في دَرس الترجمة أشعر بأن التعب مضاعف، ولكن المتعة أوفر، في هذا الدرس يفقد المدرس الشغوف، بمركزيته الزائفة، دوره ويتراجع رغما عنه ويصبح محاولا للفهم مجربا للإمكان كأي طالب يروم فهم النص الأجنبي، ويبحث له في اللغة، الهدف من العبارات والأساليب المناسبة.
يحدث أن تكون محاولة هذا الطالب، أو ذاك أفضل من المحاولة التي توصل إليها المدرس، وعليه في هذه الحالة أن ينكر ذاته، ويدفع بعقل فعال وهو عقل الطالب إلى الأمام بكلمة تشجيع، المهم أن المحاولة الأخيرة المميزة تكون تلك التي يساهم الجميع في صوغها.
ها نحن نجرب في حصة من حصص الترجمة من الفرنسية إلى العربية، نبحث عن ترجمة فعل أنهكنا وجود فعل يناسبه في العربية، هو فعل Survivre الفرنسي (Survive الإنكليزي).
في المعجم الفرنسي «لاروس»Larousse تجد تعريفات سنعربها، وسنقدم لها ما يناسبها من العبارات، ونرى هل يتناسب ذلك اللفظ لا مع المعنى، بل مع روح الثقافة العربية القديمة، أو المعاصرة، فليست الترجمة بحثا لمناظرة كلمة لأخرى، بل هي بحث معجمي ثقافي تناسب فيه العبارة والأسلوب في اللغة الهدف، روح الفكرة في اللغة المصدر، بدون أن تفقد روحها هي وسياقاتها الثقافية التي تتداول فيها.
المعنى الأول في معجم لاروس: أن تعيش بعد أن يموت شخص آخر: أن تظل حيا.
المعنى الثاني: استمر في العيش، في الوجود بعد حدث، أو في نهاية حقبة، أو بعد اختفاء شخص: أن تواصل العيش.
المعنى الثالث: البقاء على قيد الحياة بعد (حصول) أمر (حادث، كارثة) يمكن أن يؤدي إلى الموت: أن تنجو من الموت.
المعنى الرابع: بقاء عادة واستمرارها من الماضي إلى الحاضر: أن تنجو من الزوال.
أول ما يلاحظ أن هذه المعاني التي يفيدها الفعل الفرنسي، نحتاجها في استعمالنا اليومي في الثقافة العربية، ولنقل إنها من المعاني المشتركة التي يحتاج الإنسان، أن يتواصل بها لوصف الوضعيات المختلفة، التي تجعل المرء يواصل العيش بعد أن يرحل مرافقه، أو أن يستمر في العيش بعد حدث خطر يودي بالحياة، أو أن يشارف على الموت فينجو أو أن ينجو شيء ثقافي من الزوال.
أول ما يلاحظ أننا وزعنا معنى Survive بعباراتنا العربية، فترجمنا بهذه اللغة العبارات العامة، وسنشعر ونحن نفعل ذلك أن هذه المعاني مقبولة في تجربتنا اليومية مع الحياة، مثلما هي مقبولة في تجارب الفرنسيين مع الحياة، ولكن يحتاج ذلك شيئا من التدقيق الثقافي به نراقب سلامة استعمال المعنى في الثقافة المصب، أي العربية.
لنبدأ بالمعنى الإجمالي الأول وهو أن نواصل العيش: يبدو لنا هذا المعنى معنى قليلَ فائدةٍ لأن، واصل فلان العيش، قد يترجم إلى عاش، ويبدو الفعل واصل كالفعل المساعد الذي يمكن أن نحذفه. لكن لو حذفنا الفعل المساعد وأبقينا على النواة الدلالية، عاش فقدنا المعنى الخصوصي: أن يموت شخص ويواصل آخر رحلة الحياة. فـ(عاش) فعل خطاطي مُحَايد، لا يؤكد هذه المفارقة إلا بمقابلة ضمنية مع (مات)، وهي مقابلة أعم من أخرى أقل عموما، هي التي بين الاستمرار في الحياة، بما هي منحة والتوقف عن الحياة بما هي محنة.
النجاة من الموت ليست هي بالضبط معنى الحياة أو العيش، يعني أنك تعيش حياتك وتحياها بوتيرة عادية، حتى يأتيك ما يهدد حياتك وحياة غيرك، فتنجو أنت من الموت بينما يموت غيرك؛ وعندئذ تمر من وضعية من يعيش إلى وضعية من ينجو من الموت.
لا يوجد في حروف الزيادة العربية ما يفيد هذا المعنى. حروف الزيادة في العربية تنتمي إلى قائمة مغلقة، بمعنى أنها لا تقبل التجديد شأنها شأن كل الكلمات النحوية. في الفرنسية عشرات من الكلمات تدخلها السابقة sur- للدلالة على الإفراط في الحدث، أو التفوق أو المبالغة. شيء قريب هذا المعنى يستفاد في العربية بواسطة مضاعفة الفعل كما هو الحال في قطع وصلب في قوله تعالى (فَلَأُقَطعَن أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم منْ خِلَافٍ وَلَأُصَلبَنكُمْ فِي جُذُوعِ النخْلِ).
بيد أن مضاعفة الفعل (عاش) تفيد المبالغة (وهي الأقرب ههنا وليست هي بالضبط المعنى الأصلي غير مفيدة، أو ممكنة في هذا السياق، لأسباب دلالية ومرفولوجية يطول شرحها الآن. المعنى الثاني الذي يقترن بعاش يفيد معنى النجاة من الموت، أو النجاة من زوال، إذا تعلق الأمر بشيء مجازي له حياة محدودة كالعادات مثلا.
النجاة من الموت ليست هي بالضبط معنى الحياة أو العيش، يعني أنك تعيش حياتك وتحياها بوتيرة عادية، حتى يأتيك ما يهدد حياتك وحياة غيرك، فتنجو أنت من الموت بينما يموت غيرك؛ وعندئذ تمر من وضعية من يعيش إلى وضعية من ينجو من الموت. لا أحد يتساءل ههنا عما يمكن أن يهدد حياتك حتى تصبح الحياة ما بعدها نجاة؟ الجواب على هذا السؤال متطرف: ينبغي أن تكون في هذا الطرف القريب من الموت أو في ذاك الطرف القريب من الولادة لكي تفهم الأمر. كان ابن عبد ربه قريبا من ذاك الطرف حين قال قولته الشهيرة: «إذا كان الموت راصدا فالطمأنينة حمق» التي تعني أن الحياة ليست ، في جميع مراحلها، حياة بل نجاة من الموت الراصد، وكان الشاعر الفرنسي دي لامارتين قريبا من طرف الولادة، حين قال «أي جريمة اقترفناها كي نستحق أنْ نولد»؟ كان قريبا من حرف الولادة لأنه جعل المرء وهو يعيش في سؤال أبدي عن الولادة الأولى الموجبة للحياة، وعن الجريمة المفترضة التي صنعت الحياة الفعلية وصنعت من العيش هلاكا محققا، أو تكبدا لفعل العيش.
الحياة ليست هي الوحيدة ضربة حظ الموت، أيضا ضربة حظ كذلك هذا ما يراه الكاتب والشاعر الأمريكي والت ويتمان الذي أصابه حظ الولادة سنة 1819 وأصيب بحظ الوفاة 1892.
تقتضي النجاة من الموت حياة بأربع مراحل: أن يلد المرءُ، ثم يعيش، وأن ينجو من الموت، ثم يموت. لكن هناك من يختزل المراحل في ثلاث مثلما فعل جان دي لا برويار يقول هذا الكاتب الفرنسي «ليس للمرء غير ثلاثة أحداث: أن يلد وأن يعيش وأن يموت» ثم يضيف: «من لم يشعر أنه وُلِدَ يظل يعاني حتى الموت وينسى أن يعيش». لا برويار الذي مات من عام 1696 لم تنسه الحياة، ولا شك أنه تكبد العيش كغيره ممن أرهقه التفكير في الموت والولادة.
وأنت يا قارئنا لست مطالبا بأن تنجو فعلا من الموت، لكي تعرف معنى جديدا للعيش يكفي فقط أن تفكر في أنك في مرحلة ما بين الحياة المحبذة والموت الراصد، أو بين الحياة الراصدة والموت الآمل، تكون فيها كمن ينتظر ولادة لم تتحقق، وقد تمشي في الحياة بخطى متثاقلة، تريد أن تبدأ النشأة الفعلية، أو تريد أن تحيا بمنجاة عن الموت، لكنك وأنت تمشي بخطاها المتثاقلة يحملك الزمان ويسير بك في خط لا رجوع فيه من ولادة تاريخية إلى موت محقق.
ليس في مفاهيم الزمان شيءٌ اسمه النجاة من الموت، هو من مفاهيم النسبية، لأنك لست ناجيا إلا بالنسبة إلى راهن، أو سابق، أما بالنسبة إلى لاحقٍ فأنت تتكبد العيش. ذلك يعني أن المرء يعيش مرة، ولكنه يتكبد العيش ألف مرة قبل أن يموت.
قال الطالب في حصة الترجمة ونحن نبحث عن مقابل للفعل الفرنسي Survivre: أنا أرى أستاذ أن نترجمها بتكبد الحياة: ضحك أصدقاؤه ، قالت طالبة: ولم لا يكون تكبد العيش؟ قال طالب ثالث: الاختيار صعبٌ أستاذ.. وقفت أنظر في وجه هذا الثالث مليا حتى مضى بنا الزمان إلى نهاية الحصة.
٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية