ثمة قضية مركزية ثابتة كَونَها تحسس الوعي البشري للتأريخ والحدث الحقيقي، وهي أنه لا يمكن فصل التصور الميتافيزيقي للزمن عن جدلية التحولات التأريخية، وهذه حقيقة معرفية رسختْها الفلسفة جيدا، غير أن (الرواية ما بعد التأريخية) أو بتعبير أدق (ما بعد الرواية التأريخية) استطاعتْ إدراكها لتجعلها جزءا من تكوينها الجمالي بنية ورؤية، لغرض تطوير أدواتها بحسب التحولات المهمة التي عُنيتْ بها سرديات المرحلة المعاصرة، ولاسيما من خلال الوعي بضرورة أفول السرديات الكبرى، ممثلة بالتأريخ، وهنا يأتي الدور المهم لفلسفة سرد ما بعد الحداثة، حيث القصدية بتأمل التأريخ وزمنه، وتحديد علاقته بالحقيقي والمتخيل وحتى المصطنع، ما يولد نمطا مغايرا، أو حتى فائقا من النتاج الأدبي، وبهذا تتحدد حقيقة الزمن ـ كما يؤكد غاستون باشلر ـ عندما يجمع أصنافا تعبيرية مختلفة ببعضها، فتنتفي بذلك القطيعة المعرفية عندما يكون الزمن ديمومة مستمرة، أي الوعي بتقديم شكل زمني منقطع كاسر لديمومته؛ ليكون حينها المتخيل الأدبي (السردي)، امتدادا لا للتأريخ وديمومته الحقيقية، بل هو امتداد لنفسه كونه هبة اللحظة الزمنية في حدس التأريخ، اللحظة التي اقتنصها وأراد واعيا أنْ ينطلق منها.
وقد أدركتْ الرواية العربية المعاصرة الزمن ونزعتْ نحوه إبداعيا بأدوات جديدة مغايرة، وغاية هذه الأدوات كسر أفق التوقع في الوعيين الجمعي والفردي معا، لكي تصطنع بنى سردية مغايرة بتنوعها وامتلاكها لحساسية جديدة مختلفة الرؤى في تقبلها للواقع، ومن أهم موضوعات ذلك الواقع، الحدث التأريخي السياسي، وتراجيديا الحدث المذاب وسط مرحلة تأريخية قلقة أيديولوجيا، كما فعل الروائي العراقي محمد الأحمد في روايته الأخيرة «دَمُهُ» 2018، التي تمثلتْ التأريخ القديم من خلال الحقبة الأموية، وهو يشير في صدر روايته إلى أهم مصادرها التأريخية التي اُعتُمِدتْ، فضلا عن إعلان براءتها من حقيقة ما حدث، كونها تقدم وهمًا عن التأريخ، فهي لا تنقله كما هو: «الإجراء الوحيد الذي يمكننا اتخاذه، بشأن الشائن من التأريخ المكتوب، هو إعادة كتابته»، فمرجعيتها تتحدد بحقبة الحجاج بن يوسف الثقفي ضمن خلافة هشام بن عبد الملك، وما شهده ذلك من مقتل أحد العلماء الأتقياء، هو الجعد بن درهم على يد والي العراق حينها خالد القسري، لكن تمثيل التأريخ في هذه الرواية يتم بأسلوبين دالين على نسختين للواقع، (النسخة الأولى) حقيقية التزم بها السارد العليم بسرد موضوعي محايد، وهي تتمثل ما حصل فعلا من خلال وظيفتي التفسير، وتقديم المعلومات، أما (النسخة الثانية) فهي معنية باصطناع التأريخ، عن طريق قلبه حاضرا بوساطة الراوي المشارك، الذي يعتمد سردا ذاتيا تذكريا بلسان الأخ الشقيق للمقتول، غاية في تحليله ومناقشته بحثا عن مركزيات السلطة العربية الإسلامية برؤية مطلة على الحدث التأريخي بوعي حاضر: «خرجَ من عنده القضاة الثلاثة مرعوبين.. كأنما إشارته لهم بالمغادرة قد أعادتهم من الحياة، خرجوا تباعا متسارعين، مرتجفي الأوصال، باضطراب بين».. « قضيتُ حياتي كلها مع المخطوطات، أو بينها أقرأ فيها قبل أن أفهرسها كأنما أعيش معها»، فما وراء السرد التأريخي، يتحقق من خلال أمور عديدة أهمها استمدادها الحدث والشخصيات، من تأريخ سياسي إسلامي معروف ومثبت في المدونات، لكنها ــ دمُه ــ أيضا لم تقفْ عند عتبة الحقيقة التأريخية، إنما عملتْ على خلق إيهام واضح وخلخلة محسوسة في ذاكرة الحكي، لتتجاوز هذه العناصر محدودية زمنها، فبدتْ عتبة نصية جمالية، تنتمي للكتابة في الزمن الحاضر، لتقلب بذلك (صيرورة) التأريخ إلى (ديمومة) اللحظة المعاصرة، وهي في حقيقتها لحظة قطع الرأس، وما دعم ذلك فنيا خرقُ ثوابت التأريخ وقلبها على خلاف سيرورتها، وقد تم هذا الخرق فعلا بتنويع تمثيل السرد ما بين موضوعي وذاتي، فكان (السارد العليم) بؤرة سردية، تلاحظ عن بعد لتنقل ما حدث فعلا، ليكمل عمله (الراوي المشارك) الذي عاصر الأحداث وشهدها عن قرب، ليكون ناقلا لما يمكن حدوثه، وهكذا بقي التأريخ ثابتا، وصار السرد متغيرا، لكن تغيره هذا مضاد للحقيقة، لأنه يعمل ميتافيزيقيا على اصطناعها دائما.
أدركتْ الرواية العربية المعاصرة الزمن ونزعتْ نحوه إبداعيا بأدوات جديدة مغايرة، وغاية هذه الأدوات كسر أفق التوقع في الوعيين الجمعي والفردي معا، لكي تصطنع بنى سردية مغايرة بتنوعها وامتلاكها لحساسية جديدة مختلفة الرؤى في تقبلها للواقع
تُذكر (عتبات التأريخ) في رواية «دَمُهُ»، كثيرا بمثيلاتها التي قدمت لغة العنف التأريخي والسياسي ـ مع اختلاف الأسلوب واللغة والرؤية طبعا ـ من الرواية العربية، وهما روايتان شهيرتان، الأولى هي «مجنون الحكم» للروائي سالم حبيش، أقول تُذكر من خلال إعادة إحياء شخصيات وأحداث تأريخية سياسية حقيقية، ذات مدلول عنيف «بادر بجرة واحدة، واضعا نصله على رقبة المعلم، وساحبا إليه النصل، تاركا الرأس تسقط دون أنْ تسقط عنه عمته، حيث بقي الجسد منتصبا متخشبا، كأنه يريد البقاء بانتصابه حتى آخر قطرة»، وفي هذا الجزء الحقيقي منها، تطغى لغة العنف وسرديات الجريمة السياسية برداء تأريخي مباشر، ليكون الجانب المتخيل فيه أو المصطنع سرديا؛ معنيا برؤية خاصة تتوضح بفكرة (تأمل تجربة الموت)، وهنا يكاد يتحسس القارئ أن هذا النمط من الموت، ليس موتا ماديا، حتى إنْ كان النص مؤكدا على فكرة الاستعارة من التأريخ السياسي الإسلامي القديم، فهو موت زمني أكثر مما هو موت مادي، فشخصية الجعد بن درهم، عاشتْ من جديد في الزمن المفترض سرديا، رغم موتها الحقيقي في التأريخ، بمعنى أن النص الروائي عوّل كثيرا على الوجود الإنساني، ضمن الزمن المتخيل، وليس ضمن الحقيقة التأريخية، كون الزمن التأريخي ديمومة مستمرة من الماضي إلى المستقبل، وتجدده يفترض بالضرورة تجدد الموت، وهنا يغدو الموت أو حادثة قتل الجعد هي بمثابة محايثة جديدة وصناعة أو إعادة تدوير وإنتاج للتأريخ، وبهذا تتمحور فكرة الاصطناع الافتراضي لحقيقة تأريخية قديمة، كون زمن الموت المنفصل عن تأريخه الحقيقي، هو زمن النص المتجلي عن اللغة التي كونته خالقة عالمه المتعالي، أما الثانية فهي ورواية «الزيني بركات» للروائي جمال الغيطاني، من خلال عدم التعامل مع المدونة التأريخية كما هي، بل العمل على خلق شخوص ومرويات جديدة طمعا في سد النقص الحاصل في الحكاية الأصلية «على ظهر حمار، أجوب المدن والقرى بحكاياتي، أحكي للأولاد والمسنين متناغما مع خطوه، أراه سئم من ذكر السيرة الطيبة التي حزها سيف ظالم، ليكون إلى جنب كل (وثيقة حقيقية)، (وثيقة متخيلة) تعمل على التشكيك بيقينيات القارئ بما يتلقاه من الحكاية، وهكذا يكون (التأريخ) ناقصَ الحقيقة، بينما تكون (الحكاية) مكتملةَ الخيال، كونها لم تعتمد ذاكرته، بل اصطنعت ذاكرة مضادة لأحداثه، ما جعلها نسخة مغايرة تماما، على الرغم من إحالاتها المرجعية، فخاصية اللحظة الزمنية فيها ـ ظاهراتيا ـ محددة بمأساة الحدث وحدسها بتأريخه المفترض عن الحقيقية، وهذا أمر دعمته بشكل واسع فكرة العودة إلى (نمط المخطوطة العربية) بوصفها بنية حكائية ما بعد حديثة، من خلال جمع ما هو شفاهي إلى جنب ما هو مكتوب، ما يفسح مجالا أكبر للسرد في تزييف حقائق التأريخ وطبيعة شخصياته، التي غدت قناعا يتلف الوجوه، فيأتي المتخيل لتجميل هذه الحقائق بقدر ممكن، يتناسب مع مقدرة النص على التلاعب بزمنه، الذي سوف يبدأ من جديد، مع زمن بدء رحلة نقل المخطوط من مكان إلى آخر، وكأنه زمن من نتاج اللحظة التأريخية للرواية، وليس اللحظة المعنية بالتأريخ الحقيقي الذي انطلقتْ منه الأحداث: «المخطوط الذي طلب منا والدنا إيصاله خفية إلى دمشق، كان عبئا ثقيلا، مثيرا لفضولنا، ولكن شقيقي اشتد فضوله أن يعرف محتوى المخطوط، لما بات الطريق آمنا وقرابة أنْ نصل إلى الشام، وجدت شقيقي أقل صبرا مني، لمعرفة مضمونه، ومجازفا بفتحه، مذيلة بهامش عليها «نسخة مصحف عثمان» وما يسمى بمصحف طشقند».
فإذا كان الروائي حقيقيا ـ كما يؤكد رينيه جيرار ـ فإن الشخصيات والأحداث تكون مزيفة، وهي مزيفة لأنها تداعب وهمنا بالاستقلال، وما الأبطال والشخصيات إلا أكاذيب رومانسية جديدة، غايتها تمديد الأحلام التي يتمسك بها العالم الحديث بيأس
وهذا ما يجعلنا قريبين جدا من واقع جديد مصطنع، عمل على موت الحقيقة التأريخية وانفصالها عن المتخيل السردي، إذ ليس للزمن من واقع إلا في اللحظة، كونه واقعا محصورا فيها ومعلقا في عدميتها، وهذا الافتراض هو ما يجعل الرواية قادرة على منحنا، الرخصة في إدراك بريء للتأريخ، برؤية مغايرة، من خلال درجة فوق أيديولوجية من الكتابة، لأننا حينها لا نستطيع إلا أنْ نشكك تماما بالحقائق، ليصير التأريخ تواريخ متخيلة ذات أحداث معينة (غاستون باشلر، برندا مارشال)، وهو ما يتحقق في أنماط الرواية ما بعد الحديثة، التي تعتمد ثيمة ما وراء التأريخ في بنيتها، فهي بذلك تجعل من الحقيقة التأريخية وهما مصطنعا، من خلال تلك (التعالقات النصية) مع التأريخ الحقيقي بوصفه نصا، إذ تعيد تقديم النص التأريخي برؤية جديدة داخل النص السردي، ما يسمح لخيالات الروائي/ خيالات النص بتكوين رؤية حاضرة مضادة لتلك القديمة، مدعومة بيومياته ووعيه ورؤيته الخاصة للعالم، فيختفي بذلك تمثيل التأريخ ؛ ليحل بدله اصطناع المتخيل عنه بانتقال الحدث من دلالة التأريخ إلى مدلوله الثقافي المغاير بتناسبه المعرفي مع تحولات حاضر الكتابة، كما فعل الأحمد في هذه الرواية عندما قلب تأريخا سياسيا تراجيديا، ممثلا بحادثة القتل من عصرها الأموي، ومحاولة إعادة إنتاجها، بما يناسب تحولات مجتمعه السياسية والثقافية في العصر الحاضر، وهو ما فعله روائيون آخرون أيضا، مثل بهاء طاهر في رواية «واحة الغروب»، عندما جمع بين تأريخ مصر القديمة، ممثلة بالمعبد الذي يرمز للإسكندر الأكبر، وتأريخ مصر السياسي في العصر الحديث، وقت اجتياح القوات البريطانية لمدينة الإسكندرية، ليكون المكان/ واحة سيوة بؤرة لقلب التأريخ واستعادة الماضي في الحاضر، رغبة في تحقيق مستقبل لم يقع بعد، وربيع جابر في رواية «بيروت مدينة العالم»، الذي عمد للتلاعب بمرويات مدينة بيروت التأريخية، بما فيها من أحداث وشخصيات وأماكن، لتتداخل الحقيقة بالمتخيل، طمعا في التعبير عن حاضر رمزي، الأمر الذي سيطر على رواية شاكر نوري الأخيرة «خاتون بغداد»، عندما بث الحياة في شخصيات شكلت تأريخ العراق الحديث، بحسب رؤية معاصرة تتسلل لما وراء التاريخ الحقيقي لسياسة الغرب في منطقة شرق المتوسط.
فإذا كان الروائي حقيقيا ـ كما يؤكد رينيه جيرار ـ فإن الشخصيات والأحداث تكون مزيفة، وهي مزيفة لأنها تداعب وهمنا بالاستقلال، وما الأبطال والشخصيات إلا أكاذيب رومانسية جديدة، غايتها تمديد الأحلام التي يتمسك بها العالم الحديث بيأس، ولعل هذا ما جعل من (صورة الحمار)، التي استدعاها الراوي/البطل في رواية «دمُه»، من موروث التأريخ العربي بوصفها تنويعا ساخرا، كما تجسد من قبلُ في شخصية (جحا) ورمزيته المعارضة للسياسة، بتكراره جملة (بقيت محدثا حماري)، أقول: ما جعلها مدلولا على الكذب الرومانسي للتأريخ وغبائه في اصطناع وهم السلطة وزيف واقعها أمام الحقيقة السردية للرواية، ما يؤكد الطابع الميتافيزيقي للحظة الكتابة وزمنها، كونها تؤول الماضي بحاضر مختلف، لإيجاد طريقة تقلب بها التأريخ إلى صورة زائفة، يتحقق اصطناعها في مستقبل مجهول، وفي ذلك خرق لديمومة لحظة السرد في الماضي، غاية بالانتقال إلى سيرورة الزمن، نحو نبوءة المستقبل، وهذا حتما يتطلب تحولا مغايرا، في تخيل الأحداث واصطناع ذاكرتها.
٭ ناقد وأكاديمي عراقي