لم يثرِ مخيلتي ويزيد من شغفها بالغناء والموسيقى ، ويضيف لتجربتي الشعرية الكثير من الخيالات ويلونها بالنغم والحنان والعذوبة ، مثل محمد عبد الوهاب الذي أعتبره عبقري الموسيقى والغناء العربيين. مناسبة هذه المقدمة هي الإصدار الجديد للكاتب والناقد الموسيقي الياس سحاب، عن موسيقار الأجيال عبد الوهاب، تحت عنوان «مع محمد عبد الوهاب».
سحاب هو من مواليد يافا في فلسطين، تربّى منذ نعومة أظفاره على الموسيقى وآلاتها وألحانها وتآليفها في منزل محب وتواق لهذا الفن الراقي، بجميع تلوناته واختلافاته وخصوصياته من كلاسيكيات الموسيقى العالمية ، مثل فن الأوبرا والسيمفونيات التي انجزها العمالقة الخالدون من أمثال بيتهوفن وموتسارت وباخ وروسيني وشوبان وتشايكوفسكي وغيرهم من أعلام الموسيقى العالمية، مروراً بالعربية بدءاً بسيد درويش وأركان الحداثة والتجديد الأربعة الخالدين محمد القصبجي ورياض السنباطي وزكريا أحمد ومحمد عبد الوهاب. في هذا المنزل الموسيقي ولد سحاب وأخَوانه، فكتور وسليم، اللذان اختصا مثله فيما بعد بهذا الفن الجبار ، بحيث درساه في ارقى الاكاديميات العالمية.
كان والد هؤلاء الأخوة الثلاثة رجلاً ذواقة، محباً للطرب وللسماع والإصغاء المتواصل لهذه القمم الرفيعة ، عالمياً وعربياً ، حتى التلاوة القرآنية كانت من ضمن هذه المسموعات ولأبرز مقرئي القرآن ممن أجادوا التجويد والمقام العربي الذي تقوم عليه هذه التلاوة، هذا بالرغم من الديانة المختلفة لأهل هذا المنزل الموسيقي.
كان الغرامافون وآلة البيانو والإسطوانات الكبيرة لبيضا فون تشكل في شكلها ومضمونها الجواني الجزء الأساسي في هذا المنزل الذي شهد الهجرة الأولى بعد احتلال فلسطين وضياعها بين الدول التي انتصرت في الحرب العالمية الثانية. في لبنان الذي رحلت وهاجرت عائلة سحاب اليه، سيعاد تأثيث المكان الموسيقي من جديد، لتبدأ مرحلة جديدة، ثرية ، وغنية وزاخرة في الإنفتاح أكثر على هذا العالم المدهش والحساس والمرهف.
يتكوّن كتاب سحاب، فضلاً عن المقدمة، من خمسة عشر فصلاً، تضم أرشيف ذكريات سحاب الشخصية عن عبد الوهاب، ومقالات عن بعض أغانيه وألحانه وآرائه في المطربين والمطربات، وطبيعة ارتباطه بمقرئي القرآن والمنشدين، ولقاءاته مع شخصيات عامة. وهو كتاب ممتع يتمتع برهافة خاصة، تعكسها الأزمنة الجميلة التي كانت سائدة في مطلع القرن الفائت حتى السبعينيات، وهو جامع ويلقي مزيداً من الضوء على حياة عبقري الموسيقى العربية وعلى صحْبه وتلامذته وأنداده ومن سبقوه في مجال اللحن والطرب. فالمؤلف لا يتوانى حتى عن تسليط الضوء على مقرئي التلاوة القرآنية التي كان الموسيقار ينصت اليها، بالأخص مصطفى اسماعيل ومحمد رفعت، ومشايخ الإنشاد الديني مثل محمد عمران والشيخ علي محمود الذي ظل مستشاره الفني، هذا فضلا عن الشيخ درويش الحريري نسيب زكريا أحمد الذي كان مقرّباً حينها من العائلة المالكة، وكان عبد الوهاب يجد في الحريري حين يلتقيه خزانة محتشدة بنفائس تراث القرن التاسع عشر وما قبله من قصائد وموشحات وتراتيل، مما كان يدفع بعبد الوهاب الى الاستعانة بهذا التراث من اجل التجديد وتمتين النص الغنائي والموسيقي ومن ثمّ رفده بشذرات ولمعات من تراثنا المشرق في الموسيقى والغناء العربيين، حتى الأندلسي منه.
لا يعدم الناقد الياس سحاب مجالاً إلا وتطرق اليه ، خصوصاً عبر ملازمته لعبد الوهاب قرابة احدى عشرة سنة، على نحو متواصل من اللقاءات الصداقية والصحافية والتي كان يتوجها دائماً بمقال نقدي في مجلة «الحوادث» واسعة الانتشار آنذاك ، لصاحبها سليم اللوزي، الذي كان يشجّعه على اقتحام عوالم عبد الوهاب وكشف ما يدور خلف ستارة المسرح الغنائي في تلك الأيام الزاخرة باللامعين والنجوم الكبار، السنباطي الذي كان مغرماً به عبد الوهاب، والقصبجي الذي عدّه الموسيقار من أكبر المجددين في اللحن الموسيقي العربي، لكن السيدة أم كلثوم، وحسب عبد الوهاب فقد حدّتْ من تطوره المنطلق، وكذلك لا يكتم محبته للشيخ زكريا أحمد وحتى تلامذته من أمثال الموجي وعلي الشريف ومنير مراد وكمال الطويل، هذا دون أن ينسى سحاب تلوين الكتاب بآراء عبد الوهاب في الرحابنة وبمطربيه الذين التزم بهم مثل عبد الحليم حافظ ووردة الجزائرية ونجاة الصغيرة التي قال عنها انها رغم محدودية صوتها تتقن العمل ما بين العقل والحنجرة. وعن وردة قال إنها صوت قوي عفيّ، وفايزة أحمد التي كان يرى في صوتها الحرارة والشهوانية، وحين يتحدث عن السيدة أم كلثوم تفيض صفاته، فهي تمتلك على حد تعبيره مساحات صوتية كبيرة ونادرة، ولديها نفاسة في معدن صوتها والمقدرة على الغناء بشكل رفيع لساعات مطولة، اضافة الى تعمقها في تشرّب ما تربّت عليه ضمن مدرسة الإنشاد الديني التي من أهم مواصفاتها تشرّب المقامات العربية بعمق لا نظير له وإتقان مخارج الألفاظ الى درجة انك عندما تستمع الى أم كلثوم وهي تغني، يستحيل أن تتوقف أمام كلمة غير مفهومة وغير واضحة المعالم.
الياس سحاب: «مع محمد عبد الوهاب» دار نلسن، بيروت 2014، 186 ص.
هاشم شفيق