الاختبار الديمقراطي الكبير لدولة إسرائيل لا يوجد في لجنة أجهزة فرز الانتخابات، ولا يكمن في قدرة أو عدم قدرة نتنياهو على تشكيل حكومة مستقرة، إذا لم يرتفع إلى 61 مقعداً. هذا الاختبار يوجد أمام الجهات الثلاث: قاضية المحكمة المركزية في القدس، ريفكا فريدمان فيلدمان، والقاضي موشيه بار عام، والقاضي عوديد شاحم، سيقف أمامهم المتهم نتنياهو بكامل عدم جلاله، بعد أسبوعين.
زعيم الليكود سجل أمس إنجازاً شخصياً كبيراً، رائع، تقريباً دون أي تآكل في كتلته. وقد نجح في تحويل صورة الوضع التي ظهرت على طول هذه الحملة الانتخابية، ونجح في هزيمة “أزرق أبيض”. أرض الليكود اشتعلت، وأضيفت إليها أرض شاس. وائتلافاً، يمكننا تسمية ذلك “هو بريء”، الذي شكل نفسه لصالح نتنياهو، بعد 21 سنة على نجاح من فكّر بهذه الكتلة، وهو رئيس شاس آريه درعي، بأن يحقق لحزبه إنجازاً يتمثل في حصوله على 17 مقعداً بعد تقديم لائحة اتهام ضده.
بالإجمال، لم يكن نتنياهو ليحقق الانتصار الذي أمله. وحتى لو نجح في تشكيل الائتلاف مستقر، وجميع الشركاء يهنئونه بعودته من المحكمة، سيقضي وقتاً طويلاً هناك حتى المساء وسيعود فيه إلى الانشغال بشؤون الدولة، وحينها لن يكون قانون فرنسي، ولا تظهر هناك تغييرات تشريعية كبيرة. وستبقى في أحلام أمير أوحانا وميكي زوهر. القطار القانوني للمتهم بنيامين نتنياهو انطلق من المحطة، وعن ذلك سنتحدث فيما بعد.
إن فوزه فوز سياسي، شخصي بلا شك، ومعنوي بالتأكيد. وربما ائتلافي (إذا حصل على 61 مقعداً بمساعدة أصوات الجنود و/أو اتفاقات الفوائض و/أو إغراء أعضاء انسحبوا من أحزابهم). ولكن باختصار، هو لا يزال متهماً بتلقي الرشوة والخداع وخرق الثقة. وستكون هناك تأجيلات وتأخيرات ومناورات، بعض منها قذرة، لكن لا توجد أي قوة في العالم ستوقف طواحين عدل المحكمة المركزية في القدس. وكل ما بقي من محضر الاختزال القذر الذي وثق الحملة القضائية للمتهم الأكبر في إسرائيل، هي نفس المقولة البائسة الأخيرة للقضاة اليساريين الذين يأمل منهم أن يتنصلوا من الوصف (الذي لم يلتصق بهم في أي يوم، سوى من المحيطين به). نتنياهو بدأ المعركة من موقع ضعف، في حين أن الطرف الآخر حظي بشروط بداية جيدة في الحملة: لائحة شكوك تحولت إلى لائحة اتهام. موعد المحاكمة تم تحديده. أغلبية الجمهور تقول في الاستطلاعات بأن نتنياهو هو المتهم الرئيسي بجرنا إلى جولة انتخابات ثالثة خلال أقل من سنة، وما زال عازف الناي في بلفور يحرث كل شارع وزاوية، وكل سوق وساحة وزقاق وحديقة، وأشعل قاعدته بصورة لم نشهدها منذ بيغن، نموذج 1981. الليكود اندفع واشتعل. و”أزرق أبيض” كان يسير ببطء.
إن تقوي كتلة اليمين – الأصوليين والتفويض الواضح الذي أعطي لنتنياهو، ومن جهة أخرى ضعف اليسار – وسط، ربما يكون نتيجة مفهوم أن بني غانتس و”أزرق أبيض” لا يشكلون بديلاً حقيقياً للحكم. والأمر المسلي هو أن انهيار غانتس ومعسكره على طول الجبهة حدث بعملية عدو سريعة غير متوقعة؛ عشرة أيام في شباط أشعل فيها الليكود ونتنياهو الدولة والشبكات وكأن كل حياته تتعلق بذلك، بحملة سلبية، قذرة وهابطة، مليئة بالأكاذيب، ترك المعسكر الخصم بعيداً وراءه.
أمس لم يتردد رئيس حكومة إسرائيل في بث فيلم قصير معد جيداً، شوه أقوال قالها غانتس. نتنياهو تبول على خشبة القفز وعلى الاستقامة وعلى الحقيقة والمعايير والقيم التي كان لها مكان هنا ذات يوم. أمس، تبين أن عدداً كبيراً من الجمهور اعتبر هذا السائل أمطار خير. الترامبية سيطرت على نتنياهو بقيادة العهد الجديد المليء بالأخبار الكاذبة والتدني المخيف الذي لم نفكر بالوصول إليه. بتشجيع رياح نجله البكر، لم يستبعد أي وسيلة، كذب أو مناورة قذرة، من أجل التسجيل، وقد نجح ذلك.
المعنى الحقيقي للحسم (الذي حسب نتائج ثلاث عينات متقاربة أمس) هو ما يلي: نصف الجمهور الذي كلف نفسه عناء الوصول إلى صناديق الاقتراع يوافق على تولي نتنياهو، الذي وجهت إليه ثلاث لوائح اتهام، منصبه. هذه هي النواة. هو لم يحصل على شيك مفتوح، مثلما قال أمس سياسيون ومراسلون، لقانون فرنسي (بأثر رجعي) أو تغيير النظام في إسرائيل وتحويله إلى تركي أو روسي. وما زالت الحملة الحقيقية تكمن في مركز الموضوع القضائي، وهي الطموح المخيف. وصورة الوضع هناك معكوسة. إذا كان قد رأى تسلحه بدلاء الوحي واتباع أساليب المافيا قد حقق مكاسب سياسية، فهذه الطريقة هي التي أسقطته في الصعيد الإجرامي، وهناك يكمن لب القضية.
إن غطرسته خلال فترة ولايته وضعفه في كل ما يتعلق بالبخل والاستحواذ الإعلامي، أدت به إلى تعقيد قضائي. قوته السياسية أعمته في طريقه إلى حملة سياسية – قانونية ورطته أكثر. مع تقويه في المرحلة الأخيرة من جولة الانتخابات الحالية، رأينا هذه الغطرسة تظهر وتعيده مرة أخرى إلى نفس صيغ السلوك الضارة. إنجازه أمس يمكن أن يواصل قيادته برعاية رياح بلفور المجنونة أصلاً، ليزيد الحملة أمام من سيقررون مصيره. فوزه (النسبي) أمس كان فوزاً معنوياً، لكنه ليس واقعياً. هدفه الوحيد الذي هو الهرب من رعب العدالة لم يتم تحقيقه ولن يتحقق حتى ولو وصلت نتائج الانتخابات النهائية إلى 61 مقعداً.
إذا كانت النتائج الحقيقية مثل نتائج العينات التلفزيونية المحدثة، وبقيت كتلة اليمين الأصولية عند 59 مقعداً، فسيحكم علينا باستمرار وضع غير محتمل ومرفوض يتمثل في حكومة انتقالية غير نهائية. الرئيس الذي سئم من طريق الآلام التي مر بها الجمهور في السنة الماضية، سيفحص بجدية تقصير الإجراءات والتنازل عن إعطاء التفويض عديم الجدوى لنتنياهو أو غانتس، والانتقال مباشرة إلى المرحلة الأخيرة، إلى الكنيست، من أجل اتخاذ قرار حاسم من قبل الأعضاء.
في الجانب الآخر، سيضطر “أزرق أبيض” إلى القيام بأكثر من انتقاد ذاتي. باستثناء ظروف البداية التي ذكرت من قبل، فقد حصل على سلة مليئة بالخيرات في الـ 48 ساعة الأخيرة للحملة. تسجيل نتان ايشل كان يعادل خطاب “التشكتشكيم” بأكثر من بألف مرة، وإن كشف المناورات المخيفة لرئيس الحكومة ومن يحيطون به لإسقاط إسرائيل بخر كان يجب أن يقض مضاجع كل مواطن عاقل. أمام هذه القذائف التي وضعت أمام دبابته، بدا وكأن المعارضة الرئيسية لنتنياهو وضعت الورود في فوهة المدفع.
لم يكن هناك حملة ناجعة في اليوم الأخير، والأسوأ من ذلك أنها كانت حملة متلعثمة وفاشلة. عندما فهموا أن نتنياهو سيفوز. في “يوجد مستقبل” و”تيلم” وفي أجزاء من “المنعة لإسرائيل” سيكون هناك من يسأل إذا ما كان غانتس هو الذي يجب أن يقود جولة أخرى أمام نتنياهو. شركاؤه غير المفيدين (الضرر الذي تسبب به عمير بيرتس لغانتس مؤخراً) سيضطرون أيضاً إلى التفكير بمسار جديد. الحزب الذي أسس الدولة سيمثل في الكنيست القادمة بثلاثة مقاعد فقط. بعد الاتحاد الذي فرض بين العمل وميرتس، سيضطرون إلى التفكير بانتخابات تمهيدية يتحدون فيها بيرتس. والتفكير باتحاد آخر مع “أزرق أبيض” سيكون فيما بعد.
سؤال آخر يطرح الآن وهو: هل سيكون هناك أشخاص يتركون أحزابهم من كتلة الوسط – يسار؟ حتى الآن لا يبدو هذا احتمالاً مقبولاً. ولا يوجد لأي من “المشبوهين الطبيعيين” ما يكسبه في هذه المرحلة. ملذات السلطة مرفوضة في الأجواء الحالية إزاء اختبار الإخلاص ورغبة معظم النظام السياسي في إنهاء عهد نتنياهو. في السياق نفسه، لا يوجد لنتنياهو ما يبنيه على افيغدور ليبرمان بعد أن خرج من الصندوق السياسي نهائياً. من الواضح أن هدفه كان وما زال أن يقودنا إلى اليوم التالي لنتنياهو. ولن يحيد عنه، ولا حتى أمام الإغراءات الكبيرة جداً التي ستوضع أمامه.
بقلم: يوسي فيرتر
هآرتس 3/3/2020