بيروت-“القدس العربي”: لم تترك المخرجة والكاتبة والممثلة بيتي توتل في عرضها الجديد “كولوار الفرج” ستراً يغطي القطاع الصحي في لبنان وابتزازه لأموال المرضى. صحيح أننا نشتهر في قدرات أطبائنا ونُعتبر مستشفى الشرق الأوسط الأهم والأنجح، ولكن “كولوار الفرج” يقف كعرض مسرحي على علل لا تحصى في هذا القطاع. أما “كولوار” فهو الممر أو الممشى في اللغة العربية.
في كل جديد لها تنهل بيتي توتل تفاصيل نصها من تجارب شخصية، تعود لإثباتها والبحث عن اختبارات جديدة عبر مقابلات متعددة، تعمل لاحقاً لتكثيفها في شخصية واحدة أو عدد محدود من الشخصيات، وتجعل منها ذات أبعاد درامية وكوميدية غنية، كمثل أن يسمح نظام المحاسبة في المستشفيات بـ”فوترة” زيارة طبيب نسائي لرجل مسن.
في 13 شباط/فبراير الجاري أطلقت بيتي توتل عرضها الجديد على مسرح “دوّار الشمس” ومعها الحوار التالي:

*”كولوار الفرج” جديدك المسرحي المنبثق من قضية إنسانية واجتماعية، كم يتضمن من تجربتك الخاصة ومرافقتك لوالدتك خلال مرضها؟
**لا شك فيها الكثير. كافة المسرحيات التي أقدمها تبدأ شرارتها الأولى من تجربة شخصية. في النهاية يستوحي الكاتب من محيطه ومن الوضع السائد في الوطن، ومن التجارب المعاشة. بالطبع معاناة كبيرة يعيشها المرضى في المستشفيات ومعهم من يرافقهم من الأهل. كما وتتضمن هذه المعايشة نوعاً من العبثية. في هذا العرض نميط اللثام عن ممارسات عدّة، كما نسلط الضوء على بعض الأخطاء، كل ذلك يتم في قالب كوميدي وبعيداً من التجريح. نقول بوضوح تام أن هذا المستشفى يشكل مصغراً للبلد، ولسنا بصدد المستشفيات بشكل خاص. فمن المعروف أن لبنان يشتهر بتقدم الطبابة والإستشفاء في مؤسساته، وهو من أرفع المستويات في العالم العربي. بشكل عام هذا موضوع أرغب في طرحه أمام الجمهور خاصة وأن الإعلام ضجّ ببعض الأخطاء الطبية. كذلك الاضراب التحذيري الذي أعلنه قطاع التمريض. كل هذا يشير إلى معاناة ما في هذا القطاع اسوة ببقية القطاعات.
*تسمية “كولوار الفرج” هو طلب للفرج أم عرض للفرج المتوفر فيه؟
**بل أتمنى الفرج. وفي الواقع يمكنني تلخيص العرض بجملة وردت خلاله “أصعب شي عندما تقف الحياة وتصبح محصورة في كلوار المستشفى وأنت في انتظار الفرج”. أطلقت على المستشفى وعلى الطبيب اسم فرج لأنه فعلياً ينطلق من هذا الإحساس. ونحن عملياً أمام خطين من الإنتظار، أولهما الوضع العام الذي يعيشه الوطن وجميعنا بانتظار الفرج. والوضع الخاص عندما يكون لأحدنا قريب نزيل المستشفى، ويمكن وصف هذه المرحلة بالصعبة والموجعة.
*تمثل المسرحية انتقاداً مباشرا للمستشفيات والأطباء وشركات التأمين ونظام المحاسبة المعطل باستمرار. ألا تخشين من قوة النقابات الممثلة لهؤلاء؟
**عندما مررت شخصياً بتجارب متعددة مع المستشفيات كنت أشعر بريبة منها ولا آمن لها رغم تغطية التأمين الصحي، لكن حتى هذا التأمين كان مريباً ويشهر باستمرار على المريض سيف “السقف” وتخطي المريض له. فهل المريض راغب في الإقامة في المستشفى، في حين كل طبيب يطلب طبيباً؟ ما أقوله لك أن كل المعلومات الواردة في مسرحية “كولوار الفرج” صحيحة بنسبة مئة في المئة. لم أخترع معلومة ولم أفتر على أحدهم. إنها حكايات من أشخاص اختبروها وعاشوها مع مرضاهم. كذلك وجدت المساعدة من أطباء أصدقاء ومن الطبيعي أن يبقوا في الظل. هذه المسرحية كما غيرها من المسرحيات هي نتيجة أبحاث، وليس وارداً مرور معلومة خاطئة، ومن الطبيعي تضخيم المواقف في المشهد المسرحي ليذهب باتجاه كاريكاتيري. ولهذا أقول في بداية العرض “إن شخصيات هذه المسرحية من نسج الخيال وتدور في مستشفى وهمي وفي بلد يتأرجح بين العبثية والخيال”. ورداً على الخشية من قوة النقابات فقد سعيت منذ البداية لحماية نفسي بالقول إن المستشفى وهمي.
*ومع ذلك وبعد أربعة عروض السؤال مشروع إن كانت واحدة من النقابات المعروفة بقوتها قد سجلت اعتراضاَ؟
**مطلقاً. مرّ النص على الرقابة ونال موافقتها. كما أنني لست بصدد التجريح بأحد. حتى عندما ظهر الإعلامي زافين قيوميجيان والإعلامية ريما كركي فقد تميز حضورهما بمواقف تتراوح بين السلبية والإيجابية. إذاً نحن ننطلق من الواقع ونلجأ للخيال خلال الكتابة ولهذا لم ترد اعتراضات على المسرحية، بل العكس قال أغلب الأطباء الذين حضروا العرض حتى الآن “ما قصرتِ”. فالأطباء أيضاً يعانون من عبثية “السيستم”.
*الطبابة قضية أساسية ومعها مرّت جملة عناوين اجتماعية منها أعباء المريض الواقعة غالباً على نساء العائلة. لماذا هذا التركيز؟
**هو الجانب الإنساني الذي لا أغفله في مسرحي. فمن خلال تجربتي في المستشفى قدمت تلك العلاقة التي تنشأ بين أهل المرضى، بحيث يصبح كل منهم معنياً بصحة مريض الآخر. لا شك في أن من يغادر المستشفى يبقى قلبه على من لم يتعاف بعد. إلى جانب هذا رغبت في تسليط الضوء على الأشخاص الذين يكرسون حياتهم ووقتهم لخدمة مرضاهم. في المسرحية نرى فقط مريضين لهما قدرة التجول في “كولوار الفرج” والآخرين نعرف أسماءهم وحالاتهم المرضية.
*إيجاد مساحة للعناصر الإنسانية أمر يريحك شخصياً أم هو ضرورة في كتابة النص بهدف التنويع؟
**هو ضرورة شخصية لي. ما أشعر به أجرب ترجمته عبر المسرح. كمواطنة أراقب على الدوام ما يدور حولي، وهي أمور أعيشها إلى جانب غيري من المواطنين. قد ترين في العرض قصصاً لهذه الشخصية أو تلك، لكنها في الواقع تشكل قصصاً لأشخاص متعددين. فعملي قبل البدء بكتابة النص يستند إلى تجميع القصص ومن حالات قد تصل للعشرين أحياناً، وأعمل لحصرها على المسرح في شخصية أو اثنتين، أي أن تركيز المعلومات في شخصية واحدة يمنح الموضوع الذي أنا بصدده أهمية أكبر.
*كيف لنا التمييز بين نسبة العبثية ونسبة الحقيقة في “كولوار الفرج”؟
**في رأيي عند القول “السيستم في المستشفى واقف متل البلد” وفي جملة الختام والتي رددتها على لسان والدتي المريضة في هذا المستشفى “الموت بحر عميق واسع كيف إذا بلد بكاملو واقف ع شط البحر”. فوطننا في هذا الحال هو المريض الذي نتناوله، والشعب القابع في حالة الانتظار، وعدم وجود السياسيين حيث يفترض أن يكونوا في ميدان العمل، كل هذا دفع نحو الثورة من أجل التغيير، لكن للأسف حتى الآن لم يتغير أي شيء. وحتى اللحظة لا يزال “السيستم” برمته معطلاً. وفي العرض كان “السيستم قديما ومهترئا”.
*وهل تأملين خيراً بشأن هذا “السيستم”؟ هل سيصحح حاله؟
**تضحك ثم تقول: كما شاهدت في المسرحية ولن نضيف حتى لا نكشف النص.
*يتم وصفنا بأننا مستشفى الشرق الحال الذي بلغنا عبر العرض المسرحي ماذا يمكن القول؟
**يرد في التحقيق الصحافي وضمن برنامج زافين التلفزيوني أننا “نُعرف في لبنان بتطور الطبابة ومستوى الأطباء العالمي”. تناولنا في العرض “كولوار الفرج” وحالة خاصة في الاستشفاء، وليست كل المؤسسات الصحية على هذا المنوال. ولأنني أدافع عن مستوى الأطباء فنحن لم نر الدكتور “فرج” مطلقاً.
*تتبعين نسق التراجيكوميديا في المسرح هل ترين ذاتك من خلاله فقط؟
**عُرفت بالممثلة الكوميدية، وفي الواقع أكثر من يضحكنا هو أكثر من يعيش معاناة. بالتالي حتى وإن نجحت في الكوميديا فهذا لا ينفي المعاناة من داخلي أو يطردها. إذاً أعمل لترجمة شخصيتي في المسرح الذي أكتبه، وأسعى إلى كتابة الكوميديا التي تسلط الضوء على الوجع، لهذا تتراوح المشاهد في مسرحي بين الكوميديا والدراما والمأساة، وهذا في رأيي نستقيه من الحياة فهي على هذا المنوال، وهذا ما يعيشه الإنسان.
*ألا ترغبين في المسرح التجريبي مثلاً؟
**مررت في كل الاختبارات المسرحية قبل أن أجد هويتي المسرحية. عملت بإدارة كبار المخرجين، وعندما بدأت التصدي للإخراج اقتبست من نصوص عالمية. مرت سنوات قبل أن أجد هويتي المسرحية التي وجدت تجاوباً من الجمهور ورغبة في هذا النوع من المسرح. وهكذا بات لي جمهور، وأجتهد كي لا أكرر نفسي. وفي مسرحياتي لا أركز كي أكون البطلة بل أهتم بالعمل في حد ذاته. في المسرحية السابقة “فريزر” كنت في الدور الأساسي لكن العمل كان بطلا، وفي “كولوار الفرج” يتكرر الأمر نفسه. ما أحبه أن يقصد الجمهور المسرح ليرى عمل بيتي توتل وليس هي.
*تكتبين وفي بالك الجمهور؟
**الممثلون هم من يشغلون فكري. كل المشاعر التي يعيشها الكاتب يشعر بها الجمهور. اوجه طلابي لعمل كل ما يشبههم لأن الجمهور سيتقبله. كمخرجة وكاتبة لست في صدد تلبية رغبات جمهور محدد، ولست في صدد تقديم وصفة ما. أقدم ما أشعر به وأحبه، وإن وجد القبول والحب من الجمهور فهذا عظيم.
*”كولوار الفرج” كان مقرراً عرضه في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، هل أدى اندلاع الانتفاضة لتغيير في النص؟
**تغيير طفيف وبدقة أربع كلمات فقط لا غير.
*أي مسرح لبناني تتابعين؟
**كل العروض المسرحية التي يتيح لي وقتي حضورها. لا أفضل نوعاً على آخر، بل يجذبني العمل المشغول بتقنية عالية وبجدية.
*هل يجذبك أحد المخرجين أكثر من سواه؟
**حشريتي تدفعني لحضور كل العروض سوى تلك التي يمنعني منها تزامنها مع مسرحي.
*هل من شبه بين مسرحك ومسرح جورج خباز؟
**لا أجد أي شبه بين المسرحين. ليس في مسرحي غناء ورقص، في حين أن الزميل جورج خباز لديه ثوابت حتى في الشكل. الثوابت الخاصة بي نجدها في أسلوب الكتابة أي المرور من الدراما إلى الكوميديا إلى التراجيديا. إذا الثوابت عندي تتمثل بالتراجيكوميك.
*عندما تكوني بصدد إعداد عرض ألا تخافين من أن يخذلك الجمهور؟
**أكيد أخاف. وأخاف من المقارنة بين مسرحياتي. لهذا أعمل كي لا أكرر نفسي.
*منذ شهر تقريباً عاد المسرح اللبناني لينتفض ماذا ترين في ذلك؟
**هذا طبيعي. بعد المرحلة التي مررنا بها، يحتاج الناس لبعض النفس. وهذا في حد ذاته نوع من الثورة الثقافية الموازية للثورة المعيشية.