عيني عليك يا مَاءُ!

الماءُ، سائل لا لون له ولا رائحة، لكنّه أصل لكلّ ألوان الزهور وروائحها. الماء الذي جعل الله منه كلّ شيء حيّا يصبح رمزا بسهولة وبلا ميعاد. يصبح رمزا في استعارات الناس الكثيرة ويصبح رمزا في عباداتهم ورمزا في معاملاتهم اليومية.
حين تجفّ عيون السّماء تجفّ عيون الأرض. هذه استعارة كبيرة من الاستعارات التي تصنعها صورة الماء، هي استعارة نظاميّة تربط الماء بالنبع. النبع الذي هو خروج الماء من جوف الأرض، لا يستقيم بلا استعارة للعين. لا يمكن أن تدرك نبع العين وأنت خالي الذهن من شبهها بعينيك الدامعتين. كل ما في النبع يوحي بصورة العين ويذكّر البشر بتجاربهم مع البكاء.
نبع العين دَفَقٌ ذو غزارة كدفق العين الباكية ومرفولوجيّته أيضا دائريّة غير صادقة الاستدارة كعين البشر، ماءُ العين الباكية مالحٌ، وقد يكون ماء العين الدافقة كذلك، لكنّه في الأصل ماءٌ فراتٌ يستسيغه الشاربون. إلى حدّ الآن تعمل الاستعارة عملا في اتجاه واحد من الجسد (أي من العين المبصرة) باتجاه النبع الدافق؛ لكنّ الاستعارة يمكن أن تعمل في اتّجاه منعكس: سيصبح الدمع ماءً أيضا وسيصبح البكاء دفقا وانهمارا، وسيصبح الباكي أي الشخص سماء تسحّ بمائها وستصبح المآقي روافد للعيون أو مجاري لها. تعمل الاستعارة عملا مطردا ومنعكسا وليس عملا من اتجاه واحد. وهذا يسهل إدراكه، يفهم في بيت أحمد شوقي وهو يصف زحلة، جارة الوادي، بعيونها ومياهها الدافقة فيقول:
(ضحكت إليّ وجوهها وعيونها* ووجدت في أنفاسها ريّاك)

فالعيون المقصودة هي عيون الماء، تضحك كضحك العيون البشريّة التي هي أصل، وتلك الأولى فرع أو مشبّه. يمكن أن يعمل التشبيه في الاتجاه المعاكس فتصبح العين/ النبع أصلا مشبّها به، والعين العضو المبصر المشبّه. استعملت الدلالة العرفانيّةCognitive Semantics ألفاظا جديدة تدلّ على هذا التفاعل هي التي سنستعرضها في هذا السياق.
اللفظ الأوّل يسمّى في الاستعارة التصورية بلفظ Mapping ونحن نترجمه لسبب في أنفسنا، نكشف لاحقا بلفظ مركب هو الترسيم التطابقي. في الاستعارة العرفانية لا حديث عن مشبّه أو مشبّه به، بل عن ميدان مصدر وميدان هدف. الميدان التصوّري هو تمثيل لأيّ جزء متناسق من تجربتنا، فالحبّ مثلا والكره والحرب والبكاء، هي جميعا ميادين تصوّرية بهذا المعنى. حين نفهم ميدانا تصوّريّا بواسطة ميدان آخر كأن نفهم البكاء بواسطة الإمطار، أو العكس فذلك يُسَمّى استعارة تصوّريّة. ويسمّى الميدان الذي منه نرسم عباراتنا الاستعاريّة الميدان المصدر Source Domain، ويسمّى الميدان الذي نحاول فهمه بواسطة عناصر الميدان المصدر الميدان الهدف Target Domain. توجد بين الميدانين علاقة يُسميّها لايكوف وجنسن Mapping. لا تحدث الاستعارة إلاّ بوجود ضرب من التطابقات بين الميدانين المصدر والهدف؛ فعلى سبيل المثال فإنّ في استعارة (الماء دمع) أو (النبع عين) كالتي نجدها في بيت شوقي أعلاه، يوجد ضرب من علاقات التطابق بين ميداني التجربة، يجعلنا نفهم جريان عيون الماء بمفردات جريان الدموع من العين أو نفهم ضحك منابع الماء كضحك عيون البشر. هذا التطابق سيجعلنا نزاوج اثنين اثنين بين العناصر التالية (العين المبصرة تبكي دمعا = العين النبع يسيل ماء؛ العين المبصرة تنطلق أساريرها فنفهم أنّها تضحك لنا = العين الجارية تنساب مياهها فنفهم أنّها محتفية بنا).

نبع العين دَفَقٌ ذو غزارة كدفق العين الباكية ومرفولوجيّته أيضا دائريّة غير صادقة الاستدارة كعين البشر، ماءُ العين الباكية مالحٌ، وقد يكون ماء العين الدافقة كذلك، لكنّه في الأصل ماءٌ فراتٌ يستسيغه الشاربون.

أخذ لفظ Mapping من الرياضيات ويعني فيها بشكل مبسّط علاقة بين عناصر مجموعتين (ء) و (ب) حيث يجد كلّ عنصر في المجموعة (ء) ما يطابقة أو يناظره في المجموعة (ب). وهذا يصدق على الميدانين المصدر والهدف في الاستعارة بأن نبحث (كي نفهم الاستعارة)، لكلّ عنصر من الميدان الهدف عن نظيره الذي يشرحه في الميدان المصدر، أو قل أن نسقط كلّ عنصر من الميدان المصدر على عنصر من الميدان الهدف، بذلك نفهم كثيرا من الاستعارات الأساسيّة من نوع (الماء دمع) أو (المطر بكاء) هذا في اتجاه تكون فيه تجربة البكاء هي التجربة المصدر، وجريان الماء التجربة الهدف. ويمكن قلب ذلك بأن نفهم تجربة البكاء في ضوء تجربة نزول المطر، وتدفق منابع الماء وانفجار العيون وفيضان الأودية، وهذا أيضا رائج في الأشعار. المهمّ أنّ هذا الضرب من التفاعل بين الميدانين يكون جيئة وذهابا، وأنّ فهم تجربة يكون بإسقاط عناصرها على عناصر تجربة أخرى، ممّا يمكن أن تفيد به مصطلحات إسقاط وترسيم تطابقي.
المصطلح الثاني هو مصطلح المزيج Blending . اشتغلGilles Faucaunnier &Mark Turner في تحليلهما للاستعارة على مفهوم الفضاء Space ، بدلا من مفهوم الميدان التصوّري. اللغة الطبيعية في هذا المساق الفكري هي عمليّة بناء للمشاهد والسيناريوهات بناء آنيّا أو مباشرا، يكون عندما نتكلم أو عندما نفكّر، وفي هذا الإطار يكون الفضاء الذّهني ميادين نبني فيها عناصر من تجربة واحدة، أو عن شخص واحد. وما أفكارنا في الحقيقة إلا بناء لفضاءات ذهنية وربط بينها. بالرجوع إلى قول شوقي (ضحكت إليّ عيونها) فإنّ فهم هذا المشهد، الذي بناه أحمد شوقي آنيّا وهو يصف مجاري العيون في نهر بَردَى يتضمّن بناء فضاء ذهنيّ يمكن أن نحيل عليه على وجود شيء يسيل من الماء، وبدلا من أن يجري هو يضحك لمن يراه. الحقّ أنّ ذلك يقتضي بناء فضاءين ذهنيّين: فضاء ذهنيّ فيه نهرٌ جارٍ أو نبع سائل ولنسمّه الفضاء الذهني الواقعي؛ وفضاء ذهني ثان، نبنيه بمشهد عين لامرأة تضحك. وما نصنعه هو أنّنا نمزج بين عناصر الصورتين: لنحصل بعد المزج لا على عين ماء جارية مستقلّة عن عين المرأة الضاحكة، بل نحصل على مزيج استعاريّ تكون فيه عين الماء لا هي عين أنثى ولا عين ماء، بل تكون مزيجا من ذينك؛ ويكون فيه سيلان الماء لا جريانا ولا بكاء، بل هو مزيج من ذلك؛ وتكون الطبيعة فيه لا طبيعة ولا امرأة، بل مزيجا من كل ذلك.
المزج بين العناصر، الذي تسمّى لأجله هذه الاستعارة باستعارة المزيج، ليس شأنا مقتصرا على الاستعارات، بل هو شأن متعلّق بعمل اللغة والإدراك معا. إنّ المزج قدرة ذهنيّة تجعلك ترى عين الماء كعين المرأة، تضحك لك ولا تضحك لغيرك، تراها أنت ويمكن أن تُريها ببناء المشهد بناء استعاريّا باللغة. إنّ في اللغة قابليّة للدمج لا يسمح بها الواقع. فالمزيج يوفّر قدرة خارقة من قدرات البشر على التصويريّة: أن تمزج بين صورتين من المستحيل المزج بينهما واقعا. في هذا المزيج يفرّط كل عنصر من العناصر المتمازجة في شيء من سماته التمييزيّة التي كان علماء الدلالة الكلاسيكيون يلهثون وراء إيجادها، سعيا إلى ضبط ما يسمى بالشروط الضروريّة والكافية. في المزيج يجري العمل عكسيّا: البحث عن انحلال ما لا ينحلّ واقعا لبناء تصوّر ذهني فريد.

٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية