دمشق – «القدس العربي»: استعادت المعارضة السورية المعتدلة المدعومة من الجيش التركي مدينة سراقب الاستراتيجية في ريف إدلب الشرقي عدة مواقع أخرى، شمال البلاد، بعد معارك طاحنة دارت مع النظام السوري والميليشيات الروسية، انتهت بهزيمة حلف بوتين وتكبدهم خسائرهم عسكرية كبيرة، وهي تطورات عقب عليها الرئيس التركي رجب طيب اردوغان بالقول إن مسار الأحداث في إدلب السورية بدأ يتغير لصالح بلاده.
وتعد مدينة سراقب، شرقي إدلب، إحدى أهم العقد الاستراتيجية للطريقين الدوليين إم-4 الواصل بين حلب واللاذقية، وإم- 5 الرابط بين حلب ودمشق، إضافة إلى طريق إدلب- باب الهوى، وبفقدان روسيا السيطرة على المدينة، تكون أمام خسارة ورقة مهمة للغاية في الشمال السوري، وخروج الطرق الدولية عن سيطرتها.
كما سيطرت المعارضة السورية المعتدلة على بلدات «الترنبة وشابور» جنوب غربي سراقب وبلدة «كنصفرة» في منطقة جبل الزاوية بريف إدلب الجنوبي، إضافة إلى بلدة «كفربطيخ» بريف إدلب الشرقي، وهي مواقع تجعل الجيشين التركي والوطني السوري على مسافة 12 كيلو متراً فقط من مدينة معرة النعمان الاستراتيجية أيضاً، في حين أن العملية الأخيرة، مكنت الجيش التركي من فك الحصار عن نقاط المراقبة كافة العائدة له في سراقب ومحيطها.
موسكو غاضبة: بوتين لن يلتقي اردوغان… أنقرة: تقدم ميداني وتحسين شروط التفاوض
التطورات العسكرية الأخيرة في الشمال السوري، تأتي في ظلال مناوشات سياسية تركية – روسية، وفي ظل وجود وفد روسي ممثل للرئيس الروسي «بوتين» في تركيا، حيث فشلت جولة الأربعاء من التوصل لنتائج مرضية للجانبين، ليتم الإعلان عن جولة جديدة الخميس.
غضب روسي وبرود تركي
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بدا غاضباً من استعادة تركيا لمدينة سراقب وضواحيها، وهو ما دفعه للانسحاب جزئياً من القمة المرتقبة في اسطنبول في الخامس من شهر آذار/مارس المقبل، إذ قال الناطق باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف، الخميس: «جدول الرئيس فلاديمير بوتين لا يتضمن حتى الآن لقاءً مع نظيره التركي رجب طيب اردوغان في 5 آذار المقبل». كما لم تخف موسكو امتعاضها من دعوة اردوغان لدول أوروبية «ألمانيا وفرنسا»، للمشاركة في القمة الرباعية، لتعرب وزارة الخارجية الروسية، عن شكوكها بجدوى انضمام فرنسا وألمانيا ودول أخرى إلى المباحثات الروسية التركية حول الوضع في محافظة إدلب السورية.
وقالت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا أمس الخميس: «إذا كان الحديث يدور حول المباحثات الثنائية فيجب أن يتم إيجاد الحلول بصيغة ثنائية»، وأشارت إلى أن دولاً أخرى غير روسيا وتركيا لم تلعب «أي دور حاسم» في تسوية الوضع على الأرض في سوريا وتساءلت: «ما الهدف من توسيع الصيغة الثنائية؟
أما المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم عمر جليك، فقال وفق «الأناضول»: إن جيش بلاده استكمل استعدادته ليقوم بمهامه عند انتهاء المهلة المحددة لقوات النظام السوري من أجل الانسحاب إلى خلف نقاط المراقبة التركية وفقاً لاتفاق «سوتشي»، معتبراً أن لقاء اردوغان – بوتين سيكون نقطة تحول ضد قوات النظام السوري، معتبراً أن العناصر المقترحة خلال المحادثات بين الوفود مخالفة للاتفاقيات المبرمة.
عسكرياً، أشار وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، إلى أن محادثات بلاده مع الوفد الروسي حول إدلب وصلت إلى نقطة معينة، مبيناً أن تركيا ستحدد موقفها على أساس نتائج المحادثات التي ستتضح في غضون يومين.
ويمكن قراءة الواقع في منطقة إدلب من خلال المعطيات الآتية، أولاً: عمليّة التفاوض وشروطها والمطلوب للطرفين، وهنا يمكن حسب الباحث السياسي في مركز جسور للدراسات عرابي عرابي، ملاحظة خيارين قدّمهما الروس للأتراك، يقضي العرض الأول بانسحاب الأتراك والفصائل من كامل محافظة إدلب إلى شريط حدودي ضيّق مع تركيّا مع تعديل المساحات التي يمكن لتركيا التدخّل فيها ضمن اتفاقيّة أضنة.
أما العرض الثاني فيهدف إلى تثبيت سيطرة النظام على المناطق التي انسحبت منها الفصائل السورية، بالتوازي مع إعلان اتفاقٍ جديدٍ مشابه لاتفاق سوتشي.
من الواضح أن الأتراك، وفق ما قاله عرابي لـ «القدس العربي» لم يقبلوا بالعرض الأول والثاني، وذلك يوحي بالالتزام بالشرط الذي أعلنه الرئيس التركي من أنه يجب على النظام الانسحاب إلى ما خلف خطوط المراقبة التركية، التي باتت بأغلبها محاصرة الآن.
ويأتي دعم تركيا للمعارك الحاليّة ليتضمن رسالتين لروسيا، وهي أن تركيّا قادرة على تنفيذ مطالبها، وأنها تستطيع دعم فصائل الجيش الوطني السوري لتستنزف قوات النظام والميليشيات والدول الداعمة له على المدى الطويل، مما يوقع روسيا في مأزق الضياع في متاهة الاستنزاف والمعارك بلا نهاية وهذا يفاقم المشكلة عليها بينما كانت تبحث عن حلّ سريع في إدلب.
وتفيد السيطرة على النيرب وسراقب تركيّا بمنحها نقطة قوة في المفاوضات مع روسيا، بحيث تلوّح لها بقدرتها على الاستمرار في المعركة حتى طريق إم- 4 وإم-5. بالكامل إن أرادت ذلك.
سقف المعارك
ومما تظهره تصريحات الرئيس التركي، حسب الباحث السوري، فإن معركة سراقب أو معرة النعمان ليست السقف، بل هي البداية على الأرجح، وما تظهره تصريحات المسؤولين الأتراك وتسريبات المفاوضات، تشير إلى صوابيّة هذا التحليل.
إلا أنه بالتوازي مع ذلك فإن الأتراك والروس أنفسهم، حسب الباحث السوري، لا يفضّلون الانجرار إلى مواجهة شاملة، ويتمّ تقييم الخيارات من قبل الطرفين قبيل انتهاء المدة التي حددها الرئيس التركي، إلا أن روسيا هنا وإن أظهرت تفوُّقًا في سلاح الطيران، إلا أن محافظة إدلب امتلأت بقواعد بآلاف العناصر من قوات الجيش التركي، إضافة إلى قدرة تركيّا تحييد سلاح الطيران عبر خيارات التشويش أو قبول إحدى دول الناتو نصب بطاريات الباتريوت على حدودها أو عبر إسقاط طيران النظام عبر منظوماتها المحلية الصنع.
كما هو معلوم فإن تركيا تمتلك 3 سيناريوهات، المواجهة الشاملة لقوات النظام بدون انسحابها، إضافة إلى المواجهة المحدودة ثم انسحاب قوات النظام باتفاق مع الروس، أو دخول روسيا على خط المواجهة مع النظام على كلا الحالتين.
ويبدو أن خيار المواجهة محتوم لدى تركيا، لما يرتبط ذلك بهيبتها كدولة إقليمية تتشابك مصالحها في ملفات متعددة، كما أن الروس يتوجّسون ولا يغامرون بانهيار العلاقات مع تركيا، ولذا فإنه يبدو أن تكون المعركة محدودة مع قوات النظام ثم يتوصل الطرفان – أي الأتراك والروس – إلى اتفاق يقضي بانسحاب قوات النظام إلى ما وراء نقاط المراقبة مع عودة المهجرين إلى مناطقهم إضافة إلى جعل هذه المنطقة مساحة فصل بين قوات الجيش الوطني وقوات النظام مع الإقرار بوضعية قانونية جديدة لمنطقة إدلب على غرار مناطق العمليات الثلاث «درع الفرات، غصن الزيتون، نبع السلام».
عملية تبادل
المرصد السوري لحقوق الإنسان قال إن عملية تبادل جرت بين قوات النظام والفصائل في الريف الحلبي، حيث شهد معبر أبو الزندين الفاصل بين مناطق سيطرة الطرفين شمال شرقي حلب بالقرب من مدينة الباب، عملية تبادل جرى خلالها تسليم قوات النظـام أسـيرين من قواتـه، بالإضـافة لجثة أحد عناصره كان قد قتل خلال المعارك الأخيرة، مقابل تسلم فصائل «الجيش الوطني» لمواطنة وطفلة كانتا معتقلتين عند أجهزة النظام الأمنية.
ونعت «حركة فلسطين حرة»، وهي ميليشيا مرتبطة بإيران، مقتل 7 من أفرادها على محاور القتال في الشمال السوري، كما سقط العشرات من عناصر الميليشيات الروسية والإيرانية قتلى وجرحى خلال المواجهات مع الفصائل الثورية.