القاهرة ـ «القدس العربي»: «كل حبة تُبذر، كل فأس يهوى، كل جدول يرمم، كل حبة عرق تلمع على الجباه.. تتحول إلى أحلام وردية.. تدفع الأيدي والأذرع وتقيم الأصلاب، فيندفعون لا يكادون يستريحون لحظة واحدة». (الشمندورة)
كانت حياة الكاتب والمناضل المصري محمد خليل قاسم ( 15 يوليو/تموز 1922 ــ 10 يونيو/حزيران 1968) على قصرها، تجربة من أهم التجارب الإنسانية في تاريخ اليسار المصري، فهو من القِلة التي آمنت بفكرها ممارسة وتطبيقاً، على العكس من كثيرين جعلوا من سنوات الاعتقال سبباً للمتاجرة بمناسبة أو بدون مناسبة، أو التحول عنها إلى أقصى اليمين مدافعين عن أفكار وشخوص لطالما وقفوا ضدها.
ولد محمد خليل قاسم في قرية (قتة) النوبية، لأب كان يعمل في الزراعة، إلا أن التعلية الثانية لخزان أسوان عام 1933، جعلت الأب يهجر مهنته إلى التجارة. سافر قاسم إلى القاهرة استكمالاً لدراسته الثانوية، ثم التحق بكلية الحقوق، إلا أنه تركها إلى الآداب التي كانت الأنسب لميوله الأدبية.
مسيرة مختصرة
ومع تواجده في القاهرة انضم قاسم في البداية إلى جماعة الإخوان المسلمين لفترة قصيرة، ثم انفصل عنها منضماً إلى الحركة الشيوعية المصرية. في عام 1947 كان ضد الحركات الانفصالية التي كانت تدعو لانفصال النوبة عن مصر، وانضم للحركة الديمقراطية للتحرر الوطني (حدتو) وكان من أشهر كوادرها، منادياً بأن تخوض كل من مصر والسودان «الكفاح المشترك ضد العدو المشترك»، ممثلا فى قوى الاستعمار. فتمت محاكمته عسكريا عام 1948 ليظل في السجن حتى عام 1953. ومع خروجه من السجن بدأت مرحلة أخرى من العمل، بعد يوليو 1952، حيث كان هناك تعاون بين الضباط الأحرار و(حدتو)، حتى أن بيانات الضباط خرجت من مطابع حدتو.
ولم يلتقط الرجل أنفاسه حتى تم انقلاب الضباط ضد الشيوعيين والإخوان المسلمين معا، في تلك الفترة أصبح قاسم مطاردا من جديد، كقيادي في حركة (حدتو) وظل يهرب من مخبأ لآخر، حتى تم اعتقاله، وقضى عقوبة السجن لمدة عشر سنوات في السجن الحربي في ما سُمى بقضية (64) عام 1954، ومن السجن الحربي إلى سجن المحاريق في الواحات الخارجة، حيث حشد فيها أعضاء تنظيم (حدتو) عام 1959، ثم اجتمعت كافة التيارات الشيوعية والمتعاطفين معها في نهاية عام 1962 داخل سجن الواحات، هذا السجن الذي لم يغادره محمد خليل قاسم إلا عام 1964، وهو العام نفسه الذي أنجز فيه روايته الشهيرة والوحيدة «الشمندورة».

رواية السجن
بداية لم تحدث دراما النوبيين ــ حسبما ذكر خليل كلفت ــ في القرن العشرين، أي الشتات بسبب خزان أسوان والسد العالي دفعة واحدة. فقد انتهى بناء خزان أسوان عام 1902، وتمت تعليته الأولى عام 1912 وتعليته الثانية عام 1934، وصولاً إلى بناء السد العالي، حيث كان الخروج النوبي النهائي عام 1964. وكانت كل خطوة من هذه الخطوات الأربع تعني منسوباً جديداً أكثر ارتفاعاً لمياه النيل. ولأن القرى النوبية قرى نيلية تقع على النيل مباشرة، كما أنها تقع من ناحية أخرى جنوب الخزان، كان من المنطقي أن يعني كل منسوب جديد أكثر ارتفاعاً أن تغرق المناطق المنخفضة عن ذلك المنسوب في كل قرية.
وتتواتر الأخبار عن كل مَن عاصر خليل قاسم داخل السجن، أو مَن سمع منه بعد خروجه، عن ظروف كتابته لرواية «الشمندورة»، نذكر منهم رفعت السعيد، خليل كلفت، يحيى مختار، وسمر نور. فيرى بعضهم أن بناء السد العالي كان له أكبر الأثر في كتابة قاسم روايته، فهو حادث استدعى طفولته التي عاشها في قريته النوبية أثناء بناء خزان أسوان ــ التعلية الثانية للخزان ــ خاصة أن بطل الرواية (حامد) طفل تُروى الأحداث من وجهة نظره، لكن المؤكد أن الرجل بدأ في كتابة الرواية عام 1961. حيث كان يقوم بالكتابة على ورق البفرة ــ ورق للف التبغ ــ وبقلم من نوع الكوبيا. فالورق ممنوع في السجن. وهو شيء يكاد يكون مستحيلاً، لرواية تتجاوز صفحاتها الـ 500 صفحة ــ 528 صفحة من القطع الكبير ــ وكان يتم تهريبها من خلال أقارب وأصدقاء السجناء أثناء الزيارات. وقد صدرت الرواية مُسلسلة في مجلة «صباح الخير»، حتى صدرت في كتاب مطبوع عن دار الكاتب العربي للطباعة والنشر عام 1968 وهو عام وفاة قاسم. من ناحية أخرى تعد هذه الرواية الأساس الذي انطلق منه بعد ذلك معظم الكتاب النوبيين، على اختلاف أساليبهم ووجهات نظرهم، لما كان وما هو كائن، ما بين موقف لا يلين من مسألة التهجير، أو مهادنة مع السلطة ليستظل بظلها. نذكر منهم.. حسن نور، يحيى مختار، حجاج أدول، وإدريس علي أكثر هذه الأصوات حدة.
حضرة الناظر
ونعود لأيام قاسم في السجن، لنجده أكثر رحمة بجلاديه، متعايشاً بمبدأ لا يحيد عنه، وهناك واقعة أكدها كثيرون، ذكرتها سمر نور، نقلاً عن الكاتب صلاح حافظ ــ مجلة «أدب ونقد» عدد 48 يوليو 1989 ــ قائلاً.. تصادف يوم وصولنا المعتقل صدور قرار يقضي بفصل أي موظف في الدولة لا يعرف القراءة والكتابة، وكان تسعون في المئة من السجانين الذين يحرسوننا من هذا الطراز. وهؤلاء كان يجب أن يتعلموا في ثلاثة أشهر فقط قبل سحب طاقم السجانين واستبدالهم، وبالفعل قام المعتقلون بمحو أمية سجانيهم، واشتهر الأمر في كافة المعتقلات، حتى أن السجانين كانوا يطلبوا نقلهم إلى معتقل الواحات من أجل الحصول على دروس محو الأمية، وكان هو ناظر هذه المدرسة، والمشرف على عملية التعليم، حتى أطلق عليه سجانوه (حضرة الناظر).
تكشف الرواية عن صراع في العلاقة بين أهل النوبة والشمال، فالنوبيّ يرى أن الشمال مصدر للقلق والاضطراب، لكنه يضطر للهجرة إليه للعمل، وهو ما أحدث مشكلات اجتماعية ونفسية واقتصادية كبيرة، وأخذ يظهر ــ حسب خليل كلفت ــ ذلك النمط الجديد من النوبى البواب أو الطباخ أو السفرجي.
«الشمندورة»
«نحن منكوبو التعلية الثانية، احترقت خيامنا والتهمت النار تعويضاتنا، وداس الفيضان زراعتنا. إرحموا مَن في الأرض يرحمكم مَن في السماء». (حامد يكتب شكواه إلى القاهرة. الشمندورة)
تأتي رواية «الشمندورة» ــ الشمندورة جسم يطفو فوق سطح البحر أو النهر، ويكثر وجودها في الموانئ ومناطق رسو السفن، يتم تثبيتها إلى القاع بواسطة جنزير فيه خطاف أو ثقل كاف، حتى لا تتحرك من موقعها الذي وضعت فيه، وتربط السفن والوحدات العائمة بمختلف أنواعها إلى الشمندورات لتأمين رسوها ـ بدون أن تفصل ما بين الحقيقي والخيالي، وإن كانت كُتبت توثيقاً لأحداث وأماكن لن تعود ثانية، إلا أنها في الوقت نفسه تتماس بقضية لم تزل تتواتر حتى الآن. فيستدعي قاسم أحداث التعلية الثانية لخزان أسوان، مستحضراً شخصيات حقيقية ناضلت ضد ما حدث ودفعت ثمناً غالياً، منهم على سبيل المثال .. سليمان عجيب، بدر أفندي، وحسين طه، الشاب المتعلم ابن نائب البرلمان الذي حاول اغتيال صدقي باشا، ممثل الخراب لدى النوبيين.
تبدأ الرواية بعين الطفل حامد وهو يصف قدوم الأفندية أصحاب الطرابيش الحمراء والوجوه البيضاء على ظهر سفينة، لجرد الأراضي والنخيل ومتعلقات أهل القرية لبدء عمليات التعويض. وما بين مظاهر الفضول من الصغار (حامد وبرعي وشلتهما) لرؤية هؤلاء الأفندية ومحاولة النوبيين التمسك بأرضهم وعدم قبول التعويضات، راوية بين فصولها مشاهد عن المأساة والامتثال لأمر الحكومة بقبول التعويضات، وصولا إلى المكان البديل، وما صحب ذلك من حنين للأرض. وتنتهي بالراوي الطفل وقد صار في الثالثة عشرة من عمره، وعودته إلى المدرسة في (عنيبة) تاركاً القرية خلفه، ليكون هو الأمل الذي تنتظره القرية بعدما سافر العديد من أبنائها إلى مصـر، فانقطعت أخبارهم عنها. وهنا تتلاقى حياة الطفل الراوي في الرواية مع طفولة محمد خليل قاسم.
أما في ما يخص الجزء التوثيقي من ناحية الشخصيات، والتي أهمها شخصية «حسين طه» فقد قام بمحاولة اغتيال لرئيس الوزراء إسماعيل صدقي، الذي تجاهل جميع مطالب النوبيين. ويذكر قاسم في روايته أن إسماعيل صدقي كان ينظر إليه في عجب واستنكار، ذلك لأنه لم يكن يتوقع أبدا أن تأتيه الضربة من رجل أسود. كما تكشف الرواية عن صراع في العلاقة بين أهل النوبة والشمال، فالنوبيّ يرى أن الشمال مصدر للقلق والاضطراب، لكنه يضطر للهجرة إليه للعمل، وهو ما أحدث مشكلات اجتماعية ونفسية واقتصادية كبيرة، وأخذ يظهر ــ حسب خليل كلفت ــ ذلك النمط الجديد من النوبى البواب أو الطباخ أو السفرجي.
عن القرية وعالمها
ومن خلال الرواية يوضح محمد خليل قاسم تفاصيل دقيقة عن القرية النوبية، مستدعياً الكثير من المظاهر الحياتية والاجتماعية، وكذلك تفاصيل المكان ومفرداته ولغته. ومن أهم هذه المظاهر تأتي الاعتقادات المتمثلة في أساطير وخرافات المجتمع النوبي، التي ينحصر أغلبها بأصل الخلق والظواهر الكونية وما بعد الموت، أما الخرافات فكثيرة، منها تصديق أن الجن هو الذي يوصل البريد، مع أن أفراد النجع جميعهم يرون باخرة البوستة وهي تذهب وتأتي بالبريد، ومنها خوف حامد وغيره من العفاريت، ورواج نشاط كل من فكيهة ضاربة الرمل والشيخ الشاذلي كاتب الأحجية. كذلك استحضار قصة «سيف بن ذي يزن» التي يقرؤها حامد أثناء شهر رمضان، ومنها بحث عن أصول النيل، ذلك الذي ينبع من الجنة، وتفسير لسر استعباد الساميين للحاميين، التي سببها غضبة النبي نوح، على ابنه حام، لأنه لما كشف عن عورته وهو نائم ورآها ولداه حام وسام، ضحك حام وسخر، في حين نهاه سام ونهره، وظلا على هذه الحال حتى ارتفع صوتهما فاستيقظ النبي وأدرك ما هما فيه، فرشق حام الذي لم يرع حرمته بنظرات غاضبة، ورفع يديه إلى السماء «رب.. لتجعلن وجه حام ولدي أسود مثل القار»، على الفور بدأ وجه الولد يتحول، يربد ويغير ثم يسود، حتى أصبح لامعا مثل الأبنوس، ويدعو ربه دعوة أخرى «رب يا ذا الجلال.. إجعل أولاده جميعا سود الوجوه»، أما الدعوة الثالثة فهي دعوة الاستعباد «وليكونوا جميعهم خدما عند سام وأولاد سام في الحال والترحال آمين». فيرد سام من خلفه (آمين)». هذه المفارقة وغيرها الكثير تأتي في تساؤل لا جواب له عن سر اللعنة التي يدفع ثمنها النوبيون حتى الآن.