كامو والجزائر: سيزيف أم الاستيطان؟

حجم الخط
9

مرّت قبل أيام الذكرى الستون لرحيل الفيلسوف والأديب الفرنسي ألبير كامو (1913 ــ 1960)، الذي قضى في حادث سير عبّر عن قسط كبير من فلسفة العبث ذاتها التي بشّر بها وتناولها في أعماله الأدبية والفلسفية، وفي كتاباته الصحافية وسجالاته الفكرية المختلفة. وكان أمراً طبيعياً أن يُستعاد، في فرنسا خاصة وعلى نطاق عالمي أيضاً، من خلال محاور شتى طبعت شخصيته وحضوره؛ أبرزها ثلاثة، في يقيني الشخصي: الروائي والقاصّ، الذي كتب من قلب الجزائر حيث ولد؛ والصحافي السياسي، الذي قادته كتاباته إلى فرنسا ومقاومة الاحتلال النازي ونظام فيشي؛ والمفــــــكّر/ الفيلسوف، الذي ســوف يختلف مع جان ــ بول سارتر، ليس حول الوجود والعدم والعبث فحسب، بل كذلك حول الشيوعية والستالينية والاستعمار.
ولأنّ كامو يتمتع أيضاً بمكانة عالمية راسخة (في الذكرى المئوية لولادته احتفى به موقع «غوغل» عن طريق رسم يصوّر أسطورة سيزيف، في تكريم لمقالة كامو الشهيرة التي تناولت دائرة العبث السيزيفية)؛ فقد صدرت في استذكاره سلسلة أعمال بلغات أخرى غير الفرنسية، وبالإنكليزية على وجه التحدد. أشير، هنا، إلى كتاب ميغان إمري، أستاذة الدراسات الفرنسية في جامعة فيرمونت، الأمريكية، الذي صدر قبل أيام بعنوان «إعادة سرد الحرب الجزائرية: عن تمرّد كامو ومصالحة ما بعد الحرب»؛ ولا يتقصد التنقيب، أو بالأحرى: إعادة النبش، في سيرة كامو بحثاً عن جديد (بات نادراً في الواقع، بعد عشرات الأعمال في هذا المضمار). الغرض المركزي في الكتاب هو تلمّس حضور الرجل في المشهد الجزائري، وربما المغاربي عموماً، على صعد راهنة مختلفة؛ ولهذا تخصص إمري فصلاً لكلّ من الأعمال التاليـــــة: رواية كامــــل داود «مورســـو: تحقيق مضاد»، 2014؛ رواية ليلى صبار «كان نهر السين أحمر: باريس، أكتوبر/تشرين الأول 1961»، 1999؛ فيلم رشيد بوشارب «خارج عن القانون»، 2010؛ ورواية زهية رحماني «Moze»، 2003.

من الصحيح اعتبار عمل كامو منضوياً، تاريخياً، في المشروع الاستعماري الفرنسي، من جانب أوّل؛ ومناهضاً لمشروع استقلال الجزائر عن «فرنسا الأم»، من جانب ثانٍ

إلى هذا كان الروائي والمسرحي الجزائري كاتب ياسين قد عبّر عن موقف نقدي صارم إزاء كامو، على خلفية أولى سياسية وفكرية وأخلاقية تخصّ مواقفه من استقلال الجزائر وحرب التحرير ومسائل العنف والهوية والمواطنة؛ وخلفية أخرى أدبية، كانت رواية «الغريب» مثالها الأهمّ، إذْ اعتبر ياسين أنّ أهل البلد الجزائريين لا وجود لهم عملياً في الرواية، وقارنها مع رواية وليم فوكنر «ضوء في آب»، 1932، حيث لاحظ ثراء استعادة الأخير للثقافة السوداء والكلام العامي. وفي سنة 1957، ورداً على تصريحات كامو المنحازة إلى فرنسيي الجزائر على حساب الجزائريين أهل البلد، كتب ياسين إلى كامو رسالة قصيرة جاء في مطلعها: «منفيّان من نفس المملكة، ها نحن مثل شقيقَين عدوّيَن، متورطَين في كبرياء التخلّي عن الحيازة، بعد أن رفضنا بإباء إرثاً لا نريد اقتسامه. ولكن ها أنّ ذلك الإرث الجميل يصبح المكان المسكون الذي فيه يجري القتل حتى ظلال الأسرة أو القبيلة»
وكان إدوارد سعيد، في دراسة فذّة بعنوان «السردية، الجغرافيا، والتأويل»، تعود إلى سنة 1989، قد تعمّق في قراءة خلفيات شَرْعَنة الاستعمار الفرنسي للجزائر في عدد من أبرز أعمال كامو، بينها «الغريب» و«الطاعون» بالطبع، وعدد من القصص القصيرة. ورأى سعيد أنّ «القراءة التصحيحية» تستلزم النظر إلى تلك الكتابات بوصفها مساهمات في تاريخ الجهود الفرنسية للبقاء في الجزائر، وبالتالي رفض فكرة استقلال البلد رفضاً قاطعاً، تماماً كما فعل كامو في الواقع. وبهذا فإنّ من الصحيح اعتبار عمله منضوياً، تاريخياً، في المشروع الاستعماري الفرنسي، من جانب أوّل؛ ومناهضاً لمشروع استقلال الجزائر عن «فرنسا الأم»، من جانب ثانٍ.
هذا لا يعني الترخيص بإصدار أحكام مسبقة على القيمة الفنّية لتلك الأعمال، كما لا يلغي تثمين الجانب الآخر في كتابات كامو التي تمجّد المقاومة الفرنسية ضدّ الاحتلال النازي، فالوجهان عند سعيد معادلة جدلية توفّرت لدى العديد من الكتّاب في الآداب الغربية التي اقترنت بصعود الإمبراطورية والأحقاب الاستعمارية. فلتكنْ، يطالب سعيد، كتابات كامو عن الجزائر «عنصراً في الجغرافيا السياسية الفرنسية عن الجزائر، والتي تمّت صياغتها على نحو منهجي استغرق أكثر من جيل، وذلك لكي نحسّن قدرتنا على النظر إلى أعماله بوصفها مصدراً لسرد مكثف أخاذ عن ذلك التصارع السياسي والتأويلي، الذي استهدف تمثيل واستيطان وامتلاك الأرض ذاتها».
وأمّا خارج النصّ الأدبي، فإنّ كامو كان واضحاً تماماً في رفض فكرة الجزائر المستقلة، كما في هذه الفقرة من «وقائع جزائرية»: «في ما يتعلق بالجزائر، فكرة الاستقلال الوطني ليست سوى صيغة تحرّكها العاطفة وحدها. لم تكن هناك أمّة جزائرية حتى الآن. واليهود والأتراك واليونانيون والإيطاليون والبربر سوف يحقّ لهم أيضاً أن يزعموا قيادة هذه الأمّة الافتراضية. وفي الوضع الراهن، ليس العرب هم وحدهم الذين يشكّلون الجزائر. إنّ حجم ومقدار الاستيطان الفرنسي، بصفة خاصة، يكفيان لخلق مشكلة لا تُقارَن بسواها في التاريخ. وفرنسيو الجزائر أبناء بلد أصلاء بدورهم، وبالمعنى الأقوى للكلمة. فضلاً عن هذا، فإنّ جزائر عربية خالصة لا يمكن لها أن تنجز الاستقلال الاقتصادي، الذي من دونه يكون الاستقلال السياسي محض وهم».
فما الذي قاله التاريخ، بعد 63 سنة أعقبت هذه الرؤية: سيزيفية، أم استيطانية؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية