القصة النسوية والقرابة المتخيلة في قصة «اليد» لبثينة الناصري

■ مما توصف به القصة القصيرة أنها كتابة خطيرة تحول الحياة، على اتساعها، وتفرعها إلى لمحة سردية، وقد اختصرتها فنياً في شريحة مجتمعية مكتنزة، اختصاراً يغدو بموجبه المتخيل واقعياً. وتحتم ميكانيزمية الاختزال في القصة القصيرة، أن يكون انتماء الشخصية لشريحة اجتماعية بشرية ما، انتماء يجسد أحوالها أو يعكسه.
وإذا كانت الشخصية في القصة القصيرة بالأساس مركزية، فإن الشريحة التي تنتمي لها عادة ما تكون في منظور العالم الخارجي هامشية، تعيش على أطراف المجتمع، مسحوقة ومنبوذة ومعزولة. بيد أنها في داخل طبقتها مترابطة بوشائج قرابة تخييلية، تتواءم بسببها الشخصية مع شريحتها التي تنتمي إليها وتمثلها.
ومؤدى هذا التواشج التخييلي انتساب حياتي، يجعل الشخصية في ممارساتها ودقائق سلوكها وعلاقاتها صورة معكوسة لأفراد الشريحة كلها، وهي وإن كانت طرفية في صلتها الخارجية بالعالم، فإنها مركزية بانتسابها الداخلي إلى أعضاء الجماعة منشدة لها انشدادا خاصا. ولا شيء يمنح الشخصية مركزيتها مثل القرابة المتخيلة، التي بها تتوشج صلة الأفراد المهمشين بعضهم مع بعض. وهو ما يساعد سرديا في عملية اختزال لحظات حياتية، تصور واقع الشخصية الهامشي وقد جمعت السرعة بالعمق والتفصيل بالاختزال.
وللقرابة المتخيلة أشكال سردية بها تستطيع الشخصية أن تؤدي دورها كممثلة لجماعتها البشرية التي تتقارب معها تخييليا، ضمن نظام اجتماعي منتهاه التبني، الذي هو شكل من أشكال القرابة المتخيلة، الذي بموجبه تحظى الجماعة بالمركزية، بينما يحظى الفرد بالانتساب. ويكون لأحد أفرادها حق قيادتها روحيا وبقرابة متخيلة، تقوم على أساس التجهيل mystification أو التقديس كعملية إنثروبولوجية، بها يهيمن الفرد على جماعته هيمنة تجعلها تملك مركزيتها متواشجة معه. وقد عرف شعرنا العربي هذا الشكل من القرابة المتخيلة في القصيدة القصصية، مما شاع عند الشعراء الصعاليك الذين اتخذوا من هامشية شريحتهم الاجتماعية طريقا يحقق لهم الترابط الجماعي والتواشج القرابي. وهذه الميكانيزمية في التواشج بين هامشية شخصيات القص، بالنسبة للمجتمع، ومركزيتها بالنسبة لبعضها بعضا، هو الذي يعطي الشخصية سمات القرابة المتخيلة، مواءمةً وتوازناً ويحقق أيضا مقتضيات التكثيف للأحداث والحوارات والأوصاف والشخصيات.
وبالتبني الذي فيه تتمركز الجماعة المهمشة، تكمن خطورة القصة القصيرة، حتى صارت فنا مثل سائر الفنون الأخرى، التي هي أرسخ منها تاريخا وأوسع إبداعا وتمكنت في غضون قرن أو أقل، أن تفرض حضورها جنسا سرديا لا يقل شأنا عن أجناس عريقة كالرواية والسيرة والحكاية والقصيدة الشعرية، بل صارت تنافسها مستقبلها أيضا.
والتبني كقرابة متخيلة ليس واحداً في القصة القصيرة، وإنما هو يتلون بتلون الجماعات الهامشية، ودرجة شعورها بالدونية والانعزال عن العالم الخارجي، ومدى قدرتها على استعادة ثقتها في داخل عالمها الاجتماعي الداخلي الخاص.
وواحدة من الجماعات الهامشية التي ينطبق عليها التبني بالقرابة المتخيلة، هي النسوية التي تنعزل واقعيا عمن يختلف عنها، لكنها تتآخى تخييليا في ما بينها، وبما يجعل قيادة هذه الجماعة موكلة إلى واحدة هي عادة الأكبر عمرا، والأوسع خبرة، فتتبنى أفراد جماعتها بمركزية أمومية محققة قوة إنتاجية، وموفرة الاستقرار والاستقلالية، مستغنية عن الرجل ومؤدية دوره. وهو ما يعطي للكتلة النسوية حضورا واستقلالا، محولا هامشية الفرد وعزلته إلى قرابة متخيلة جماعية.
والقصة القصيرة تغدو نسوية، سواء كان كاتبها رجلا أو امرأة، حين تكون المرأة هي المتبنية لكتلتها النسوية، متخذة من القرابة طريقا توصلها إلى مركزة الأنوثة. ولا يكون التبني إلا إذا كان التقارب التخييلي مبنيا جندريا على تهميش الذكورية والانتساب للنسوية، الذي به تستعيد النسوية تاريخا غابرا كانت فيه هي الباعث الروحي على القوة الاقتصادية، ومركز العبادة والتقديس في طفولة المجتمعات البشرية الأولى. وكل ما عداها هو تابع لها، ومستهلك لإنتاجيتها، التي منها تشكلت بذرة الدولة، ونمت الحضارة ودشنت الدساتير التي كانت فيها للأنثى سلطة ومركزية.
ومن تبعات التبني للقرابة المتخيلة في القصة القصيرة، التلاحم الروحي الذي به تمتلك الكتلة مؤهلات الانتساب الجندري إلى الأمومة، متقاربة معها تخييليا بالتبني الذي به تصبح للجسد سطوة روحية وقوة اجتماعية، تشد أواصر المجموعة النسوية وتجعلها ذات قوة إنتاجية. وهو ما جسدته قصة «اليد» للكاتبة العراقية بثينة الناصري، والقصة منشورة في العدد الثامن من مجلة «الأقلام» عام 1972.

لا شيء يمنح الشخصية مركزيتها مثل القرابة المتخيلة، التي بها تتوشج صلة الأفراد المهمشين بعضهم مع بعض. وهو ما يساعد سرديا في عملية اختزال لحظات حياتية، تصور واقع الشخصية الهامشي وقد جمعت السرعة بالعمق والتفصيل بالاختزال.

وفيها الشخصيات النسوية (زكية/ نعيمة / علية/ ساجدة /سمر) هن الفواعل السردية اللاتي شكلن كتلة ترابطت عملياً بقرابة متخيلة. وهو ما منحهن القوة، متخذات من الرقص والغناء في الأعراس والمناسبات والأعياد، طريقا لكسب العيش. وتشتط (سمر) عن هذه الكتلة حين ينتابها هاجس متضاد، شاعرة أنها ملتحمة مع الكتلة النسوية خارجيا، لكنها داخليا مستلبة بتبني زكية لها، قيّمة تتحكم بحياتها وتفرض سلطتها عليها، وبخبرة تريد بها الابتعاد عن المجتمع الذكوري.
وزكية بتبنيها للبنات الأربع فرضت قرابتها المتخيلة عليهن، كجماعة نسوية تعيش على الهامش لكنها داخليا متمركزة ومستقلة، بما ربتهن عليه من فنون الرقص والغناء، فكن بسبب ذلك التبني متقاربات ومتحدات في مواجهة الحياة، معتمدات على قوتهن في استقلالهن الاقتصادي غير محتاجات للذكورية، فارضات وجودهن عليها. وعلى الرغم من أن السرد يأتي بضمير الغائب، وقد انبنت ديمومته على الاسترجاع الزماني، فإن لشخصية (سمر) نموذجها الخاص، الذي كشف عنها امرأة تبحث عن مركزيتها كفرد له خصوصيته داخل الكتلة النسوية متعمدة التخلص من سطوة التبني القيمومي، محتكمة إلى أنوثتها التي تشعرها بأنها متفردة عن الأخريات، وأن عليها أن تتحرر من الكتلوية كآصرة روحية تقيدها، فلا يكون من طريق أمامها لامتلاك حريتها إلا برفض تبني زكية لها، والانفصال روحيا عن جماعتها النسوية. وتتضح هذه النزعة في التمرد على الكتلوية والرضوخ إلى الفردية، منذ مفتتح القصة التي فيها تستحوذ سمر على اهتمام الكتلة النسوية، التي تعجب بمواهبها الفنية، لكنها في الداخل محتدمة بالحالات الشعورية خفة وثقلا، عطورا ودخانا، ابتساما ومجاهدة، حماسة وفتورا، نشوة ورفضا.
وتتخذ الأسلبة بالعين شكل البحلقة والحملقة والتحديق؛ وتكون الغيرة سببا مهما في بحث سمر عن التفرد، وكأن النسوية مهما كانت متكاتفة روحياً تظل رغبتها في التفرد والمركزية والاستقلال عارمة. وبسبب هذه الأسلبة الجسدية يتصاعد الحبك بفاعلية الحملقة من جهة، وسطوة التبني من جهة أخرى (تسلسلت أفكارها إلى الأيدي الصافقة ورجع رأسها الصدى) وزكية تتربع وسط نعيمة وساجدة وعلية، وهي تدير الرأس بالذهب، الذي يلتمع على بدنها. وتتساءل سمر متحيرة في حالها ومفكرة في مستقبلها. وعلى الرغم من أنها ملكت قلب زكية وجعلت الأخريات يحسدنها؛ فإن تبني زكية لها يظل يؤرقها على أساس أنها ما دامت منضوية في الكتلة بقرابة تخييلية، فستظل هكذا هامشا إلى الأبد، وأنها بذلك تهدر قوتها، مضحية بفرديتها الأنثوية في سبيل كتلتها التي هي نقطة ضعفها.
ويتنازعها إحساسان، الأول أن الروتين هو الخواء واللاجدوى، والآخر أنها في قرابتها المتخيلة بالكتلة النسوية مسيرة لا مختارة، وهي التي نشأت معهن وتحبهن ومع ذلك تشعر بأنها غريبة عنهن. وينعكس هذا الشعور المتضاد بالقوة والسعادة وبالضعف والتعاسة على تساؤلاتها المتهكمة التي تدلل على هامشيتها كفرد ينتمي إلى كتلة مركزية. ولا تجد بدا من درء الشعور بالهامشية، بشعور آخر هو الغيرة، التي ينبغي أن تولدها في جماعتها مغيظة زكية، التي عدت هذه الإغاظة خيانة وإهانة لمركزيتها. وتحل الخيانة محل التبني، وتصير القرابة المتخيلة تسلطاً تحاول سمر الانفلات منه، ووسيلتها في ذلك ان ترتبط بالرجل الخمسيني، ويستحوذ على تفكيرها بالحملقة والتحديق كالنسوية تماما.
وما بين الرضوخ للذكورية والانفلات من الكتلوية النسوية يصبح المكان معادلا موضوعيا لروحها، فتراه وقد صار ضيقا ومتسخا ومظلما، يكتم على أنفاسها، ومن ثم لا سبيل أمامها سوى المغادرة والالتحاق بالرجل زوجا لها. ولا يكون أمامها سوى واحد من خيارين، إما أن تضحي بفرديتها وتخضع لسطوة الكتلة النسوية ممثلة بزكية، أو تستجيب لتلك الفردية لكي تجد فيها استقلالها.
ولا شك في أن الكتلوية النسوية مهما كانت متناسية لكينونة أفراد جماعتها الإناث، متعاملة بمركزية معهن، فإنها لا تبغي من وراء ذلك سوى استعادة دور تاريخي كانت قد صادرته الذكورية منتحلة الدور بطريقة أبوية، لا تعرف التبني ولا القرابة المتخيلة.
وهو ما دللت عليه بثينة الناصري بحذق كبير، جاعلة بطلتها سمر مغامرة ترى في تطلعها للمجهول خيراً من ارتكانها إلى المعلوم، منتهية برمزية عالية إلى حقيقة أن هامشية المرأة في ظل الكتلوية النسوية هي التي ستحقق لها وجودها وتجعلها قوية بالقرابة المتخيلة. ومن دون ذلك لا وجود سوى لمزيد من الهامشية في ظل الذكورية وذلك بالتبعية والطاعة. وهو ما أدركته سمر حين ابتعدت بها السيارة مكانيا لكنها ظلت روحيا مشدودة إلى قرابتها المتخيلة بالتبني.

٭ كاتبة من العراق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية