بحيرة الحولة.. ضحية الرجل الأبيض الإسرائيلي

حجم الخط
3

الناصرة – «القدس العربي»: طالما زعمت الصهيونية في حملاتها الدعائية لتبرير احتلالها فلسطين بأنها جففت المستنقعات وحولت القفار والصحاري إلى حدائق خضراء، لكن تجربة بحيرة الحولة في أقصى شمال البلاد تدلل على عكس مزاعمها. ويكتشف خبراء الري والزراعة في إسرائيل أن مشروع تجفيف بحيرة الحولة في الجليل شمال البلاد نتجت عنه مضار كثيرة، وفوائد زهيدة فعادوا قبل سنوات لمحاولة إحيائها دون الإعتذار من الذين صدقوا كذبة «تجفيف المستنقعات» «وتحويل القفار» في فلسطين الى جنائن وبساتين.
في موازاة احتلال الأرض عام 48 عملت إسرائيل على احتلال وعي الناس بمزاعم حول تحويل المستنقعات لحدائق غنّاء في سياق مقولة «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض». ولم تهدف الصهيونية لتحقيق غايات دعائية فحسب إذ شرعت بواسطة إحد أذرعها، مؤسسة «الكيرن كييمت» ( الصندوق القومي اليهودي ) في تجنيد التبرعات المالية المحلية والعالمية خلال سنوات الخمسينيات. ووقتها لم يجر الحديث عن تجفيف «بحيرة» إنما عن «مستنقعات» بما يذكّر برسالة «الرجل الأبيض» المستعمر الأوروبي في القارة السوداء. وكان رئيس وزراء إسرائيل الأول ديفيد بن غوريون قد قرر تجــفيف بحيرة الحولة واستغلال أراضيها لتكون بيدرا للخضراوات والحبوب في ظل تدافع المهاجرين الجدد على فلسطين وشح موارد المعيشة، لكن رياح الطبيعة جرت بما لم تشتهه الصهيونية، بل جرى العكس.
درجات الحرارة

بعد عقود من تجفيف بحيرة الحولة الممتدة بموازاة نهر الأردن على الحدود مع الجولان السوري المحتل، تكشفت أضرار فادحة للبيئة والطبيعة وتبين أن مساحات واسعة منها لا تصلح للزراعة بسبب ترسبات الأملاح وغيرها.
ففي دراسة جديدة يؤكد بروفيسور موشيه غيفن، وهو باحث إسرائيلي مختص في شأن البيئة والأنهر والبحيرات، أن عملية تجفيف الحولة في السنوات الأولى بعد النكبة أدت لتطورات سلبية رافقتها تغيرات مناخية في المنطقة.
ويستند غيفن الباحث في معهد «معرفة الجليل» على خرائط قديمة للحولة وعلى معطيات هطول الأمطار في فترة الاستعمار البريطاني. ومن ضمن استنتاجاته أن معدل درجات الحرارة في منطقة الحولة قد تعرض لثلاثة تحولّات جوهرية منذ 1946 حتى 2008 وهي فترة تدخلت فيها إسرائيل بالطبيعة مرتين، الأولى عندما جففت الحولة والثانية حين عادت وغمرت أجزاء منها عام 1990. ومنذ 1946 وحتى الإنتهاء من تجفيف بحيرة الحولة الممتدة مساحتها على 60 ألف دونم بلغ متوسط درجة الحرارة 20.2 درجة. ومنذ 1959 وحتى 1990 انخفض معدل درجات الحرارة بـ 1.3 درجة، ومنذ 1990 (سنة إحياء مساحات من البحيرة مجددا) وحتى 2008 ارتفعت بمعدل درجة واحدة. وينبه الباحث أن سهل الحولة بعد تجفيف البحيرة فيه ظلت تربته مكشوفة في ظل زراعة غير منتظمة. ويربط بين تجفيف البحيرة وارتفاع درجة الحرارة في محيطها خلال السنوات الأخيرة لأن مياهها كانت تمتص جزءا من الطاقة الحرارية التي تحملها أشعة الشمس.
ومع السنوات اتضح أن أرضية البحيرة بعد تجفيفها مليئة بالأملاح ولا تصلح للزراعة بل شبت فيها حرائق كثيرة لسهولة اشتعال المواد العضوية المتعفنة فيها ما دفع المزارعين لتركها. والأمر الثاني الذي لم يؤخذ بالحسبان أن تربة الحولة بعد تجفيفها ستتقلص وقد هبطت فعلا ثلاثة أمتار عن ارتفاعها الأصلي منذ تجفيفها ومما يزيد «طينتها بلة» تبعثر تربتها في الهواء.

بحيرة طبريا

ومنذ 1990 تم غمر مساحات واسعة من سهل الحولة والشروع في زراعة منتظمة غطّته بالمساحات الخضراء. ويوضح جيورا شوحم المهندس الإسرائيلي المختص بشؤون المياه مخطط مشروع إعادة غمر الحولة وترميم سهلها «أن ما اعتقدوا أنه سيتحول لمرج زراعي خصب تبين أنه ورطة كبيرة» منوها الى أن المواد التي يجرفها معه نهر الأردن خلال مروره بسهل الحولة تصل بحيرة طبريا وتضر بجودتها. وتسعى وزارة الزراعة الإسرائيلية اليوم لتعويض المزارعين في منطقة الحولة وتوفير كميات مياه أكبر للري بأسعار مخفضة إضافة الى تمويل آليات أخرى لتدارك الخسائر والأضرار الناجمة عن مشروع التجفيف الفاشل.

لا بحيرة ولا مزارع

حول فشل المشروع الصهيوني المتعلق بتجفيف المستنقعات يستذكر الجغرافي الدكتور شكري عراّف أن المشروع الذي كلف خزينة إسرائيل عشرات ملايين الدولارات فشل في تحقيق أهداف أساسية: استصلاح أراض زراعية، التخلص من البعوض والملاريا، وتوفير كميات من المياه.
وردا على سؤال «القدس العربي» يوضح أن «كميات كبيرة من مياه الحولة قد ضاعت في باطن الأرض وبالتالي هناك عشرات آلاف الدونمات التي لم تعد لا بحيرة ولا أرضا زراعية!».
ومقابل نجاح مشروع التجفيف في القضاء على البعوض قضى على أنواع كثيرة من الكائنات الحيّة، أما طيور البجع والغطاس التي اعتاشت على صيد الأسماك فقد وجدت في برك السمك الزراعية تعويضا عن البحيرة الزائلة مما الحق الخسائر بالمزارعين. وينوه عراف أنه لا مفر من الاستنتاج بأن منفذي المشروع لم يستلهموا الفكرة من اعتبارات حسابية علمية بقدر ما هي اعتبارات أيديولوجية ترتبط بالمزاعم الصهيونية حول ما يعرف بالحق التاريخي في البلاد. منوها أن السلطات الإسرائيلية تواصل اليوم تعويض الخسائر الكبيرة في مشروع التجفيف الفاشل من خلال بناء مرافق سياحية في المكان.

موسم الهجرة الى الشمال والجنوب

عاشت في مياه الحولة 16 نوعا من الأسماك وجذبت طبيعتها عشرات الأنواع من الحيوانات وجمعت طيورا من ثلاث قارات وهي محطة هامة لها في موسم الهجرة إلى الشمال والجنوب، وكانت الموطن الأقصى شمالا لنبتة البردي الإفريقية. وكغيرها من بقاع فلسطين كانت بحيرة الحولة تمتاز بأصالة معالمها الطبيعية حيث كانت تمتد على مساحة 100 ألف دونم من المياه تتغذى من نهر الأردن ومياه الأمطار وجداول هضبة الجولان، وقد تمتعت بثروات كبيرة من الكائنات الحية المتعددة ومنها النادرة بمقاييس عالمية جعلتها بمثابة حديقة حيوانات مفتوحة ( ومن دون رسوم دخول باهظة ). وعلى ضفاف تلك البحيرة الوادعة تناثرت قرى وعزب كثيرة للسكان الفلسطينيين الذين اعتاشوا على زراعة الأرز والقطن وصيد الأسماك وصناعة القش والحصر وتربية الجواميس وقد هاجر معظم هؤلاء الى سوريا ولبنان فيما بقي نزر يسير منهم مهجرين في وطنهم يعيشون داخل بعض القرى في أراضي 48. وفي المتحف القائم في»محمية الحولة» اليوم لم يتبق أثر للسكان الأصليين سوى صورة مجسمة لفلاح وزوجته وابنته دون توضيح أو إشارة لماضيهم بعكس صورة الحيوانات والطيور التي عاشت في الحولة وتحظى بشروح وتوضيحات وافرة.
تهجير الطيور من وكناتها والبشر من أوطانهم
ويوضح الجغرافي مرشد الطبيعة جميل عرفات لـ «القدس العربي» أن العرب سمت بحيرة الحولة بـ «بحيرة قدس» أيضا نسبة لمدينة القدس القديمة شمال غربي الحولة. منوها أن البحيرة تغذت من مياه وديان الجليل والجولان ومن أهمها الحنداج، الوقاص والجلابينة، فيما كان يبلغ طولها نحو خمسة كيلومترات وعرضها ثلاثة كيلومترات إضافة لمستنقع مساحته 17 كيلومترا مربعا وعمقها بلغ أحيانا خمسة كيلومترات. وتدخل سهل الحولة أودية أخرى إضافة لروافد نهر الأردن (الدان، الحاصباني والبانياس) وتتحد سوية في شمال الحولة مكونة نهر الأردن. ويشير عرفات الى أن مشروع تجفيف الحولة قد تطلع لتحقيق غاية صهيونية أخرى تتمثل بتغيير ملامح البلاد مؤكدا أنه فشل وجاء بنتائج سلبية من ناحية الاقتصاد، البيئة والمناخ ما دفع السلطات الإسرائيلية للتفكير في مشروع عكسي لاستعادة أجزاء من البحيرة. منوها أن الهدف من مشروع غمر سهل الحولة بالمياه مجددا هو المحافظة على تربة الكابول بعدما بدأت ذراتها تتطاير في الهواء عندما تجف وتجعل الجو في المنطقة مغبرا طيلة أيام الصيف. هذا إضافة للمحافظة على بحيرة طبريا من خطر التلوث الذي تشكل تربة الكابول في منطقة الحولة مصدره الرئيسي، وكذلك إنشاء مرافق سياحية. لكن عرفات يؤكد اليوم أن البحيرة الجديدة في الحولة لم تنجح في استعادة معالم وملامح المكان الفريد منوها الى أن المنطقة لم تعد محطة مركزية كما في السابق بالنسبة للطيور المهاجرة من أوروبا إلى إفريقيا وبالعكس في مواسم الهجرة للشمال والجنوب. ويشير لتوقف طيور اللقلق، البلشون، الغاق والرهو التي كانت تطير من أوروبا إلى إفريقيا مع بدء الشتاء البارد، وتمر فوق منطقة الحولة لكونها جزءا من الشق السوري الإفريقي مستغلة التيارات الهوائية الساخنة المتصاعدة من الأرض للأعالي، في عملية طيرانها في رحلتها الطويلة والمضنية. ويتابع «لم تهجر الصهيونية البشر فقط بل طردت الطيور حيث كانت عشرات الأنواع منها تتوقف في سهل الحولة في شهور الشتاء، تبني أعشاشا بين نباتات البحيرة المتشابكة، أما اليوم فقد قل عددها بنسبة كبيرة». كما يستذكر عرفات أن منطقة الحولة فريدة من ناحية كونها الحد الشمالي لانتشار بعض النباتات التي تعيش في المناطق الجنوبية من فلسطين وأبرزها نبتة اللوتس المائية والبردي التي استخدمها الفراعنة للكتابة. كما ينوه أن الحولة كانت أيضا الحد الجنوبي لانتشار نباتات عاشت في شمال فلسطين ولذا فهي موضع لقاء بين مناطق نباتية حارة وباردة معتبرا ذلك حالة نادرة بمقاييس عالمية. ويتساءل جميل عرفات ساخرا: «لم تعتذر إسرائيل حتى من أولئك الذين صدقوا أكذوبة تجفيف القفار وتحويل فلسطين من صحارى لجنائن».

مستوطنات على أنقاض فلسطينية

عرفات الذي وضع كتبا في الجغرافيا الفلسطينية ردا على مزاعم أن «فلسطين أرض بلا شعب واليهود شعب بلا وطن» يستذكر أنه في محيط الحولة انتشرت عشرات القرى والعزب الفلسطينية التي اعتمدت في معيشتها على تربية الجواميس والماعز، صناعة الحصر، زراعة الحبوب وصيد الأسماك بعضهم وصل للمكان في إطار حملة إبراهيم باشا في ثلاثينيات القرن التاسع عشر وبقوا فيها حتى نكبة 48 ومنهم عرب الغوارنة. ويحرص على التذكير بالقرى الفلسطينية المهدمة في الحولة: بيسمون، الملاحة، عرب زبيد، الجاعونة، منصورة الخيط، تليل، الحسينية، كراد الغنامة، كراد البقارة، الدوارة، المفتخرة، جاحولا، ابل القمح، الصالحية، البويزية، الناعمة، جلبينة، خان الدوير، خربة السمان، الخصاص، خيام الوليد، الدرباسية، الدردارة، الدريجات، دوارة، الزوية، الزنغرية، الزوق التحتاني، الزوق الفوقاني، السنبرية، الصالحية، العبسية، العزيزات، العلمانية، غرابة، فرعم، قيطية، المنصورة، عرب الشمالنة، مداحل، المنشية، لزازة، منصورة الخيط، مغر الخيط، الناعمة، الويزية، يردا، وقد تم احتلال هذه البلدات وتهجير أهلها الى سوريا ولبنان. يشار الى أن بعض هذه البلدات تم تهجيرها بعد قيام إسرائيل كما جرى مع قريتي كراد الغنانمة وكراد البقارة ومزرعة الخوري التي طرد سكانها في آذار/مارس 1951. وينوه عرفات أن مساحات من أراضي الحولة اقتنتها الوكالة اليهودية في فترة الإنتداب من اقطاعيين لبنانيين تملكوا الأرض منذ العهد العثماني. ومن المستوطنات الإسرائيلية البارزة في منطقة الحولة مدينة «كريات شمونة» القائمة على أرض بلدة الخالصة. عرفات الذي يصفه بعض المراقبين بـ «ذاكرة الوطن» لما تختزنه ذاكرته من معلومات حول تاريخ وجغرافية فلسطين لا سيما روايتها الشفوية يستذكر على سبيل المثال أن مزرعة الخوري كانت بحوزة سعيد توفيق الخوري المولود في مدينة صفد عام 1923 لأسرة من مدينة طبريا المجاورة. ويقول إن أسرة الخوري كانت تعمل في الزراعة وصيد الأسماك حيث تعهدت الصيد في بحيرة الحولة، وكانت تبيع السمك في مدن فلسطين ولاحقا تعهدت الصيد في بحيرة طبريا. وينوه أنها كانت تملك واحدة من أكبر المزارع في البلاد وتقع على الضفة الغربية لنهر الأردن بعد خروجه من جسر بنات يعقوب وكانت تحتوي على أنواع متعددة من أشجار الحمضيات وغيرها . وقد تم احتلالها في الخامس من أيار/مايو 1948 وشهدت مجزرة ارتكبتها العصابات الصهيونية حيث قتلت نساء وأطفالا أيضا. وينوه أنه تم إحراق بعضهم وهم أحياء ومن ثم إحراق الجثامين أمام عيون بعض الشيوخ الذين أبقوهم لنقل ما شاهدوه لتسهيل تهجير وتفريغ البلاد من أصحابها. ومن ضحايا المجزرة في مزرعة الخوري: عدنان توفيق، قاسم إدريس، لطفي زين الدين وبسيم أبو بكر.

وديع عواودة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية