مسيرة سياسية مع السلطة الفلسطينية ووحدة تكنوقراط في غزة

حجم الخط
0

إذاً، ما العمل مع غزة؟ في كل جولة عنف يبدأ من جديد مراثون المقابلات الصحافية مع كل الطيف السياسي ممن يقترحون الكليشيهات العادية: ترميم الردع، احتلال غزة أو التسوية. ويدعي المتشائمون بأن ليس هناك ما يمكن عمله، والجولات ستستمر. كل هذه الأجوبة تعنى بحلول تكتيكية لا ترتبط بغاية استراتيجية وسياسية، ولهذا فهي محكومة بأن تكون قصيرة المدى. أما النهج الاستراتيجي تجاه مسألة غزة فيجب أن يتعاطى مع العموم الفلسطيني وليس فقط مع حماس أو الجهاد الإسلامي. وميل الحكومات الأخيرة في إسرائيل لخلق فصل بين قطاع غزة والضفة الغربية نجح في إقناع الجمهور بأن هذا بالفعل هدف مرغوب فيه، ولكن هذه فرضية أساسية مغلوطة. وخطة ترامب التي تضر بفرص السلام من نواح عديدة، هي التي أشارت إلى الحل المحتم للربط بين غزة والضفة.

كل حل لمسألة غزة يجب أن يتضمن السلطة الفلسطينية، ولكننا جعلنا السلطة غير ذات صلة بغزة، وهكذا حققت النبوءة ذاتها. في كل مرة كانت فيها محاولة للربط بين غزة والضفة، أفشلتها إسرائيل، فهذا ما عملته عندما حاول أبو مازن العمل على انتخابات فلسطينية، أو عندما حاول إقامة حكومة تكنوقراط يمكنها أن تشكل سلماً مناسباً لحماس للتقدم معنا دون أن تهجر في المرحلة الأولى أيديولوجيا الحركة، والذي هو شرط للتغيير في كل نزاع دولي سبق أن حل.

لقد أضعفنا السلطة الفلسطينية في أننا لم نسمح لسياستها ضد العنف ومع الحلول الدبلوماسية أن تحقق الإنجازات. نهج أبو مازن، منذ يومه الأول في منصبه، هو محاولة الوصول إلى تسوية، إذا كان ممكناً بالمفاوضات، وإلا فبالتوجه إلى المؤسسات الدولية. أما نحن فقد جعلنا محاولاته للحوار مع إسرائيل باعثة على الشفقة، لأننا واصلنا البناء في المستوطنات واستخدمنا المفاوضات كوسيلة للتسويف في الوقت ولخلق حقائق على الأرض. عندما حاول الفلسطينيون عمل ذلك بوسائل متعددة الأطراف، وصفنا هذا بالإرهاب السياسي واستخدمنا الأمريكيين لمنعه، رغم أننا بذات الوسيلة؛ أي بالتوجه إلى مؤسسات الأمم المتحدة، حصلنا على استقلالنا.

بينما يؤيد أبو مازن حل الدولتين والاعتراف بإسرائيل في حدود 1967 مع تبادل للأراضي، بل ووافق على مبدأ تجريد الدولة الفلسطينية من السلاح، نصر نحن على التعاطي مع حماس، التي تعارض وجودنا. وبينما يواصل أبو مازن توجيه قوات الأمن لديه للتعاون مع الجيش والمخابرات الإسرائيلية في منع العمليات، ويتهمه الكثير من الفلسطينيين جراء ذلك كمن يتعاون مع إسرائيل، نجدنا نثيب حماس ونغدق عليها العطايا والدفعات المالية عبر قطر.

إن حلاً طويل المدى واستراتيجياً لمسألة غزة يرتبط باستئناف المسيرة السياسية مع السلطة الفلسطينية، بتشجيع من حكومة وحدة تكنوقراطية في غزة، يمكن معها التقدم بالتدريج في الأعمال والتجريد. حل طويل المدى يجب أن يكون سياسياً. من كل محاولاتنا السابقة لخلق الردع، تعلمنا بأنه لا يوجد حل عسكري.

يوجد اليوم شركاء فلسطينيون أكثر جودة مما كان لنا في الماضي. عرفات الإرهابي حل محله أبو مازن الذي ينفر من الإرهاب، و”اللاءات الثلاثة” من مؤتمر الخرطوم للجامعة العربية (1967) (لا صلح، لا اعتراف ولا مفاوضات مع إسرائيل) حلت محلها مبادرة السلام العربية، والتي رسالتها هي: تقدموا سياسياً مع الفلسطينيين كي نتمكن من تطبيع علاقاتنا معكم، انطلاقاً من الفهم بأن إسرائيل يمكنها أن تكون جزءاً من الحل لمشاكل المنطقة وليست المشكلة.

بينما وقعت كل هذه التغييرات الإيجابية حولنا، واصل زعماؤنا القول لماذا لا يوجد شريك، في حين عززوا حماس. وعليه، فإن الخطاب الجماهيري في إسرائيل يعود كل مرة من جديد إلى ذات الاقتراحات التكتيكية التي لا تحل شيئاً. هذه الحلول تبدو منطقية بغياب بديل استراتيجي، ولكن يوجد بديل كهذا ولكنه يتطلب زعامة شجاعة وواعية وليس شعارات سياسية وكليشيهات فارغة من المضمون.

بقلم: نداف تمير

عضو اللجنة الإدارية في “ميتفين” – المعهد الإسرائيلي للسياسة الخارجية الإقليمية

وسابقاً، دبلوماسي ومستشار سياسي للرئيس بيرس

معاريف 27/2/2020

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية