«قاف قاتل سين سعيد» رواية ثالثة للكويتي عبدالله البصيّص، بعد روايتيه اللتين مُنعتا من التداول في الكويت: «ذكريات ضالة» 2014 و«طعم الذئب» 2016، وقد اعتمد الكاتب فيها على المذكرات والفيديوهات، وهي مفارقة لطيفة؛ إذ أن المألوف أن تتحول الرواية إلى مشاهد وفيلم، ولكن هذه الرواية تحول المشاهد والفيديو إلى نص روائي. وقد اتكأ البصيّص في روايته على ثلاثة رواة مشاركين: الأول ضابط الأمن عادل عبر مذكراته وأوراقه التي كتبها قبل وفاته، والثاني فهد نشوان عبر ستة وثلاثين تسجيلًا مُصورًا، والثالث المحقق ماجد، وهو الذي وظف مرويات عمه عادل وفهد نشوان، للكشف عن سر اختفاء سعيد جونكر.رواية «قاف قاتل سين سعيد»، الصادرة عن دار روايات، 2020 في 426 صفحة من القطع الكبير، تتناول فترة ما بعد تحرير الكويت، وهي رواية لافتة، مختلفة، حافلة بمجموعة من القضايا والأفكار، وتثير كثيرًا من الأسئلة، التي يصعب الإحاطة بها في مقالة واحدة، وتتناول هذه المقالة بعضًا منها:
ورطة الحقيقة
يقول الممثل دانيال كريغ الذي لعب دور المحقق الخاص في فيلم «أخرجوا السكاكين» knives out 2019: «تعقيد الرمادي ليس الحقيقة، لكن ما تعمله في الحقيقة عندما تحصل عليها» إذ الحقيقة ـ في الغالب – هي ورطة شائكة، قلما يخرج منها أحد بسلام. الكل يزعم أنه يسعى للوصول إلى الحقيقة، فإذا وصلها يدرك أنه تورط، ويتمنى أنه بقي على جهله وعماه، فللحقيقة كلفتها وأعباؤها وتبعاتها.
الضابط عادل عندما أدرك خطأه، وتبينت له الحقيقة، دفنها، وآثر الهرب، بعد أن طمس كل الطرق المؤدية إليها، وهو ضابط الأمن المؤتمن على الأرواح والأعراض والممتلكات. وماجد سعى بإصرار لمعرفة الحقيقة، ولما تكشف له السر الذي خلخل ثوابته وتصوراته، وقف على شفا جرف هار، فالجهر بالحقيقة أمر شاق ومكلف، والسكوت عنها ـ حسب رأيه- لا يؤخر ولا يقدم، بسبب التقادم، ووفاة الجاني، ولكن ألا تستحق الحقيقة أن نجهر بها مهما كانت التبعات؟ التنظير سهل بالطبع، ولكن عندما تمس الحقيقة من نحب، تحضر التبريرات والحسابات لطمس الحقيقة أو تحريفها، وعندما عرف ماجد الحقيقة تذكر قول عمه عادل له وهو في الصف الرابع المتوسط: «هنالك أشياء يعطينا جهلنا التام بها معنى كافيًا لفهمها، وهنالك أشياء معرفتنا بها تسبب جهلًا كاملًا بما تعنيه».
ورم السلطة
لعل ما دفع الضابط عادل لارتكاب جريمة القتل الخطأ هو وهم السلطة وورمها الذي يعاني منه، فهو شخصن قضيته مع «سر الليل» صاحب سيارة الزد، الذي يقود بمهارة وحرفية ويقوم بحركات ثعبانية وانزلاقية خطرة، وترصده أكثر من مرة، وفشل في القبض عليه، واستنفر كل مرتبات المخفر من أجل كمين يسد عليه كل المنافذ، ولكن «سر الليل» راوغ عادل الذي يطارده، وأفلت منه، ولما كان الوقت ليلًا والسماء ممطرة، فقد أشكل على عادل، وأطلق النار على آخر ظنًا منه أنه «سر الليل»، وعندما عاد إلى المخفر وجد زملاءه قد قبضوا على «سر الليل»، فإذا هو شاب صغير هزيل الجسم. ولو تفحصنا جريمة «سر الليل»، لما زادت عن مخالفة سير، وليست من شأن ضابط مخفر، ومهما كانت فلا تبرر المطاردة الشرسة، وإطلاق النار، ولكنه ورم السلطة الذي يعمي الأبصار.
حيلة الكتابة، من أروع الحيل وأجملها وأبعدها تأثيرًا! والكتابة في جوهرها حيلة؛ لأن الكلمات مراوغة، وتحتمل التأويل، وتعدد المعاني، وتخفي في تلابيبها ما لا يتبينه إلا اللبيب!
العلاج بالكتابة
العلاج بالكتابة لم يعد مستهجنًا أو مستغربًا، فقد أصبح وسيلة ناجعة في الطب النفسي، فإذا كانت الفضفضة للطبيب هي أساس هذا الطب، فإن الفضفضة على الورق لا تقل أهمية إن لم تكن أفضل. والكتابة بالنسبة للكتاب والمبدعين، هي علاج للتخلص مما يؤرقهم ويتعبهم، فالفكرة تبقى تقض مضجع صاحبها حتى يسكبها حروفًا وكلمات على الورق، أي أن الكتابة ليست خيارًا، وإنما هي فعل اضطرار لا مفر منه في الغالب!
الضابط عادل لم يلجأ إلى الكتابة ترفًا، وإنما اتباعًا لنصيحة طبيبه النفسي، ليتخفف مما يقض مضجعه ويؤرق ضميره، جراء جريمته التي أخفاها عن الجميع، ففضفض للورق سميره ومناجيه، فوجدها طريقة سحرية، فنصح بها ابن أخيه ماجد، واتخذها وسيلة حياتية للتخلص من كل ما يثقل كاهله أو يتعبه أو ينغص حياته؛ لأنه وجد أن حيلة الكتابة، من أروع الحيل وأجملها وأبعدها تأثيرًا! والكتابة في جوهرها حيلة؛ لأن الكلمات مراوغة، وتحتمل التأويل، وتعدد المعاني، وتخفي في تلابيبها ما لا يتبينه إلا اللبيب!
أثر الحرب على الأطفال والمراهقين
عاد فهد نشوان من الرياض إلى ضاحية الفردوس بكرة قدم جديدة، لم تمسسها قدم، ليستأنف ورفاقه لعب الكرة، كما كانوا يفعلون قبل غزو الكويت، ولكنه صدم عندما رأى أن رفاقه لا يأبهون بكرته الجديدة، ولا باللعب، وقد انشغلوا بالصراع مع أولاد الحارات الأخرى، خاصة «ربع مصدي» وقرروا أن يكونوا ندًا لهم في النفوذ، وأطلقوا على أنفسهم «ربع الموت». ونشبت الصراعات بينهم؛ يشتعل فتيلها في المدرسة، وتلتهب خارج أسوارها بعد مغادرتها، ويتبادل الطرفان الكر والفر.
هذا التحول الجذري من لعب الكرة إلى صراع الشلل، يلفت الانتباه، ويثير السؤال عن السبب، خاصة لفتية ما زالوا في سن المراهقة، وهم إلى الطفولة أقرب؟ هل لغزو الكويت وتشريد المواطنين، وما تلاها من أحداث وصراعات واحتقانات وانقسامات أي دور في هذا التحول؟ وإن كان هذا صحيحًا، فما دور الحكومات والمجتمعات في تجنب هذه الآثار المدمرة، وإنقاذ الأطفال من هذه السلوكيات غير السوية؟ كما أن للحروب خسائرها المباشرة من القتلى والجرحى والدمار، فإن لها خسائرها الأكبر من تدمير النفوس وحرفها وفقدانها الأمل. ومما يجدر ذكره، أن تسجيلات فهد نشوان تتقاطع جزئيًا مع رواية «الحارس في حقل الشوفان» للأمريكي جيروم ديفيد سالينجر، من حيث تناول أحداث مرحلة المراهقة الصاخبة والعبثية.
جناية الأجهزة الخلوية والرسوم المتحركة
يتخذ ماجد موقفًا معاديًا لأجهزة الخلوي الذكية، ويرى أن الأجهزة الحديثة ذات أثر سيئ وسلبي، يقول: «تفقدني هذه الأجهزة استقلاليتي، لا أحب طريقتها في إهدار الوقت وامتلاك الذهن. تجعل الحياة مزدحمة، وتربطنا بالآخرين على مدار اليوم، بدون فسحة لأخذ نفس. يعرف الناس فيها أحوال بعضهم أربعًا وعشرين ساعة، فتتلاشى معها حدود الخصوصية، ثم تتاح الأسرار. حياة بلا أسرار مثل قصة بلا تشويق. وهي السبب وراء ضمور الحس الإنساني في التعاطف مع مآسي الآخرين؛ أحب أن أكون معتدلًا في العزلة والاختلاط، لست قريبًا ولا بعيدًا عن الناس. أرى أننا نحتاج النقال فقط لنعرف كيف نصل للآخر، وليس لنتواصل معه، لهذا ما زلت أستعمل أجهزة نوكيا المحايدة». أعتقد أن معظمنا يتفق مع هذا الرأي، فهذه الأجهزة جعلت كلًا منا جزيرة معزولة، ومفضوحة في آن، ولكننا أصبحنا أسرى أو عبيدًا لهذه الأجهزة اللعينة. أما الرسوم المتحركة التي أدمن فهد نشوان على مشاهدتها، فقد أثرت على حياته وشكلتها، وجعلته يتمثل أبطالها ويحلم بهم، بل إن أوهام وخيالات صعود سعيد وكلبه إلى السماء وسط الأضواء، هي من تأثير الرسوم المتحركة التي سلبت لبه وخياله، وهو المراهق في نهاية المرحلة المتوسطة، فما مدى تأثيرها على الأطفال الأصغر عمرًا؟!
وبعد، فرواية «قاف قاتل سين سعيد» لم ينضب معينها، وهي بحاجة لمزيد من الدراسات والمقالات التي تغوص فيها، وما تستبطنه أكثر مما تظهره، وكاتبها الذي بدأ شاعرًا بديوانه «ديوان الأفكارـ شعر نبطي» ومجموعتيه القصصيتين «الديوانية» و«السور»، ورواياته الثلاث المنشورة التي نالت ثانيها «طعم الذئب» جائزة أفضل كتاب عربيّ في «معرض الشارقة للكتاب» عام 2017، يؤكد براعته كروائي راسخ الخطى، ويعد بالكثير الكثير ، خاصة أنه شاب ما زال بئر إبداعه مُترعًا.
٭ كاتب أردني