يقول جان بودريار: تكمن وظيفة التلفزة من حيث المبدأ، في نقل الحدث بكامل الموضوعية.
أصبح عالم الصورة ينافس مشاريع بناء وإعادة بناء الوعي، بما يحدثه من حبس الأثر وإعادة إنتاجه كلما دعت الضرورة، ليعيد بذلك قولبة الفهم والوعي بالحدث مجدّدا، والهدف من ذلك تكبيل العقل في إدراكه الأوّلي، أو في استعاداته المناسباتية للحدث، بفعل زيف التوجيه المقصود، إلا إذا تعلّق الإدراك بثيمات جمالية ينبع منها الحدث، تنشد الإبداع أوّلا وتثير الإنساني في بَثِها، مقيمة بذلك صلب الشراكة الثقافية التي ضاع مفهومها بين حسابات الاقتصادي وجدل السياسي، وعند هذا المِفْصَل من إدراك جوهرية الإعلام التي تخاطب الجمالي/ التشاركي، يندرج الشريط التسجيلي «تجليات مصرية» الذي قدّمه الرّوائي جمال الغيطاني.
ارتكزت «التجليات» التسجيلية على إيحائية العنوان الذي يلامس مباشرة وجدان المتلقي كلما لامست «التجليات» أفقا مكانيا بتقنية تعتمد التداعيات، فتنتشر الصّورة ارتداديا لتثير الوعي بالإطار التحليلي للمشهد، لأنّ الدور الذي قام به جمال الغيطاني، ليس أكثر من تقديم مفاتيح إشارية، وترتيب رؤية، تاركا هامش التأويل لقدرات المتلقي، وهو الشّيء الذي لم يكن في الإمكان تحقيقه لو تمّ الاعتماد على مجرّد مناقشة النص المقروء.
الذات والموضوع.. تمثلات روحية:
يجنح جمال الغيطاني إلى صوفية رقيقة متدفقة من إحساس جمالي بالمحيط، يتّجه متثاقل الخطى نحو المسجد متأملا بمعرفية شفّافة عناصره الهندسية، فالشُرَّفة مع مثيلاتها، ترمز إلى الروح، والمئذنة ترحل في الفراغ إلى الأعلى حيث الله عزّ وجل ــ يوجّه الغيطاني الوعي إلى معنى الفراغ – فراغ الشُرّفات، وفراغ رحلة المئذنة، ترميز للفراغ الإبداعي الذي يتفرد به الغيطاني لبناء مشروع استعادة الوعي الحضاري، مرتّبا إعادة إدماج المهمل في دائرة الوعي. إنّ المقبرة كفضاء تحيطه اللامبالاة، تلتقطه الرحلة الغيطانية، مُوَجِّهَة الوعي إلى انفتاح هذا الفضاء على عالم الحركة، إذ يمثل في التاريخ الثقافي الوجودي المصري القديم، نهاية الطريق، لذلك تحاذي المقبرة الحي السّكني باعتباره بداية الطريق، ولا شك أنّ الرّسالة قوية في هذا التجلي، وما يمثله من انتقال رمزي بين عالمي الفناء والخلود..
لا تدرك التجليات في التجريد المعرفي، معزولة عن السياقات الجوهرية، بل تتحرك بقوة التجاذب بين الذات الغيطانية وموضوع التجليات، فترتقي الذات الغيطانية مداراتها الانفعالية مجذوبة في حضرة الأثر الموسوم «بالعبق» و«العتاقة»، حيث تصبح الذات والموضوع مقاما في توهّجات الفناء و«عذاب الصّوفي».
تدمير المهيمن / أسئلة المغيّب:
«تجليات مصرية» عتبة الإقبال على «الإنتاجية النصية» بتعبير كريستيفا في عالم الغيطاني التوثيقي، الذي يشتغل على التراث لتأسيس نص حداثي يغترف من التاريخ، منتجا المفاهيم المعبرة أو همزات الوصل (العبق والعتاقة) بين قابلية التواصل في التاريخ وقابلية الاحتضان في الراهن، وبهذا يتداعى الزّعم بسكونية الماضي وقطيعة الحاضر.
التجليات عالم بسيط، وتأشيرة العبور إلى هذه البساطة، هو العفوية الناجزة عن التحام الذاتي بالنصي، الذاتي في حركة التجربة نحو عالم النص، حيث يكتسب هذا الأخير تحوّليته من تحوّلية الذات. يعيد عالم الغيطاني اكتشاف الأشياء، هذه حقيقة أدركتها خبيرة الأزياء التراثية التي قابلها في إحدى حلقات «تجليات مصرية»، حيث أشارت إلى قدرته على تقديم تاريخ القرون الوسطى كما لم تقدّمه المؤسّسة.
البحث عن «المُغيّب» هو أساس المشروع الإبداعي لدى الغيطاني، «المُغيّب» الذي لا يحظى بالاهتمام، «المُغيّب» الذي أصبح أليفا حتى أُهْمِلَ وجوده، هو الذي يجعل من مقارباته أشد التحاما بالوعي في شموليته، وذلك ما يفتح الإبداع عنده على الإنساني.
يدفع عالم الغيطاني الإبداعي المتلقي إلى التنقيب عن تراث ضاع في الراهن، ومفهوم التراث يتساوق وما ترمي إليه التجليات، إنّه الفضاء التعبيري ـ الاستفراد بالمكان ـ الذي يظهر الغيطاني في مختلف زواياه ليحرّك التاريخ، وأسمّيه «الفراغ الإبداعي»، إنّه لحظة اختراق المحسوس وتشفيف المجرّد، وسيلة لتواصل إبداعي مع الآخر المختلف، أو المتوافق، إبداعية جلبت اهتمام الآخر العارف الذي يتجاوز البحث عن المثير إلى البحث عن الأجدى، وعثر على ذلك في ترجمة أعمال الغيطاني، بل لعلها القيمة المضافة التي يتوسّلها الآخر في غير ثقافته، إنّ الفراغ الإبداعي يمنح الغيطاني هذه الوقفة الروحية العارفة والعرفانية بين المكان الواقع والمكان الرّوائي ـ الحدثي ـ وهو ما نستشفه مما ذكره في إحدى حلقات «التجليات» حين تعرّف على الراحل حسن فتحي واستلهم رؤيته المعمارية، ناقلا إياها إلى معمار الرواية.
تمتلك «التجليات» من الفرادة ما يجعلها تضمن استمراريتها لدى المتلقي، إذ أنّها تؤسّس لمشروعيتها الإبداعية انطلاقا من التراثي» المُبَنْيَن» بتعبير بارت على الانتقال من أمّة تراثية إلى أمّة لها تراث» كما يقول المفكر المغربي محمد عابد الجابري، وهذا يمكِّنُنا من «الاندراج المعرفي في حركة التاريخ» كما يرى الجابري أيضا.
التجليات رحلة، نتزوّد فيها من بهاء الصّوفي وجوهر الحضرة وشفاف الليل، إذ نسير تجرحنا المسافات عبورا إلى سدرة المكان، «قاهرة الحسين»، «قاهرة نجيب»، قاهرة الغيطاني، هناك حيث « ناس عايشة مع نفسها، عايشة عالمها الخاص»، هناك حيث الطفولة تستعيد ما غيّبته الطوابق والخرسانة، تستعيد الحسين «المكان الذي أجد فيه نفسي»، تستعيد «زقاق المدق»، تستعيد أيضا «خان الخليلي» و«قصر الشوق».
العبور إلى الذات، عبور إلى القاهرة العميقة، عبور إلى البسطاء، عبور إلى نجيب محفوظ أيضا، «يا سيدي نجيب محفوظ ذا طيب». أذكر أنّه في ندوة متلفزة على هامش معرض القاهرة الدولي للكتاب (2007) بعنوان «أبناء نجيب محفوظ»، خلص الناقد صلاح فضل إلى أنّ كل أبناء نجيب يختلفون عنه إبداعيا، إنّها بنوّة الرّفقة السّعيدة والملهمة، تلك هي علاقة الغيطاني بنجيب محفوظ، مضمّخة بكل بهاءات الوجد الصوفي. إنّ عالم الغيطاني تشكله الدّهشة، يشمله تسامي الرّوح الصّوفي، تبهجه هندسات المكان، يضيئه التاريخ وتنتجه تجربة الذات العاشقة للكلمات ودروب اللغة.
عالم الغيطاني مميّز باللغة التي تأخذ شكلا مختلفا، مذاقا ابتهاجيا يتأسّس مؤثّثا بمسافات التاريخ.
يتحرك الغيطاني مفعما بالناس، بالمعمار الآيل إلى التناهي في الذاكرة، بالتفاصيل المهملة في انعطافات النسيان والتغيّر الجذري في البنيات، يستمد حضوره من التواضع وشراكة البسطاء الطيّبين، ليس ذلك وحسب، بل يبحث عنهم ويسأل عن غيباتهم.
أعتقد أن البحث عن «المُغيّب» هو أساس المشروع الإبداعي لدى الغيطاني، «المُغيّب» الذي لا يحظى بالاهتمام، «المُغيّب» الذي أصبح أليفا حتى أُهْمِلَ وجوده، هو الذي يجعل من مقارباته أشد التحاما بالوعي في شموليته، وذلك ما يفتح الإبداع عنده على الإنساني.
٭ كاتب جزائري