إبداعات الصغار وأحلام الشهرة المبكرة ضربة حظ!

كمال القاضي
حجم الخط
0

الفنان أنور وجدي كان من أوائل النجوم الذين لفتوا النظر إلى المواهب الصغيرة، فقد قدم قبل نصف قرن ويزيد، الطفلة فيروز في عدة أفلام من إنتاجه وإخراجه وبطولته، فأحدث ضجة واسعة الصدى بذلك النجاح الكبير الذي تحقق للطفلة المُعجزة التي لعبت أدوارا بطولية ووقف خلفها أساطين الفن المصري وأصحاب البطولات المُطلقة ليدعموها متقبلين بكل ارتياح أن يسبق اسمها أسماء الجميع على أفيشات الدعاية وتترات الأفلام، وتكون لها المساحة الدرامية الأوفر في الأحداث التي غالباً ما كانت تدور حول شخصيتها الدرامية.

وقد حصدت أفلام فيروز آلاف الجنيهات من عائد الإيرادات وارتبط بها الجمهور ارتباطاً قوياً باعتبارها أصغر بطلات السينما المصرية والعربية وواحدة من النماذج الفنية المعدودة على مستوى العالم، ولكن برغم كل هذا التأييد الجماهيري والشعبي ظل هناك مأخذ وحيد على أنور وجدي، كونه وظف إمكانيات الطفلة الموهوبة في أدوار أكبر من سنها فقامت بأداء بعض الاسكتشات الغنائية والتابلوهات الاستعراضية التي عملت خلالها على تقليد أشهر الراقصات كبديعة مصابني وتحية كاريوكا وسامية جمال، واتُهم النجم الكبير آن ذاك باستغلال المواهب العديدة للطفلة البريئة استغلالاً تجارياً، في الوقت الذي أشاد فيه بعض النقاد بالأداء الساحر لفيروز، تمثيلاً وغناءً واستعراضاً وأرجعوا تفوقها للجهد الكبير الذي بذله أنور وجدي فأسفر عن الاكتشاف المُبهر للموهبة الاستثنائية المدهشة، ولا شك في أن ما قدمته فيروز من أفلام غنائية واستعراضية مثل “ياسمين” و”فيروز هانم” و”دهب وعصافير الجنة” و”صورة الزفاف” و”الحرمان” كان إثراءً حقيقياً للسينما المصرية وإضافة يعود فيها الفضل إلى أنور وجدي، منتجاً ومخرجاً وممثلاً.

وإزاء ما تحقق من نجاح لهذه النوعية من الأفلام حاول الكثيرون تكرار التجربة مع أطفال آخرين لكنهم فشلوا في الوصول للمستوى نفسه، ولعل التجارب التي اختصت بتوظيف إمكانيات الطفلة بسيمة التي ظهرت في المرحلة نفسها كمنافسة لفيروز، كانت دليلاً على أن ما جاء كان مجرد اجتهاد فحسب. فلم تقدم بسيمة سوى بعض الاسكتشات الفنية كان أشهرها “اصحى يا نايم” الذي مثل صورة فولكلورية لاحتفال الأطفال بشهر رمضان في الحارة المصرية. غير أن محاولة أخرى جرت للاستفادة من إمكانيات لبلبة وهي طفلة في فيلم “4 بنات وضابط” مع أنور وجدي ونعيمة عاكف، ولكنها لم تتعد حدود التوظيف الثانوي للطفلة الصغيرة، بما يؤكد بالفعل أن فيروز كانت موهبة غير قابلة للتكرار.

وفي مراحل كثيرة من عمر السينما المصرية حدثت اكتشافات كثيرة للمواهب الصغيرة، نذكر منها الأدوار والشخصيات الشهيرة، والتي كان من أبرزها الطفلة التي لعبت دور البطولة في فيلم “حياة أو موت” للمخرج كمال الشيخ، وهي العنصر الذي قامت علية الأحداث بالكامل وتم استخدامها في تصعيد حالة التشويق والإثارة، وأيضاً الطفل أحمد يحي الذي تمتع بالقدر الأكبر من الفرص فلعب بطولات متميزة أمام عبد الحليم حافظ في فيلم “حكاية حب” وفريد شوقي في “رصيف نمرة خمسة” و”الأسطى حسن” وانتهى به المطاف مخرجاً.

وكذلك الطفل أحمد فرحات صاحب الدور الأشهر في فيلم سر طاقية الإخفاء مع عبد المنعم إبراهيم وتوفيق الدقن وزهرة العُلا، وأيضاً فيلم “إشاعة حب” أمام عمر الشريف وهند رستم.

ولا يمكن إغفال الأدوار المميزة للشقيقتين الصغيرتين إيناس ودينا عبد الله كعائلة زيزي والحفيد، فضلاً عن الحضور الفني الأجمل لمجموعة الأطفال في فيلم “أم العروسة” والذي مثل حالة شديدة الواقعية والتأثير. ولو عددنا الأمثلة سنجد عشرات النماذج لأطفال ساهموا في إنجاح عدد كبير من الأفلام القديمة والحديثة ولم يتوقف أمامهم النقاد كثيراً ولم تُعرف أسمائهم للجمهور، كفيلم “اليتيمتين” لفاتن حمامة و”جعلوني مجرماً” لفريد شوقي و”ملاك وشيطان” لرشدي أباظة ونجوى فؤاد و”السفيرة عزيزة” لسعاد حسني، دور “عصعص” صبي الجزار و”السقا مات” للطفل شريف صلاح الدين و”عالم عيال في عيال” والفيلم الغنائي “العفاريت” لعمرو دياب و”أفواه وأرانب” لفاتن حمامة ومحمود ياسين، فمن خلال التوظيف الذكي لأدوار الصغار قُدمت الرؤى التراجيدية والكوميدية والاجتماعية للقصص بأشكال متنوعة، وفي أغلب الحالات كانت البطولة غير المُعلنة للأطفال من عوامل النجاح الأساسية. لكن ثمة غُبنا وقع على الكثير ممن لم يحالفهم الحظ ليكونوا في المقدمة فتُسلط عليهم الأضواء، كأنها لُعبة الشهرة والنجومية ذاتها التي تساوم الكبار ولم تعطهم إلا ما يصيبونه من النزر اليسير ويحصلون عليه بشق الأنفس ليظلوا كما هم محصورين في خانة الدور الثاني بعيدين عن البطولة المُطلقة ولو كانوا جديرين بها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية