وكأني بفيلم «بيروت حوار الأطلال» ينبعث جديداً بهياً وإبن لحظته ليكمل المشهد المأساوي، الذي بلغه الشعب اللبناني على مختلف المستويات.
فيلم حطّم مخبأ التعليب انضم إلى صرخة الثوار والموجوعين من سياسات بدأت قبيل الحرب الأهلية في سنة 1975، لتتواصل فصولاً مع وهم إيقافها سنة 1990، وصولاً إلى ما نحن عليه.
«بيروت حوار الأطلال» للمخرج بهيج حجيج وثيقة للتاريخ عن مدينة قرر مشروع سوليدير ونفّذ اقصائها عن امتدادها المغرق في التاريخ والحضارة.
صوّر حجيج فيلمه بين 1992 و1993، ورافق على مدى شهر ونصف آلات التدمير الممنهج الذي أكمل وظيفة المتحاربين في بيروت والذين لم يكلوا ولم يملّوا في قصف ابنيتها دون أي هدف أمني أو عسكري. ربما كانوا ضمنياً يمهدون الطريق لمشروع سوليدير.
جمع فيلم بهيج حجيج الشاعر، والمهندس، والرسام، والمختار البيروتي الأصيل، والباعة المتجولين، والباحث الفرنسي الذي يحفظ عن ظهر قلب تاريخ بيروت منذ ما قبل زلزال 551 الذي طمر مدرسة الحقوق برمتها. يخبرنا ما لم نبحث عنه في تاريخ مدينة تخصنا، وطالما تغنينا بها وأحببناها دون هوادة.
يخبرنا أن دراسة الحقوق ازدهرت في روما وفي بيزنطية وفي بيروت. وشكلت بيروت عبر مدرسة الحقوق وقبل الزلزال قبلة لطلاب من حوض المتوسط الشرقي والغربي وغيرها.
تمنى ذاك الباحث الضنين على اندثار التاريخ لو أتيحت فرصة التنقيب عن تلك المدرسة المشهورة تحت ذاك الحطام الذي حول بيروت إلى مساحات مفتوحة.
لم يكن عادلاً ولا منطقياً اغفال تلك المدرسة وتركها في مكان ما نقف فوقه ولا نفقه أهميته في الذاكرة المحلية والعالمية.
ولكن.. أرواح كثيرة زُهقت تحسراً على ذكريات وأملاك، حين باغتهم من تسلّح بقانون غدر وسرقة ليتقاسمها مع مالكيها.
عبر فكر مرتبط بذاكرة رمال متحركة مع كل هبّة هواء تمّ التعامل مع بيروت. في حين أن بيروت مغرقة في قدمها وفي تمددها إلى حضارات ما قبل التاريخ.
«بيروت حوار الأطلال» يبحر قليلاً في الأسطورة وصولاً إلى التنين الذي نُحر على يد القديس جورجيوس، ويرسو في خليج «السان جورج» مسائلاً الصيادين الذين يبوحون بأن الخضر هو من يحميهم من أنواء البحر فبه يستنجدون عند المخاطر.
«بيروت حوار الأطلال» ليس وثائقياً صافياً تضمن قصة ورواية سمعناها من المعاصرين للمدينة القديمة والتي سبقت الحرب الأهلية. حاضر مُدمّر تقاطع مع ماضٍ نابض بالحياة والناس في مدينة لم تكن تعرف السكينة.
أما تاريخ بيروت الحديث فللأسف خطه الجهلة الذين قرروا وضع رقبة الوطن والشعب تحت مقصلة سياسات البنك الدولي وما شابهه.
رافقت الكاميرا أثناء تجوالها في بيروت الباحثة عن الحداثة مختلف آلات التدمير الممنهج. وجميعها بلغ العين والأذن وكأنه يطرق على جدار القلب بل ويخترقه. من كتلة الحديد التي راحت تهاجم الجدران، إلى الجرافات الكبيرة ومن ثم كُتل الديناميت التي زرعت في منافذ أبنية كانت تستجدي الحياة لا الفناء. فهي أهل للحياة ولا مبرر لإبادتها. والمفارقة أن المخرج أصر لأن تترافق مشاهد التدمير «الحديث» بشهادة تمثال الشهداء المهشم، وبشهادة كلب شارد، وفي الأفق تكرر ظهور حصان أبيض.
هي رمزيات لجأ إليها حجيج للدلالة على بالغ الأثر الذي تركته بنفسه مراقبة التدمير ومعايشة الذكريات والتاريخ المبعثر مع كل موجة غبار تنبعث بفعل التهديم.
يتضمن «بيروت حوار الأطلال» إلى جانب دوره في نقل وجهة نظر تبحث في مفاعيل الخطأ الكبير الذي تمّ ارتكابه بحق المدينة وناسها كماً كبيراً من المعلومات التاريخية عن حقبات مرّت بها المدينة. فهي على سبيل المثال وأيام العثمانيين كانت مدينة ذات منازل محصنة. لكنها ومع انتهاء الحرب العالمية الأولى أخذت طابعاً فرنسياً بفعل الإنتداب، وفي بعض احيائها فقط.
الموقف الشعبي من بيروت «الحديثة» نقله مختار بيروتي «عم نقفز بالمجهول… شو مستقبل بيروت ماحدا بيعرف»؟
بيروت الشعبية تحدث عنها الفنان الراحل أمين الباشا، ورسم ناسها وسط أنقاض المدينة، بحيث أتى حضوره دلالة على غنى المدينة بأهلها وفنانيها.
في الهندسة المعمارية وبعيداً عن الهوى الشعبي الذي كان يرغب في بيروت مدينة أمينة على ماضيها وذكرياتها، فقد شهدت المدينة مع بدايات سنوات السلام نقاشات وندوات متخصصة تبحث في أهداف شركة الإعمار التي اسمها سوليدير، ومقارنتها بوجهات نظر متعددة.
في «بيروت حوار الأطلال» مثّل وجهة النظر الهندسية المناهضة المهندس جاد تابت. فبانت أهداف متباينة جداً.
بحث انساني جمالي يربط بين الماضي الراسخ ولمسات الحداثة، وآخر هدفه استثماري على مستوى مالي كبير يقصي الناس عن قلب مدينتهم.
في المحصِلة كانت خلاصة الباحث الفرنسي مؤلمة «بيروت ستصبح لقرون مقبلة ضيعة متواضعة»، مع جملة «اسكب دمعة هنا ترقد بيروت».
وبهيج حجيج عاد مراهقاً ودخل أحدى صالات السينما في بيروت، جلس وحيداً على أحد كرسيها الحمراء الجذابة، فيما كانت موسيقى زاد ملتقى تعزف طوال الفيلم موسيقى شبه جنائزية، وصدح صوت فيروز مؤبناً في جنازة السيد المسيح.
إذاً بشعر وحب وأسى، وكذلك ببحث معمق عن شخصيات أغنت شريطه الممتد لخمسين دقيق اشتغل المخرج بهيج حجيج فيلمه «بيروت حوار الأطلال» الذي حظي سنة 2016 بعرض وحيد في سينما متروبوليس في بيروت، وبعروض عدة في باريس.
ومؤخراً عرض في مكتبة السبيل – الباشورة بالتعاون مع نادي لكل الناس.
وسيحظى قريباً بعرض في ساحة العازارية، وسيكون متاحاً على يوتيوب وفيمو. إنه فيلم وثيقة جدير بالعناية.