قد لا يبدو عسيراً التيقن من فاعلية أية منظمة في أداء المهام المنوطة بها من خلال مقارنة الأهداف التي أعلنتها والبرامج التي رسمتها بما أنجزته منها أو ما هو في طور الإنجاز. وبهذا نكون على بيّنة من كون تلك الفاعلية موجودة أو لا. وهذا التعيين الافتراضي ينطبق على أي تشكيل أو تنظيم أنشئ لفائدة ينتظر منه تحقيقها، وجدوى للحياة العامة يراد منه تقديمها.
وقد يدلل على غياب الجدوى الوظيفية اقتصار عمل المنظمة أو التشكيل على المستوى النظري فقط والمتمثل في عقد اجتماعات دورية وتنظيم مؤتمرات ذات صياغات ديباجية وتوصيات طوباوية تتطلع للواقع بتهويمات غير عملية، بها يغدو الواقع مجرداً من أزماته المأساوية، ومترائيا لها من خلف شرفات برج عاجي وبصيغ دبلوماسية هي أقرب للسياسة منها للثقافة وبرسمية أكثر من اعتيادية.
وإذا كان هذا الحال ينطبق على المنظمات غير الفاعلة، عربية أو غير عربية، محلية وغير محلية موجودة بالاسم فقط وليس لمسمياتها أثر البتة؛ فإن هذا الانطباق سيكون أشد ألماً في شأن منظمة لها من الإمكانيات الدولية ما هو كبير، وعندها من المتاحات الإنتاجية والإبداعية ما هو ممتد وأصيل مثل المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم “ألكسو” ALECSO)).
فهذه المنظمة التي أنشأتها جامعة الدول العربية عام 1970 وجعلت مقرها تونس، جامعة فيها الميادين الثلاثة الحيوية والخطيرة الثقافة والتربية والعلوم ـ وكل ميدان منها ينبغي أن تكون له منظمة لوحده ـ هادفة تحقيق جملة أغراض، منها (التمكين للوحدة الفكرية بين أجزاء الوطن العربي عن طريق التربية والثقافة والعلوم ورفع المستوى الثقافي، من خلال رفع مستوى الموارد البشرية وتطوير القطاعات التربوية والعلمية والبيئية والاتصالية وتنمية اللغة العربية داخل الوطن العربي وخارجه ومد جسور الحوار والتعاون بين هذه الثقافة والثقافات الأخرى في العالم).
وتنضوي في هذا الهدف العام أهداف أخرى تتعلق بثقافة الطفل العربي، ودراسة العولمة الثقافية، والاهتمام بالإبداع والصناعة الثقافية، وإقامة سوق ثقافية عربية مشتركة ومعارض للصناعات الثقافية، وصندوق المحتوى الثقافي العربي والسياحة الثقافية، والترابط بين الثقافة وبرامج الاتصال، والمحافظة على التراث الثقافي العربي، وإنشاء قاعدة معلومات إقليمية حول الممتلكات الثقافية المادية وغير المادية. وهذا الهدف الأخير هو الذي سنركز عليه مستجلين فاعلية الألكسو في تحقيقه أو عدمه.
ويعود الاهتمام بالتراث الثقافي عالمياً إلى تحذيرات من ضياعه أطلقها متخصصون في المعهد الفكري التعاوني التابع لعصبة الأمم في أثينا عام 1931 على أعقاب الكوارث الإنسانية التي خلفتها الحرب العالمية الأولى، بوصف التراث ذاكرة حية ومعلماً من معالم الهوية الثقافية، وهو استراتيجية إذا اندثرت أو ضاعت لن تتجدد مثل البترول تماما، مما يتطلب جمعه وتوثيقه وإعادة بنائه وتقييمه وترميمه وتأهيله والمحافظة عليه من السطو وعدم المبالاة والتعرض للكوارث كالحرائق والزلازل والفيضانات أو العمليات الإجرامية…الخ.
وما يشهده العالم العربي من صحوة في هذا المجال؛ إنما هو انعكاس طبيعي للتوجه العالمي في الاهتمام بالمصادر الثقافية وأهمية المحافظة على الموروث الثقافي المادي المنقول والثابت كالمباني المعمارية والنحتية والأماكن الأثرية والتحف الفنية والمخطوطات والكتب والأشياء ذات القيمة الفنية والتصويرية المنقوشة وأعمال اشتركت الطبيعة مع الإنسان في انجازها، وكذلك الموروث الثقافي غير المادي بوصفه جزءا من ذاكرة الأفراد والأمم والمجتمعات، كالخبرات والمهارات والعادات والتقاليد والأعياد والحرف والمنتجات التقليدية الشعبية والأدوات والقطع المصنعة يدويا، فضلا عن المصادر التراثية الشفاهية كالشعر والغناء والقصص والحكايات والفعاليات الاحتفالية كالرقص والدبكات والتي تنتقل من جيل إلى جيل كممتلكات ثقافية حاملة لقيمها، ولها أهميتها الجلية في رسوخ الهوية الوطنية بوجه العولمة.
ولأهمية هذا الهدف انضوت في منظمة الألكسو معاهد عربية كمعهد المخطوطات العربية في القاهرة ومكتب تنسيق التعريب في الرباط ومعهد الخرطوم العالي للغة العربية والمركز العربي للتعريب والترجمة والتأليف في دمشق. وتشاركت معها منظمات دولية كاليونسكو والبنك الدولي ومؤسسات أجنبية غير حكومية معنية بالتراث وعاملة في العالم العربي بموجب اتفاقيات خاصة، مثل المجلس الدولي للمعالم والمواقع “الإيكوموس” والمجلس العالمي للمتاحف “الإيكوم” ومؤسسات عربية وإسلامية حكومية مثل المعهد العربي للإنماء والمنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم “الإيسيسكو” التي غيرت اسمها في كانون الثاني/يناير الماضي 2020 إلى منظمة العالم الإسلامي للتربية والثقافة والعلوم, كما تعاونت مع الألكسو اتحادات عربية كاتحاد إذاعات الدول العربية واتحاد الأدباء والكتاب العرب واتحاد الجامعات العربية، ومنظمات غير حكومية كمنظمة الأغاخان وجمعية أصدقاء الآثار وغيرها.
وعلى الرغم من كل تلك الارتباطات والتشاركات الدولية والقطرية؛ فإن ما حققته الألكسو من تقدم يكاد أن يكون غير ملموس وبلا معطيات عملية، فما من مراجع متخصصة توثق المعالم التاريخية العربية ولا قاعدة بيانات تراثية مبنية وفق منهج بحث علمي أكاديمي يؤرشف الموجود في الذاكرة الشفاهية المندثر منها أو ما هو في طريقه إلى الاندثار، ولا تم بناء متاحف ودور كتب ومخازن جديدة ومميزة معدة لوقاية الممتلكات الثقافية المنقولة، ناهيك عن عدم تطوير التقنيات والمنهجيات في الحفاظ على المواد التراثية بما يسمى “ترميم القادم من بعيد” بوصف الترميم تخصصا جديدا في مجال البحث التاريخي الحديث يعتمد على برمجيات متقدمة في المحافظة على الموروث من التلف وإعادة تأهيله والاكتراث بتصليحه والتحري عنه.
والمفترض بمنظمة الألكسو أن تقارب في أداء مهامها العربية ما تعمله اليونسكو في الحفاظ على التراث الثقافي العربي وإنقاذه، والحفاظ على غناه وتعدده ورعايته والاهتمام بكل ميادينه، لاسيما أن الألكسو تملك ميزانية كبيرة هي مجموع مدفوعات الدول العربية فيها، ولها خطط وبرامج استوجبت فتح مراكز متخصصة قطرية في أكثر من عاصمة عربية لأجل المساعدة في عملها، منها مركز للمساقات في بغداد معطل عن العمل منذ عقدين، ولم تعمل المنظمة على تفعيل دوره من جديد.
وبعد أن مرَّ أكثر من أربعة عقود على انشاء الألكسو، نتساءل هل حققت هذه المنظمة هدفها في المحافظة على التراث الثقافي العربي؟ هل وضعت في حسابها تنفيذ برامج كانت اليونسكو قد اعتمدتها بقوة في سبيل جمع التراث الشفوي والفولكلوري والذاكرة الشخصية خوفا من فقدانها أو اندثارها على يد جماعات تحارب هذا الإرث وتحاول محوه؟ وما دلائل التلاحم المتحفي العربي والتكاتف الإقليمي والدولي، وما معارض الكتب والنشاطات الفنية والتبادلات الجامعية والترجمية والتأليفية التي حققتها الألكسو؟
ووقوفا عند آخر مؤتمر للألكسو عن الآثار والتراث الحضاري في الوطن العربي الذي عقد في نيسان/أبريل 2018 في عمان، لا نجد معطيات إجرائية ونتائج عملية تمخضت عنه على الصعيدين الإقليمي والعربي، كما لا مؤشرات تدلل على مواجهة الألكسو لعمليات طمس التراث الثقافي في فلسطين والعراق.
وقد يقال إن هذا المؤتمر العاجي انبثقت عنه ورشة نوعية، حددت لها أهداف هي “التوثيق الرقمي للقطع والمواقع الأثرية والمعالم العالمية وتكثيف استخدام وسائل الإعلام المختلفة وشبكات التواصل الاجتماعي والتوعية الأثرية وتقييم حالات المحافظة على التراث وجرد الممتلكات الثقافية وتسجيلها على لائحة التراث العالمي والحماية القانونية للممتلكات في وقت النزاع” فنجيب متسائلين، أليست هذه الأهداف الشائكة هي من واجبات الألكسو المطلوب منها أصلا أن تقوم بها؟ ثم كيف لورشة أن تؤدي كل ذلك في غضون عام واحد وهو ما لم تؤد الألكسو جزءاً منه طيلة عقود؟ إلا إذا كانت هذه الورشة تملك الفانوس السحري فتستدعي مارده كي ينفذ لها ما ألقته المنظمة على كاهلها من أمنيات مستحيلة، متجاهلة بذلك مسؤولياتها الأساسية التي أنشئت من أجلها.
ولا غرو أنّ الحاجة إلى اللجان والورش في حماية التراث الثقافي لا تعني الاتكال عليها في أداء مهام موكلة بالجهة المنشئة لها أصلا، بل تعني وسائل إجرائية مبنية على سياسة تنفيذية في دعم العمل المنظماتي الذي ينبغي أن يفيد أيضا من التعاون مع منظمات عالمية ذات تجارب مهمة في معايشة التراث الثقافي وإنقاذه من الضياع عبر الأرشفة والحوسبة وتسخير الإعلام لأغراض التوجيه حول كيفية المحافظة على مصادرنا التراثية الثقافية.
ولكي لا تكون مؤتمراتنا واجتماعاتنا استعراضية دعائية نسمع فيها أقوالا منمقة وفخمة، ولا نرى بعدها جهوداً حقة، فإن من الواجب ألا تقتصر على أصحاب المعالي والفخامة من الوزراء العرب ومن يمثلهم؛ بل تشتمل أيضا الجنود المجندين في الميدان الذي خبروا التراث الثقافي وعرفوا مكامنه وامتلكوا صورة حقيقية عن كيفيات جمعه والنهوض به وتطويره، من الآثاريين المتخصصين والباحثين الأكاديميين والعاملين المشهود لهم بالخبرة الطويلة والقادرين على تذليل صعوبات تطوير وسائلنا وحساسيتنا الفردية تجاه العمل بالتقنيات الحديثة وكيفيات تطويعها وإشاعتها في مجال الأرشفة والترميم والتقييم، لتكون لنا مدرسة عربية خاصة في إدارة إرثنا الثقافي.
وفي نظرة مستقبلية للألفية الحالية علينا أن نتحقق من المستوى الذي بلغناه في تقدير قيمة تراثنا الثقافي واحترام ذاكرتنا والحفاظ عليها وانقاذ معالمنا الثقافية والبيئية بشكل يساوي الاهتمام العالمي بالموروث الثقافي وبرؤية موحدة وجماعية، كي لا نكون متأخرين عن صيانة ممتلكاتنا ومساهمين من دون أن ندري في إضاعة مصادرنا وأصولنا ومعالمنا الثقافية وإهدار إرثنا المادي والروحي، متكلين على منظمة تنظر إلى الواقع العربي وتراثه التليد من شرفات برجها العاجي.
كاتبة عراقية