يكاد العالم هذه الأيّام يختزل الصين في فيروس كورونا، أو كأنْ لا حديث إلاّ عن هذا الفيروس الذي باغت الجميع، من حيث لا يدرون. وبعض مسؤولي المنظّمة العالميّة للصحّة يقول إنّ ما نراه حتّى الآن قد لا يكون سوى رأس الجبل الجليدي. ونقرأ أنّ مصدره سوق للحيوانات البريّة في مدينة ووهان، والحيوان كان ولا يزال صديق الإنسان. ويوم نكتشف لغزه، نكتشف سرّ الحياة ولغز الموت؛ وهو الذي يعيش في الكون كالماء في الماء، مقيّدا إلى ظلّه.
في رواية “البديل” لاليا كازان ورحلة البطل إلى شرق إفريقيا، نقف على عادات الوحوش في الغابة حيث نرى كيف تلتهم الذئاب الجائعة حمارا وحشيّا أوقعه حظه العاثر في أحابيلها؛ وكأنّه يذهب إلى حتفه بمحض إرادته، فيما يظلّ قطيعه من حمير الوحش يرعى العشب غير آبه ولا مبال. ويدور هذا الحوار بين السائح والدليل: “ـ قل لي هل تحسّ الحيوانات كما نحسّ؟ ـــ نعم، إنّ لها مشاعرنا نفسها؛ الخوف والجوع، والنزعة الجنسيّة والتنازع على البقاء، والانفعال ـــ وهل تقع في الإثم؟ ــــ لا ليس الإثم؛ فلو أحسّ الحمار الوحشي بأنّه أذنب أو ارتكب إساءة كلّما وقع أحد أفراد قطيعه في براثن الضواري، لانكشف وتنحّى؛ واستحالت الحياة…”.
ويكاد هذا المشهد يكون صورة من “لامبالاتنا” نحن البشر حيث نرى الحروب القذرة، وهل ثمّة حرب غير قذرة؛ وهي تلتهم ضحاياها وهم على قيد الحياة، تماما كما يفعل الأسد وهو ينشب مخالبه في عنق الضحيّة، ويشدّ عليه دقائق معدودة حتى يسلم الروح؛ في نوع من “القتل البطيء”؛ ثمّ يشرع في وجبته. ومع ذلك فالحيوان يظلّ “أقلّ سكّان هذا العالم ضراوة” كما جاء في الرواية.
على أنّه يحسن أن لا تنسينا هذه المآسي والمحن وآخرها فيروس كورونا، أنّ الصين قارّة تحفل بكلّ جميل: جمال الطبيعة وجمال الفنّ. وفي هذا المقال أصحبكم إلى عالم الشاعر والخطّاط والروائي الصيني فرنسوا شانغ (1929) واسمه الأصلي قبل أن يحصل على الجنسيّة الفرنسيّة عام 1971 هو شانغ باويي. يذكّرنا هذا الصيني وهو غير مترجم إلى العربيّة، في حدود علمي ما عدا محاضرة للأستاذة مادلين برتو ألقتها علينا في بيت الحكمة في تونس، بعنوان “هل يقدر الجمال على إنقاذ العالم” تأمّلات فرنسوا شانغ”، وعرّبها صديقنا مختار العبيدي؛ بأنّ على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة، بعبارة محمود درويش المأثورة. وهو يرى أنّ الجمال وإن كان لا يزال لغزا، وسيظلّ، هو مناط خلاص العالم. وإخاله يستحضر في هذا عبارة مشكين في رواية “الأبله”:” لينقذنّ الجمالُ العالم”. وهي العبارة ذاتها التي تخيّرها برنار برو لكتابه ” سيخلّص الجمال العالم” 1990، وكذلك جيوفاني دوتولي في ” الجمال أو خلاص العالم”.
والشعر عند شانغ وهو مستودع الجمال، ينزع إلى اكتشاف سرّ الكون، والوقوف على مصير البشر؛ وهو الذي يتيح لنا أن نعرف وأن نكون. وفي هذا السياق يوائم شانغ بين الثقافتين الشرقيّة [الطاويّة] والغربيّة، على طرف النقيض تماما من كبلينغ الذي يرى أنّ “الشرق هو الشرق والغرب هو الغرب، ولن يفهم أحدهما الآخر أبدا”. وهو يوضّح ذلك في كتابه “خمسة تأمّلات في الجمال” ويتمثّل بمحيي الدين بن عربي وبجلال الدين الرومي. على أنّه يبدأ بالمعيش ليتدرّج منه إلى الروحاني، والمعيش بيئته الصينيّة الأولى؛ وهو في الثامنة من عمره، يتملّى الجمال الماثل في جبل “لو” الذي ألهم فنّاني الصين. ثمّ ينقلنا إلى جمال جسد المرأة، في لوحة “المستحمّات” لأوغست رينوار؛ وقد حملتها إليه من متحف اللوفر، خالة له مولعة بالسفر. ثمّ يحدّثنا عن “مذابح ننكان” والحرب الصينيّة اليابانيّة عام 1937/ 1945، حيث اكتشف نفسه شاعرا؛ وهو يصرّ على هذه الصفة. ويقول بأنّ الجمال والشرّ، وليس الخير والشرّ، أو الجمال والقبح؛ هما “طرفا الكون الحيّ” حيث المسلك أو الطريق كما في الطاويّة، أي “الموت دون الزوال هو الحياة الأبديّة”. وفي هذه الطريق يتوحّد الإنسان والشجرة والأرض: “صخرة تدفع شجرة/ شجرة تلفظ صخرة/ دائرة قائمة ترتق الأرض والسماء/ سماء طلقة تجدّد السرّ بوجوهه الثلاثة/ وفي الظلّ الممدود هنا/ يقيم الإنسان الرحّالة، أخيرا مملكته.”
يقول شانغ إنّنا عندما نفكّر مليّا، نبلغ الكونيّ في طريق لا تفضي إلى أيّ مكان. ويقول إنّ لكلّ كلمة إيقاعا يثير صورة. وذاك هو إطراب الشعر، وكلّ ما يذكّرنا بنفخة الحياة، وبأنّ الجمال هو هبة الكون العجيبة المجانية، و”مادام هناك شفق يعلن تباشير الصباح، وطائر ينتفش مغرّدا وزهرة تفوح؛ سنبقى طويلا على هذه الأرض…”. بل إنّ البشر كلّهم يشاركون في إيقاع العالم “حيث تنبض قلوبهم، وتجري دماؤهم”، و”النساء بحكم العادة الشهريّة وفترة الحمل، مخلوقات من إيقاع أكثر من غيرهنّ”. والموناليزا عنده وهي ترسم ابتسامتها دون كبر وبل إغراء “تقدّم كلّ وعود جمال الكائن البشري” حيث “الخير المطلق ممكن، والاستحالة وفقدان الأمل ليسا المخرج الذي يجعله الإنسان لنفسه”. وثمّة دائما جمال يعمر حتى الأجسام المشوّهة، ويشعّ حتى في الوجوه القبيحة؛ لكن دون أن يسير جنبا إلى جنب مع الشرّ: “ينبعث جمال النظر من نور منبثق من أعماق الكائن، فلتكن لنا الشجاعة لنقول إنّه إذا كان كلّ وجه كراهيّة دميما؛ ففي المقابل يكون كلّ وجه بطيبته جميلا”.
ومع ذلك تبقى الأسئلة قائمة: ما الجمال؟ ما الجميل؟ أهو شيء يمكن أن نحدّه عقليّا أو منطقيّا، أم هو أمر نحتكم فيه إلى تقدير ذاتي؟ سؤال أبديّ تتفرّع عنه أسئلة شتّى تستوقفنا في كلّ الدراسات التي تعالج هذا الموضوع، ولا أحد يستطيع أن يقطع فيها برأي.
وللقارئ أن يعود إلى مصنّف أمبرتو ايكو وجيرولامو دو ميشال “تاريخ الجمال” وهو أشبه بدائرة معارف واسعة لامست هذا الموضوع، واستوفته من مختلف أطرافه، فقد تعقّبا تاريخ الجمال/ الجميل في عصور مختلفة وأزمنة متفاوتة، ابتداء من اليونان، فالقرون الوسطى وما تلاها؛ واستطاعا وهما اللذان اقترن لديهما الاستقراء التاريخي بالعقل الفلسفي والفنّي اليقظ وقوّة الوصف والتّمثيل، أن يجلوا عصورا غابرة من تاريخ الجمال، ما اكتنّ منها وخفي، وأن يبتعثاها من ماضيها الدّفين، ليسلكا طريقها الطويلة المعقّدة إلى لباب الجمال في الأزمنة الحديثة. هل المعايير هي ذاتها أم هل هي متغيّرة متحوّلة؟ هل هي موضوعيّة؟ أسئلة يظلّ أكثرها عالقا، لأسباب قد يكون من أبرزها أنّ دراسة الجميل مهما تكن مهارة الباحث، قد لا تستقيم إلاّ إذا تنكّبت الطريق، وانحرفت إلى القبيح؛ لكن دون أن تزيغ عن الموضوعيّة وتنسيب الحكم.
على أنّ ما يحسن أخذه بالحسبان أنّ تاريخ الجمال ليس تاريخ الفنّ، ونحن عادة ما نخلط بينهما. والنعت “جميل” يتّسع لأشياء لا رابط بينها، وقد لا تصلها بالجمال أيّة علاقة؛ على نحو ما نلاحظ في “الغاسترونوميا” أي الذواقة أو فنّ حسن الأكل، وما هو حسن أو مليح أو صبوح أو وسيم أو لطيف أو ريّق… قد لا يكون جميلا ضرورة. وفي الفرنسيّة مثلا فإنّ عبارة التعجّب “يا للمهزلة!” أو “إنّها لكارثة”، أو هيئة الكلب عندما يقف على قائمتيه الخلفيّتين؛ ممّا يستخدم فيها النعت “جميل” وما إلى ذلك من عبارات أخرى، تنحرف بهذا النعت عن مدلوله الشائع.
للجميل مفاهيم مختلفة باختلاف العصور والمجتمعات. وكان الإغريق مثل العرب يحصرون الجمال في التناسب. وهذا حدّ ناقص أو هو غير كاف، في ثقافتنا اليوم وهي التي تتميّز بتعدّد النماذج والأمثلة؛ وكأنّها صورة من “تعدّد الآلهة”. فالجميل ليس هو “الموديل” الذي يمثل أمام الرسّام أو النحّات، ليرسم ملامحه، وإنّما هو الموديل المتعدّد؛ حتى لكأنّنا اليوم نعيش “ديمقراطيّة جماليّة” أو نحن في متجر للجمال، وكلّ يقتني ما يروق له؛ وهو أشبه بما جاء في الحديث النبوي الذي رواه الترمذي، نقلا عن علي بن أبي طالب: “إنّ في الجنّة سوقا ما فيها بيع ولا شراء إلا الصور من الرجال والنساء، فإذا اشتهى الرجل صورة دخل فيها”. وصناعة التجميل ومتعلّقاتها من المستحضرات والمساحيق، جعلت الجميل أشبه بحجر الفلاسفة الذي كان القدامى يزعمون أنّه يحوّل المعادن الخسيسة إلى ذهب، أو الإكسير الذي يطيل الحياة إلى ما لا نهاية له. لنقل دون شطط إنّ الجميل مجار للعصر، أو نحن اليوم أسرع في تبديل جديد أو حديث أجدّ بقديم؛ أو أنّ ما كان وفق العادة الجارية، لم يعد مطابقا لذوق العصر. وهذا ما يجعل “ديمقراطيّة الجمال” صورة من نظام قامع يبتزّنا على نحو ما “تبتزّنا” صفقات العصر وحروبه وفيروساته.
* كاتب تونسي