نيويورك-“القدس العربي”: يعيش العالم هذه الأيام أزمة حقيقية تتعلق بوباء كورونا الذي ظهرت أولى حالاته مع نهايات كانون الثاني/ديسمبر 2019. وما إن انتشر الخبر حتى سادت العالم حالة من الذعر واختلطت الأخبار المزورة بالأخبار الصحيحة حتى بات الناس لا يعرفون ماذا يعملون وكيف يتقون شر هذا الداء. بدأت شركات الطيران تلغي رحلاتها إلى الصين وتوقفت العديد من الشركات عن الاستيراد من الصين وتعطلت العديد من المشاريع وسحبت كثير من الدول رعاياها وكأن الصين كلها أصبحت موبوءة على اتساع مساحاتها وضخامة عدد سكانها. رأيت أن في الأمر سرا وليس من المنطق ولا من المعقول أن هذه الحملة الدعائية ضد الوباء كلها دقيقة وصحيحة، فقلت أريد أن أستجلي الأمر مع أن الموضوع ليس من اختصاصي. هذه الضجة الكبيرة حول داء كورونا الذي ينتج عن فيروس بنفس الاسم “كورونا مستجد” لا بد أن هناك مبالغة مقصودة من غير أن نقلل من خطر الوباء.
هل انتشار مرض يقتل نحو 2000 مواطن خلال نحو ثلاثة أشهر، غالبيتهم الساحقة من بلد واحد عدد سكانه مليار ونصف مليار نسمة تقريبا شيء يدعو إلى هذا الرعب في العالم أجمع؟ أليس هناك من يريد أن يوقف زحف الصين البطيء والمتعاظم باطراد نحو تسيّد العالم في أواسط القرن الحالي؟ أحببت أن أستجلي الأمر من المصادر الصحيحة في منظمة الصحة العالمية، واتصلت باثنين من المسؤولين في المنظمة لأفهم أكثر وحاولت أن أجمع أكبر قدر من المعلومات الصحيحة والسهلة لأضعها بين يدي القراء في مقال مقتضب ليتعرفوا على الوباء من دون مبالغة أو تقليل من الخطر.
ما هو الفيروس كورونا وكيف تكون؟
في تاريخ 31 كانون الأول/ديسمبر 2019 تلقت منظمة الصحة العالمية WHO إشارة تؤكد أن هناك انتشارا لوباء مجهول يؤدي إلى حالات التهاب رئوي متعدد في مدينة ووهان الواقعة في إقليم هوباي في الصين. ولم تتطابق سمات الفيروس مع أي فيروسات أخرى معروفة، ما أثار القلق لأن المنظمة وعلى لسان مديرها، كانت تجهل مدى تأثير الفيروسات الجديدة على الناس.
وبعد أسبوع واحد، أي في 7 كانون الثاني/يناير، أكّدت السلطات الصينية أنها اكتشفت فيروساً جديداً بالفعل، هو فيروس كورونا المستجد. وينحدر هذا الفيروس الجديد من فصيلة فيروسات تشمل تلك التي تسبب نزلات البرد الشائعة ومتلازمة سارس ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية. وأُطلق على هذا الفيروس الجديد مؤقتاً اسم “فيروس كورونا المستجد”(2019-CoV).
فبالرغم من أن معظم الحالات البشرية المصابة بمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية نتجت عن انتقال العدوى بين البشر فإن من المرجح أن هذا الفيروس قد انتقل من الخفافيش إلى الجِمال التي ظلت المستودع الرئيسي لفيروس كورونا المسبب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية، ثم وصل أخيرا إلى الإنسان عن طريق الأفاعي أو الكلاب أو حيوانات أخرى تباع في أسواق الصين للاستهلاك الإنساني.
لا يعرف الخبراء إلى الآن بالضبط دور الجِمال في انتقال الفيروس ولا طريقة انتقاله، لكن من المؤكد أن هذا الفيروس اكتُشف لأول مرة في المملكة العربية السعودية عام 2012 وقتل أزيد من 500 شخص، ومصدره الأساسي الخفافيش.
وتعكف منظمة الصحة العالمية الآن على العمل مع السلطات الصينية والخبراء الدوليين يساعدها فريق متخصص من عدة دول تم تجميعه منذ إبلاغها بهذا الحدث، من أجل تعلم المزيد عن هذا الفيروس وكيف يؤثر على المصابين به وطرق معالجته وما يمكن للبلدان أن تفعل من أجل التصدي لانتشاره وطرق الوقاية منه الفردية والجماعية.
ولأن هذا الفيروس ينحدر من فيروسات كورونا التي تسبب أمراضاً تنفسية عديدةً، فقد أصدرت المنظمة نصائح للجمهور حول كيفية حماية أنفسهم ومن يحيطون بهم من الإصابة بالفيروس.
أعراض المرض
يقول المدير العام لمنظمة الصحية العالمية، الدكتور تيدريس أدحانوم غبريسوس، إن تصنيف الإصابة بفيروس كورونا على أنها حالة مؤكدة سريرياً يستند إلى تصوير صدر المُصاب بالأشعة السينية، ويتيح ذلك المجال أمام الأطباء السريريين أن يمضوا قدماً في الإبلاغ عن الحالات بمزيد من السرعة وألا يضطروا إلى انتظار تأكيدها مخبرياً فيكفلوا تسريع وتيرة حصول الناس على الرعاية السريرية، كما يتيح أيضاً المجال أمام توجيه استجابات في مجال الصحة العمومية من حيث تتبع المخالطين والشروع في اتخاذ تدابير أخرى.
يتراوح الطيف السريري للعدوى بفيروس كورونا المسبب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية بين عدم ظهور أي أعراض وبين ظهور الأعراض التنفسية المعتدلة وحتى المرض التنفسي الحاد من يومين إلى أسبوعين. وتتخذ الأعراض النمطية للإصابة بمرض فيروس كورونا شكل الحمى والسعال وضيق التنفس. أما الالتهاب الرئوي فهو شائع ولكنه لا يحدث دائماً. كما لوحظ أن بعض المصابين لديهم أعراض مَعدية ومعوية، تشمل الإسهال. ويمكن أن يتسبب الداء بالاعتلال الحاد أو فشل التنفس، مما يستدعي وضع المصاب تحت التنفس الاصطناعي والدعم في وحدة العناية المركزة. ويبدو أن الفيروس أشد فتكا بالمسنين، والأشخاص من ذوي الجهاز المناعي الضعيف، والأشخاص المصابين بأمراض مزمنة، مثل السرطان وأمراض الرئة المزمنة وداء السكري.
المبالغة والتضخيم
حذر المدير العام للمنظمة مؤخرا من المبالغة في تضخيم سرعة انتشار الوباء كما ذكرت إحدى الوكالات أن 14000 يصاب كل يوم بهذا الداء. “هذا رقم مبالغ فيه” قال غبريسوس. وأضاف: “إننا لا نتعامل بناءً على فهمنا مع عدد هائل من الحالات يصل إلى 14000 حالة في يوم واحد. هذه التقارير مضللة إلى حد ما، ونحن عاكفون على العمل مع زملائنا في الصين ومع فريقنا الموجود هناك والمواظب على العمل بجد من أجل معرفة عدد الإصابات موزعة على الأيام والأسابيع بالضبط وكيفية توزيع هذه الأرقام على تلك الأيام والأسابيع ككل”. وقال لقد شهدنا الإبلاغ عن عدد كبيرمن الحالات في الصين، لكنه لا يمثل تغييراً كبيراً وخروجا على المألوف في مسار انتشار الداء. وبالنسبة لانتشاره خارج الصين فتوجد 447 حالة وقعت في 24 بلداً آخر، وحدثت وفاتان اثنتان في الفلبين، وفي اليابان. إضافة إلى أخبار تفيد ببعض الوفيات في السفينة السياحية داياموند برينسس الخاضعة حالياً لحجر صحي في يوكوهاما، فقد ثبت أن هناك 218 مسافراً على متنها أصيبوا بعدوى فيروس الكورونا وهذا الرقم يمثل أكبر مجموعة حالات إصابة خارج نطاق الصين.
العدوى
من المؤكد أن الفيروس انتقل من الحيوانات إلى البشر. أما كيف انتقل الفيروس من الحيوانات إلى البشر فما زالت غامضة. وتعتقد مصادر منظمة الصحة العالمية أن الجِمال هي المستودع الرئيسي الذي يستضيف فيروس كورونا المسبب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية. وقد تم عزل سلالات فيروس كورونا المسبب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية، المطابقة للسلالات البشرية، من الجِمال في عدة بلدان، ومنها مصر وعُمان وقطر والمملكة العربية السعودية خلال عام 2012.
لكن انتقال الفيروس من إنسان إلى آخر ليس بالأمر السهل ما لم يكن هناك اختلاط قوي، مثل رعاية مريض من دون حماية أو استعمال مرافق رعاية صحية ملوثة أو غير محمية، أو عندما تكون التدابير المتخذة للوقاية من العدوى ومكافحتها غير كافية.
الوقاية أولا ثم العلاج
لقد نشرت منظمة الصحة العالمية سلسلة نشرات تتحدث أكثر عن الوقاية. فإلى أن يتم التوصل إلى لقاح حاسم يقضي على الفيروس فالوقاية هي المطلوبة الآن. العلاج المتاح هو علاج داعم ويعتمد على حالة المريض السريري. فعلى سبيل الاحتياط العام ينبغي لأي شخص يزور مزارع أو أسواق أو حظائر توجد فيها جِمال وحيوانات أخرى أن يتبعوا تدابير النظافة الصحية العامة، بما في ذلك غسل اليدين بانتظام قبل لمس الحيوانات وبعد لمسها، وأن يتجنبوا ملامسة الحيوانات المريضة. وينبغي تجنب استهلاك المنتجات الحيوانية النيئة أو غير المطهية بصورة كافية، بما في ذلك الألبان واللحوم، لأنها قد تحتوي على احتمال الإصابة بسبب مجموعة متنوعة من الكائنات التي يمكن أن تتسبب في مرض الإنسان. فالمنتجات الحيوانية المجهزة على النحو السليم، عن طريق الطهي أو البسترة، هي منتجات استهلاكها مأمون ولكن ينبغي أن تتم مناولتها بعناية تجنباً لتلوثها العارض من الأطعمة غير المطهية. أما لحوم الجِمال وألبانها فهي منتجات مغذية يمكن الاستمرار في استهلاكها بعد بسترتها أو طهيها جيدا.
وإلى أن يتسنى فهم المزيد عن فيروس كورونا المسبب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية يُعتبر مرضى داء السكري والفشل الكلوي وأمراض الرئة المزمنة والأشخاص ضعيفي المناعة الأكثر عرضة لمخاطر الإصابة بالمرض الوخيم بسبب عدوى فيروس كورونا. لذا ينبغي لهم أن يتجنبوا مخالطة الجِمال وأن يتجنبوا شرب لبنها النيء أو بولها أو أكل اللحم الذي لم يتم طهيه على النحو السليم.
وكما قال لي المتحدث باسم منظمة الصحة العالمية، طارق يساروفيتش “ما نحتاجه الآن هو تضامن دولي مع الدولة أو الدول التي أصيبت بداء الكورونا، وليس، توزيع اللوم والعار والإصابة بحالات الذعر. فهذه الحالات قد تدفع المصاب إلى الاختباء بدل البحث عن مكان للعلاج، وهذا ما يعرض المجتمع الذي يعيش فيه المصاب للعدوى”.