تترجم ظاهرة المهرجانات الفنية التي تُقام في عموم المدن المصرية، حالة من الإفلاس في الملف الثقافي، فما يمكن أن تفعله وزارة الثقافة للنهوض بكل الجوانب الثقافية والفنية وحل القضايا العالقة، تحول بفضل غياب البرنامج الإصلاحي إلى مجرد منوعات للتسلية، تتباين أشكالها ومواصفاتها حسب المناسبات والمناطق التي تُنظم فيها الكرنفالات.
في خلال أسبوعين فقط عملت الوزارة على إقامة مهرجانين سينمائيين لعرض ما يُسمى بأفلام المرأة، كان الأول في محافظة أسوان والثاني في محافظة قنا وهما المحافظتان المتجاورتان والمتشابهتان في الواقع الاجتماعي والتركيبة الثقافية، بيد أن مهرجانين آخرين لا تزال أصداهما باقية، فمهرجان جمعية الفيلم انتهت فعالياته منذ أيام، بينما المهرجان الكاثوليكي لا يزال قائماً حتى كتابة هذه السطور وهو المُكمل لدورة الأفلام ذاتها التي أنتجت خلال العام 2019 وشاركت في العديد من المسابقات في الداخل والخارج، هذا بخلاف المهرجان القومي للسينما المصرية الذي تأجلت دورته لوفاة رئيسه سمير سيف وما زال البحث جارياً عن قيادة أخرى تتولى رئاسته وتكمل مسيرته.
ومن قبل هذا وذاك كان مهرجان القاهرة السينمائي الدولي الذي خرجت منه السينما المصرية خالية الوفاض لعدم وجود فيلم مناسب يمثلها، وهي الأزمة التي تتعامى عنها الأجهزة الثقافية ولا تريد الاعتراف بمسؤوليتها تجاهها، ناهيك عن المهرجانات المحلية الصغيرة لأفلام الهواة التي تُقام في المدن والأقاليم على مدار السنة، ولا تمثل السينما المصرية في كل ذلك سوى فرع من أفرع الإبداع الكثيرة التي يُحتفى بها بأساليب مختلفة وتعد لها المناسبات والمهرجانات أيضاً لزوم الزينة والبهرجة والمتاجرة بالفنون كسلع مُعتبرة للترويج السياحي ورسم صورة لامعة وبراقة لمستقبل الثقافة في مصر، الذي تختزله وزيرة الثقافة إيناس عبد الدايم في المهرجانات السينمائية والمسرحية والموسيقية فقط، في الوقت الذي تتفاقم فيه مشكلات أخرى أكثر أهمية من دون أدنى محاوله منها للتعامل معها أو النظر إليها، ومن بينها مُشكلات النشر ومنح التفرغ وقصور الثقافة المُعطلة والمتوقف نشاطها منذ سنوات، ودور العرض السينمائية الكائنة في العاصمة والمحافظات والمستولى عليها من البلطجية وتجار العقارات، والمُخطط لهدمها وتحويلها لمراكز تجارية وأبراج سكنية.
لم ينتبه القائمون على تنفيذ الأجندة الثقافية إلى أن الإفراط في الشيء كالتقصير فيه، وفق المثل الشعبي القائل إذا زاد الشيء عن حده انقلب إلى ضده، وهو ما ينطبق فعلياً على الظاهرة المهرجانية المتفشية، حيث لم تعد تعني أكثر من كونها إغواءً للجماهير بالتركيز في الشكل بعيداً عن المضمون والانصراف عن القضايا الجادة والأساسية، فالإرهاب لا يُحارب بالمهرجانات وحدها وإنما يواجه بالتنوير وإعادة صياغة العقلية المتطرفة وتلبية الاحتياجات الثقافية للشباب، متمثلة في إتاحة الفرص الحقيقية للإبداع وتبني المواهب الصغيرة وتخفيف قبضة الرقابة على المصنفات الفنية وإقرار مبدأ التكافؤ بين الطبقات في الحقوق قبل الواجبات، وتفعيل برنامج القراءة وفتح المكتبات الإقليمية الملحقة بقصور الثقافة أمام النشء الجديد، مع عمل التنسيق اللازم بين وزارة الثقافة ووزارة التربية والتعليم وتفعيل الأنشطة المدرسية، كل هذه العوامل من شأنها أن تخلق جيلاً مثقفاً واعياً، أو كما قال الكاتب الروسي أنطون تشيخوف عن فن الصناعة الثقافية، إن المدرسة هي القاعدة الصُلبة لبناء صرح ثقافي متين، فإعداد المدرس هو الخطوة الأولى لسلامة أي مشروع ثقافي تنويري حضاري وضمان استمراره وفاعليته.
ولأن الشيء بالشيء يُذكر، فإن هناك فائضا من المهرجانات الموزعة على امتداد المحافظات المصرية يزيد عن حاجة الجماهير ويُعطي انطباعاً خاطئا بالبذخ والإسراف في الميزانية الثقافية، بينما الواقع مجافي لهذا الاعتقاد، لأن بقية القطاعات الثقافية لا تزال تعاني من ضعف الإمكانيات، ولعل ضآلة الميزانيات المُخصصة للإبداعات الأخرى كالطباعة والنشر والترجمة وتحقيق التراث تُمثل أدلة دامغة على أن ما يُنفق على المهرجانات الدعائية مخصوم من مُستحقات الأنشطة الأساسية وهذا سر الأزمة!