسالتها، ولكنها تريد أيضا أن تحسن من الأداء الاقتصادي لهذه المؤسسات، حتى تستطيع الاستمرار في أداء رسالتها في التنوير ونشر الوعي، وحينما يكتمل الإصلاح الاقتصادي للمؤسسات، وينتهي إصلاح الهياكل التمويلية لها، تعود في ضخ الملايين من النسخ في الأسواق من جديد، وسيزداد تأثيرها وستعود لمكانتها كسابق عهدها، عندما كانت توزع صحيفة «أخبار اليوم» مليون نسخة، وكذلك باقي الصحف والمجلات. المطلوب من المؤسسات هو تطوير محتويات إصداراتها والتأكيد على الالتزام بالمعايير المهنية، ومدونات سلوك العمل الصحافي، الذي يرتكز على المصداقية والدقة في المقام الأول الانحياز إلى القضايا الوطنية وتوضيح الصور، وتسليط الضوء على ما يجري على أرض مصر، المنطلقة إلى المستقبل، والتحديات التي تواجهها، وضرورة التكاتف والتلاحم بين أبناء الشعب، ولابد من تغيير أساليب رؤية إدارات توزيع الصحف، من منطلق أن القارئ يريد أن تصله الجريدة، أو المجلة «دليفري»، بدون أن يتكبد عناء الذهاب لكشك أو فرشة الصحف والمجلات، من خلال أساليب مبتكرة، واستخدام الطاقات البشرية، وأسطول السيارات الموجود في كل مؤسسة، وإعادة النظر في أساليب التوزيع القديمة، ويمكن في سبيل تحقيق ذلك تكثيف التعاون بين المؤسسات الكبرى لخلق كيان توزيع ضخم، يستطيع توصيل الجريدة أو المجلة إلى باب البيت، وإذا كانت دول أو مؤسسات قد لجأت إلى إغلاق صحف ورقية فلأن هذه الدولة والمؤسسات تحسبها بالمكسب والخسارة، ولا تحسبها بالفائدة، لأن هذه الصحف لم تكن في يوم من الأيام لها تأثير في تشكيل وعي جمهورها، ولأنهم عاملوها كعلبة الكانز يمكن استبدالها بزجاجة أو بعبوة بلاستيك».
أخبار أهل الكهف
رأى فراج إسماعيل في «المصريون» في معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام، تناقضا شديدا بين الأزمة التي تعيشها الكلمة المطبوعة على مستوى الصحف والازدهار الذي أصبح عليه الكتاب، فهناك مؤلفون كثر دخلوا ساحته، وطبعوا كتبا وروايات وداودين شعر ودراسات متخصصة وغير متخصصة. وقد لاحظ ذلك الكاتب الصحافي الأستاذ محمود سلطان، فكتب «بوست» على صفحته عن هذه الظاهرة، وعلقت عليه ضمن غيري وقلت ساخرا: كتاب لكل مواطن، مستعيرا ما يعبر به إخواننا اللبنانيون عن انتشار المطربين عندهم بعبارة مشابهة «مطرب لكل مواطن». ولكن إذا لاحظنا أيضا الكتب التي اشتراها زوار المعرض في شتي المعارف، يمكننا القول إن هناك حالة جديرة بالدراسة، فلماذا يجد الكتاب المطبوع مشترين له على عكس الصحافة الورقية؟ الإجابة ببساطة أن الكتاب الإلكتروني لم ينتشر بعد بالسهولة التي انتشرت بها الصحافة الإلكترونية، إضافة إلى أن طبيعة الرقمية تختلف، فهي سريعة عابرة مثل زواج المسيار، ما تكاد تلقي بنظرك على عنوان، أو مقدمة خبر، أو تقرير أو حتى مقال حتى تنتقل منه سريعا. الكتاب يحتاج إلى التركيز والتطويل والاحتضان، وهذا لا يتحقق إلا بصورته التي وجدناه عليها. ربما يطيح التقدم الإلكتروني بذلك قريبا جدا، ولكنه حتى الآن على الأقل لم يقترب من الموت السريري الذي تجلس الصحافة الورقية على حافته. الأزمة ليست خاصة بالصحافة القومية المصرية، بل تمتد إلى كل أنواع الصحافة الورقية، خاصة وحكومية ومتخصصة، مصريا وعربيا. أعلم أن صحفا عريقة في السعودية وقطر وبعض الدول الخليجية الأخرى لا تستطيع توفير المرتبات الشهرية لموظفيها، وأن هناك صحافيين ومنهم مصريون، لم يقبضوا مرتباتهم منذ بضعة أشهر، رغم التزاماتهم في اغترابهم، فهم يحتاجون المال لتغطية نفقات الحياة ومدارس أولادهم وأمورهم الأخرى. أحدهم قالت له صحيفته «لا تقلق سنضع راتبك ضمن مكافأة نهاية الخدمة» كأنها تطمئنه على شيخوخته بعد عمر طويل، وهنا لابد من السؤال: هل هناك حاجة إلى استمرار إنشاء المزيد من كليات وأقسام الإعلام والصحافة، أو حتى استمرار القائم منها.. فلمن يغني الحمام؟ التعليم ينبغي أن يرتبط بحالة العمل، ما يعني أننا نخدع مئات الطلبة بفتح أبواب تلك الكليات أمامهم، والادعاء بأنها كليات قمة، فيستنزفون عمرهم ويضيعون مستقبلهم في دراسات لن يعتمدوا عليها في حياتهم العملية. إذا كانت صحف الخليج تعجز حاليا عن الوفاء بالمرتبات، فالحالة لا ترتبط بالقراء، وإنما بالإعلانات التي تعتبر السعودية أكثر مراكزها ثراء في الشرق الأوسط، لكن هذه الإعلانات بدأت تغير طريقها من الصحف الورقية إلى الإنترنت، فهي لا تستهدف كبار السن الذين تعودوا على فنجان القهوة في الصباح مع الجريدة، بل الشباب الذين يمسكون بهواتفهم الذكية في أي مكان، حتى وسط زحام الطرق والمواصلات. وقف تعيين جدد في الصحف الورقية والاتجاه تدريجيا إلى تحويلها إلى صحافة الكترونية بأعداد قليلة من الموظفين أمر حتمي، يجب أن تسير عليه المجتمعات الذكية التي تستعد للمستقبل. أي تفكير آخر مضيعة للمال وللوقت. استعادة «الورقية» من الموت السريري إلى الحياة الطبيعية صعبة، إن لم تكن مستحيلة. قارنوا بين أكشاك بيع الصحف قبل عشر سنوات وبينها الآن في مدينة القاهرة، فحتى الباعة لم يعودوا يهتمون بها، ولا باستعراضها بمانشيتاتها العريضة في متاجرهم. ماذا يفعلون بمانشيتات تتحدث عن ما كان بالأمس، والذي أصبح بالنسبة لحاملي الهواتف الذكية خبرا من أخبار أهل الكهف».
التعلم من الماضي
وإلى قضية تجديد الخطاب الديني والتراث، حيث قامت نشوى الحوفي في «الوطن» بالزج بأسماء أم المؤمنين السيدة عائشة والإمام علي بن أبي طالب وعبد الله الزبير رضي الله عنهم جميعا بقولها: «لا إمام إلا العقل، رغم أنها مقولة اختص بها الشاعر العربي أبوالعلاء المعري الذي عاش من 363 إلى 449هـ في سوريا، إلا أنها خطرت ببالي وأنا أتابع حالة الاستنفار الممزوجة بهجوم موصول بالسب والشتم، لمن أعلنوا أن شيخ الأزهر خط أحمر، رغم أن الأزمة ليست أزمة أشخاص، لكنها أزمة فكر بدون أن يتوقفوا لحظة واحدة للتفكير في ما يطرح، ليردوا بمنطق وعلم على من انتقدوا فكر التجميد الرافض للحوار، إلا لو كان من طرف واحد طرفهم هم. جال في خاطري ما قرأته سابقاً عن الإمام الشافعي الإمام الثالث بعد الإمام مالك وأبوحنيفة، وكيف انتهى حاله، فالشافعي المولود عام 150 للهجرة حفظ القرآن ودرس كتاب «الموطأ» للإمام مالك وتتلمذ على يديه، وسار على دربه، حزن حينما رأى تشدّد البعض لمالك، وقيل إنه سمع عن بعض الناس في الأندلس – من شدة تحيّزهم لمالك- أن قيل لهم قال رسول الله ردّوا بالقول: بل قال مالك، هنا أعلنها الإمام الشافعي في مصر، أن مالك بشر يخطئ ويصيب، ثم بدأ في تأليف كتاب للرد على مالك في بعض الأمور، بالحُجة وهو العالم مثله والدارس على يديه والعائش في زمنه، لا في أزمان بعده، وهو ما يقول عنه الرازي: «لما وضع الشافعي كتابَه على مالك ذهب أصحابُ مالك إلى السلطان والتمسوا منه إخراج الشافعي». نعيش أزمة فكر من سنوات بعيدة قدّسنا شخوصها ومواقفها، بدون وقفة لفهم أو تمهّل لإراحة ضمير، وتبليغ ما سعينا له لمن سيأتي بعدنا ليُكمل هو عليه، فظللنا نتحدّث عن التاريخ والماضي والسلف المقدّس، بينما هذا التاريخ والماضي والسلف حمل أفعال البشر بحُسنها وسيئها، بخيرها وشرها، ألم تحارب السيدة عائشة أم المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب في موقعة الجمل سنة 38 هجرية رفضاً لتوليه السلطة؟ ألم يُصلب جثمان عبدالله بن الزبير ابن ذات النطاقين حفيد الصديق في الكعبة بعد قتله؟ ألم يُحرّم بنو أمية ذكر آل البيت على منابر المساجد في دولتهم؟ ألم يُصرع الحسين حب رسول الله وتقطع أطرافه في كربلاء على أيديهم؟ ألم يُجرِ بنو العباس الدم أنهاراً بقضائهم على بني أمية؟ بالله عليكم كيف تتصورون يوتوبيا في ما أحدّثكم عنه، وهو لا يتجاوز قرنين من الزمان؟ ورغم هذا لا ينكر أحد ما حدث من سعي لبناء حضارة عربية، رغم تلك الأحداث المؤسفة. خلاصة القول يا سادة تعالوا إلى كلمة سواء تمنحنا الغد والفكر وإعمال العقل، تعالوا نتعلم من أخطاء مضت وقضت على الكثير من الفرص في تاريخنا، تعالوا لفهم حقيقي لدين الله، الذي جاء لرفاهية الإنسان لا عذابه، تعالوا نحمي تراثنا ونطوره قبل أن يأتي طوفان الغل ليقضي علينا».
التحديث
وفي «عقيدتي» حاول رئيس تحريرها محمد الأبنودي إرضاء الجميع، لكنه تعمد إغفال دور شيخ الأزهر في الإنجازات التي تحققت، كما حذر من الانجرار وراء الضغط الخارجي لتجديد الخطاب الديني وقال: «الحديث عن تجديد الخطاب الديني والفكر الإسلامي يجب أن لا يكون مجرد مؤتمر ينعقد وينفض، ولكن الحديث حول هذ الموضوع يجب أن يمتد بكل الصراحة والوضوح والموضوعية والشجاعة والإقدام، حتى نصل إلى رؤية واضحة ومفصلة لمشروع قومي لتجديد وتحديث الخطاب الديني، يمكن من خلالها الوقوف امام عدد من النقاط المهمة حول هذا الموضوع المهم. النقطة الأولى أن تحديث الخطاب الديني مطلب إسلامي متجدد، وهو ضروري لتأكيد أن الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان وحال. النقطة الأخرى أن تجديد الخطاب الديني يجب أن يكون نابعا من ذاتنا، ومن إحساسنا بضرورة هذا التحديث لنهضة الأمة الإسلامية، ويجب أن لا يكون نابعا من مؤثرات خارجية وضغوط غربية، وأن يكون واضحا جامعا مانعا لمفهوم الخطاب الديني، وهو منهج وأساليب توصيل مبادئ الدين وأحكامه وأخلاقياته وآدابه لجماهير المتلقين في الداخل والخارج، وأن مضمون هذا الخطاب ينبغي أن لا يمس بحال من الأحوال الثوابت الإسلامية المتفق عليها من الأمة. النقطة الأخرى، إذا كانت المؤسسة الدينية الأزهر والأوقاف والإفتاء هي المنوط بها أمور التعليم الديني والبحوث والدعوة والوعظ والإرشاد والإفتاء فإن المؤسسات التعليمية الأخرى والتربوية والإعلامية والثقافية، لها أدوارها المتفاوتة، ويجب أن تعمل كافة المؤسسات وفقا لمنظومة متكاملة، فلا تهدم مؤسسة ما تبينه أخرى، وإذا كان المنبر ووسائل التواصل المنضبطة لها أيضا تأثيراتها المختلفة في هذا المجال».
عدم التجديد وصمة عار
وفي «الأخبار» سدّد عصام السباعي ضربة لصديقنا للأستاذ في جامعة القاهرة ووزير الثقافة الأسبق الدكتور جابر عصفور بقوله عنه: «الدكتور جابر عصفور يرى أن عدم تجديد الخطاب الديني وصمة عار في حق الأزهر، ولماذا لا تكون تلك الوصمة في حق كل المجتمع والمثقفين وكليات الآداب، وله شخصيا بوصفه كان القيادة الثقافية الرئيسية في مصر لمدة طويلة، ولتصحيح ما قاله للإعلامي خالد أبو بكر، فعنوان كتاب الشيخ علي عبد الرازق هو «الإسلام وأصول الحكم» كما لا يوجد للدكتور زقزوق كتاب باسم «سلبيات الفكر الديني المعاصر».
التمحور حول الذات
أما أحمد باشا رئيس تحرير جريدة «روز اليوسف» فقال في مقاله الذي يوقعه باسم رشدي أباظة: «عندما يقول شيخ الأزهر أحمد الطيب منافحا دعاة التجديد «ابحـــثوا عن مشكلة أخـــرى غـــير الـــتراث»، فإننا نكون بصدد قول خطير، لأن العبارة ســتصل من صاحـــب المقام الرفيع إلى عقول مختلفة الفهم والتقبل، ولكنها جميعا ستستقبلها كأمر واجب النفاذ، لكن التنفيذ حتما ســـيحدث من جمـــاعات متطرفة، ستتخذ من الفهم السطحي بأنه أمر من أجل الانسحـــاب للماضي، فتحدث العزلة عن المجتمع، ويعتقد المعتزلة أن المشكلة ليست فيهم، بل في المجتمع المحيط، الذي يجب تغييره بالقوة لأنه غير متمسك بالتراث، الذي يرونه ثابتا مقدسا، بينما هو بشري متحرك، حركة حتمية. دفاع الطيب عن التراث يحمل معاني خطيرة، لعل أبرزها ما يلي: انعدام قدرة الجيل الحالي من رجال الدين على التفكير، ومن ثم لم يعد أمامه سوى التمسك بالتراث، وإعادة إنتاجه، لأنه بضاعته الوحيدة. الجيل الحالي من رجال الدين يقدم لنفسه بعد مماته ويريد فرض أفكاره على جيل لاحق، باعتبارها ستصبح تراثا واجب التقديس، وهو أمر يكشف عن تمحور حول الذات بعيد تماما عن الصالح العام. الجيل الحالي فشل في الإقناع وبالتالي لم يعد لديه غير استخدام التراث كسبب وحيد لاستمرار تواجدهم».
تحميل الدين ما لا يحتمل
أمينة خيري في «المصري اليوم» تقول: «مثلما نهرع إلى رجال المرور معترضين على فوضى القيادة، فيأتينا الرد: «إنه سلوك مواطن، فماذا نحن فاعلون؟»، فنحن حين نهرع إلى من يفتون في الدين في مسائل عجيبة غريبة على شاكلة «هل الله يستجيب لدعاء غير المحجبة؟» أو «هل استخدام الشطاف في نهار رمضان يفسد الصيام؟» ونعترض على هذه الأسئلة الهرائية، تأتينا الإجابة: «هذه أسئلة الناس وعلينا الرد عليها». ومثلما تتمثل مهمة رجل المرور في تطبيق قواعد المرور التي تصحح وتقوم وتعاقب السلوك الخاطئ في القيادة، فإن من ضمن مهام رجال الدين تصحيح وتقويم التفاهة والسطحية وعدم تحميل الدين ما لا يحتمل. والتحجج بأن «الجمهور عاوز كده» كما يخرج علينا صانعو الأفلام الهابطة، حجة تبدو منطقية لكن يراد بها باطل لإبقاء الوضع على ما هو عليه، سواء من حيث الفوضى المرورية أو فوضى الفتاوى. وإذا كانت الفوضى المرورية تحصد الأرواح وتساهم في نشر وتجذير الفوضى السلوكية في المجتمع، فإن فوضى الفتاوي تساهم في نشر وتجذير النسخة العجيبة من الدين المتحلل من القيم الروحانية، والقواعد الأخلاقية والغارق حتى الثمالة في «ماذا نرتدي؟» و«بأي قدم ندخل الحمام؟» و«أصول النكاح» و«نص دعاء ركوب المصعد». وما الهجوم الضاري الذي توجهه الغالبية تجاه كل من يعترض على تحويل الدين إلى أدعية وأذكار وطرحة ونقاب ولحية وقبقاب، واعتبار من يتطرق إلى هذه المسائل «الفقهية» عدو الله وكارهًا للمؤمنين، إلا دليل دامغ على الغمامة المهيمنة على القلوب والعقول. المتدين عن حق لا يخشى سؤالاً نقدياً عن المظاهر أو نقاشاً منطقياً عن التفسير الذي يضعه بشر. والمتدين الواثق أنه على حق لا يعتبر فتح ملفات تطهير التراث الديني المتراكم عبر قرون، ما بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) هدماً للدين ونشراً للفسق والفجور. ومثلما يفتش البعض من رجال المرور في رخص القيادة لضمان أنها سارية، ظناً منه أن هذا هو ملخص عمله، بينما زجاج السيارة أسود فاحم وخلفيتها مغطاة بالكامل بملصقات ضخمة وقائدها أرعن أهوج، فإن من يستقبل فتاوى عن دخول الحمام وظهور صباع رجل المرأة والدعاء بالشفاء والنجاة لـ«الكفرة» في الصين، بدون أن يخبر السائل أن عليه أن يخضع لعلاج نفسي، ويوضح له أنه بهذه الأسئلة يسيء للدين ولقدراته العقلية، بل يحذره من أن مثل هذه الأسئلة تصنع كهنوتاً في الإسلام الذي هو بلا كهنوت، وأنها تجعل من رجل الدين وسيطاً بين الإنسان وربه، بينما لا وساطة بين العبد وربه في الإسلام، وأنها تهين رجل الدين نفسه الذي يفترض أنه عالم قارئ مثقف، وليس محلل شطافات ومدقق أرجل ومتمعنا في شؤون النكاح والمنكوحين. إمساك عصا الوطن من المنتصف، حيث التأرجح بين دولة مدنية أحياناً وأخرى دينية أحياناً سيؤدي بنا إلى الدخول في حيطة كتلك التي دخلنا فيها من قبل».
ظواهر سلبية
مع انتظام الدراسة في مختلف الصفوف، بدأت المدارس تسلم تلاميذها الكتب الخاصة بالفصل الدراسي الثاني، وعلى الرغم من تحذيرات وزارة التربية والتعليم المستمرة من عدم ربط تسليم الكتب بدفع المصروفات، سواء في المدارس الخاصة أو الحكومية، إلا أن المشكلة كما يقول محمد أحمد طنطاوي في «اليوم السابع»، مازالت قائمة، والطلاب لا يحصلون عليها إلا من خلال «وصل» المصروفات، الذي يثبت الدفع، وهذا إجراء سلبي ومنفر ونفعي، يؤكد أن من يطلبونه لا يعرفون شيئا عن رسالة التعليم وأهدافها. هذه الكلمات أكتبها ارتباطا بتجربة شخصية مع إحدى المدارس الخاصة، حيث تدرس ابنتي في الصف الأول الابتدائي، وقد دفعنا المصروفات كاملة على قسطين، الأول قبل بداية الدراسية، والثاني في مطلع شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي، إلا أن المدرسة رفضت تسليم الكتب لهذه التلميذة الصغيرة، حتى إحضار الوصل، الذي يثبت دفع الرسوم، مع العلم بأن المدرسة لديها قوائم كاملة بأسماء من دفعوا المصروفات، ويمكن من خلالها تسليم الكتب للتلاميذ بدلا من هذه الفكرة «السخيفة» التي تشعر هذا النشء الأخضر أن العلم مقابل المال. لا يمكن بأي حال أن تكون لدى المدرسة رسالة حقيقية، ما دامت تربط تسليم الكتب الدراسية والمناهج التي أعدتها وزارة التربية والتعليم وتقدمها بشكل شبه مجاني، بدفع المصروفات، وتجعل الأمر وكأننا نتعامل مع «دكان» أو «سوبر ماركت»، وعلى الأجهزة المسؤولة في وزارة التربية والتعليم أن تتحرك لمواجهة هذه الظواهر السلبية، التي تهدم كل تطوير تقوده الدولة نحو المستقبل، وتغرس سلوكيات سلبية في نفوس الصغار. يجب أن لا يتوقف دور وزارة التربية والتعليم عند التحذير والإدانة ورفض ربط تسليم الكتب بدفع المصروفات الدراسية، ولكن يجب أن تكون هناك وقفة معلنة، تتم خلالها محاسبة عدد من المدارس، حتى تنتهي هذه الظاهرة السلبية، التي يعود تاريخها لسنوات طويلة، وأتذكر عندما كنت طالبا في المرحلة الابتدائية، كان «أمين المخازن» المسؤول عن تسليم الكتب، وتوريد ثمنها لخزينة المدرسة، يتحدث في الطابور كل صباح عن المصروفات المدرسية، لدرجة أنه كان يحتجز البعض ويمنعهم من حضور الحصص حتى يستجيبوا، وكأنه يغرس في داخلهم فكرة «تدفع تتعلم»، مع العلم بأن المصروفات في ذلك الوقت لم تكن سوى جنيهات قليلة. نعرف جيدا أن مشكلات التعليم في مصر كثيرة ومتنوعة ولها أبعاد متعددة، إلا أن الثورة الكبيرة التي يشهدها هذا القطاع، والدعم الهائل من القيادة السياسية له في الوقت الراهن، تدعونا إلى ضرورة أن نتخلص من كل السلبيات القديمة، التي تؤثر بصورة مباشرة على أخلاقيات وسلوكيات الطالب».
معتقدات وموروثات قاتلة
في الماضي، كانت عملية الختان تتم بموسى حلاقة، بيد داية أو حلاق حكومي كان يطلق عليه «حلاق الصحة»، أما الآن فالأطباء هم من يقومون بذلك بمشارطهم وبضمائر مستريحة تمامًا، تقولها بأسى عزة كامل في «المصري اليوم»، وعندما تحدث وفيات تُسجل بأنها ناجمة عن حدوث نزيف، أو بسبب الحساسية ضد البنسلين. وكشفت دراسة ميدانية أجراها المجلس القومي للطفولة والأمومة عام 2012، أن بعض الأطباء يجرون جراحة صغيرة في المهبل، وذلك لإقناع أهل الطفلة بإجرائه الختان لمراضاتهم ولحمايتها من إصرار أهلها على الختان، واعترف آخر بأنهم يجرون الختان من أجل الحفاظ على زبائنهم، لأنه إذا امتنع عن إجرائها فسوف يجريها طبيب آخر، وقد يخسر تردد المرضى عليه في علاج أمراض أخرى. وفي عام 2013، وفقا لدراسة لـ«اليونيسيف»، فإن 77٪ من الفتيات اللائي خضعن لهذه الجراحة أُجريت لهن على أيدي أشخاص يعملون في الحقل الطبي، لكن هذه النسبة زادت وأصبحت مصر تشغل المركز الأول على مستوى العالم بنسبة 82٪ في ظاهرة هي الأخطر، وهي ظاهرة «تطبيب الختان»، التي تُعرف بأنها تشويه الأعضاء التناسلية للإناث على يد مقدمي الرعاية الصحية بكل فئاتهم، سواء في العيادات العامة أو الخاصة أو في المنزل أو في أي مكان آخر، تحت اسم «عملية تجميل»، أو يقترحون للأمهات أطباء آخرين يقومون بالممارسة، نحتاج لإعادة تشكيل العقلية المصرية، وتغيير المعتقدات والموروثات الثقافية التي تؤثر بشكل قوي في تطبيب الختان، وتنفيذ حملات تفتيش ومراقبة على المستشفيات والعيادات الخاصة، التي تمارس هذه الجريمة تحت أسماء مختلفة، ويجب أن يشمل القانون محاسبة المنشآت الطبية التي تُجرى فيها هذه الجريمة، والأطباء والممرضات الذين يقومون بها وشطبهم من النقابة، ورفع وعي الأطباء والممرضات، وذلك بدمج مواد تعليمية في مناهج كليات الطب والتمريض، تعرِّف جريمة ختان الإناث، والمسؤولية القانونية للأطباء ومقدمي الرعاية الصحية، مع رفع الوعي لدى الأسر بالجوانب الصحية والنفسية والقانونية للختان. ونحتاج كذلك لمبادرات مبتكرة، مثل مبادرة «البالطو الأبيض ضد الختان» لمناهضة ظاهرة تطبيب ختان الإناث، التي نُظمت الأسبوع الماضي في محطة الشهداء في مترو الأنفاق، وأطلقتها مؤسسة «مصر للصحة والتنمية المستدامة»، بمشاركة «اللجنة الوطنية للقضاء على ختان الإناث» في المجلس القومي للمرأة، والاتحاد الدولي لطلاب كلية الطب، والاتحاد النوعي للجمعيات العاملة لمناهضة الممارسات الضارة ضد المرأة والطفل، وقامت بتوعية المواطنين بخطورة الختان، وألا يكف الإعلام عن طرح القضية، ولا ننتظر حتى يتضاعف الضحايا لنثير زوبعة سرعان ما تخبو مع الأيام».