«أم الكل» عرض مسرحي منفرد لجو قديح: الجدة حارسة الحكاية والثورة اللبنانية تعيدها للحياة

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت – «القدس العربي»: سريعاً نهل المسرحي جو قديح نصاً من رحم ثورة تشرين الأول/ أوكتوبر 2019، فكانت مسرحية «أم الكل». عرض مونودرامي غلبت عليه الكوميديا الساخرة إنطلاقاً من المثل القائل «شر البلية ما يضحك». ضحك مُبلل بدمع حزين على شعب حكمته ولا تزال مغارة لصوص تدّعي الحكمة، والحكمة منهم براء. صحيح أن قديح صوّب وبحدود ملحوظة باتجاه واحد إنما ليس في الهيكل من هو بريء.
ألبس جو قديح كل ما يرغب بقوله لامرأة كبيرة السن متهادية الخطوات. أرادها امرأة لأن الثورة امرأة، ولأن المرأة والكبيرة السن تحديداً هي حارسة الماضي وناقلته بأمانة. وقد يكون قديح مصيباً في اختياره، فحجم حضور النساء خلال الثورة سيما في الشهرين الأولين ملحوظاً. حضور ليس في الشكل بل بالفعل والأثر بمعناه الإيجابي. والمفارقة أن تلك الثورة شغلت العجوز وملأت أوقاتها بعد أن كانت تعيش وحيدة نظراً لموت زوجها وهجرة ابنها.
فاض نص «أم الكل» بحسنات الثورة الكثيرة خاصة في جانبها الوطني الجامع. فالمصائب والكوارث التي لا تحصى والمسجلة كإرث مقيت وحق حصري لساسة الطوائف في لبنان، أثمرت عن تحطيم حواجز نفسية قائمة بين اللبنانيين. صوّب النص على بادرة طيبة قادتها نساء وأمهات منطقة الأشرفية وجوارها رداً على غزْوة عنْفية على قاطقي طريق الرينغ. إنها الغزْوة الودية إلى منطقة خندق الغميق «النسوان هونيك إللي بعاد 150 م محجبين بس مهضومين». حياة العجوز أو الجدة أصبحت ثورة، وبالإذن من جوليا بطرس «أنا بتنفس حرية»، فهي باتت تتنفس ثورة، وتقارع بها جارتها غير المتفاعلة مع الانتفاضة. إنها لا «تقرقع» في الثامنة من كل مساء، بل تعلن ثورتها واحتجاجها بالعزف على كعب طنجرة أصلية من صناعة «تيفال».
مزج جو قديح في عرضه الجديد بين الماضي الماثل في الذاكرة قبل 30 سنة من الآن، والحاضر، واستخرج الزبدة. إنها الصدمة والحلم المكسور، خاصة وأن الشعب اللبناني كبّر أو ضخّم الحلم وتوقع الإنقاذ.. ولكن السوسة نفسها تضرب وتخترق الطبقة الحاكمة. تسقط التجربة مع الجدد ويسقط الحلم.. وتحل الخيبة. عادت الجدة إلى مسارها السابق، وعاد الحلم يراودها من جديد مع حلول 17 تشرين الأول/ أوكتوبر.. ترك قديح حبل الحلم طويلاً ولم يبتره.. وغنت العجوز التي صارت مصدر أخبار الثورة «هيلا هيلا هيلا هي الثورة مرا يا حلوين».
في حضوره كـ»وان مان شو» يتقن جو قديح الكاتب جذب انتباه الجمهور وضبط ايقاعه. وكأنه يعرف سلفاً موقع القفشة التي تثير موجة ضحك فلا يجعل مواقعها متقاربة، ويتقن متى يترك الأنفاس تنقطع بانتظار التالي. وهو دون شك ومنذ بداياته في عروضه المنفردة ضليع بالإمساك بمفاصل نصه، وجذب انتباه وتفاعل الجمهور وعلى مستوى متوازٍ طوال زمن العرض. بين المواربة والمباشرة في تناول الأحداث القديم منها والجديد، غلبت الثانية على بعض مسارات النص، سيما مع ذكر اسماء بعينها.
في المحصلة كانت محطات مضيئة من زمن الثورة المستمرة وأثرها حتى في المرأة العجوز. وكما سبق القول قد يكون الكاتب والمخرج وجد حكمة في ما تنطق به سيدة من فئة اجتماعية مرتاحة مادياً، وأثر الثورة عليها. والإنطباع السائد أن المنتمين لهذه الفئة الإجتماعية هم أقل تأثراً بمنطق الرفض والثورة، وجاءت مسارات الأشهر الماضية لتحبط الأحكام المعلبة مسبقاً.
يُحسب لجو قديح الممثل صبره على حركة الجسد المتباطئة لحدود ساعة من الزمن مع شخصيته الجديدة حيث يلعب دور المرأة للمرّة الأولى. وصبره على الصوت المتعب. وهو لم يغادر شخصيته تلك لهنيهة واحدة بل واظب على الوتيرة نفسها، مقدماً الثورة من خلال امرأة كبيرة السن تعود الحياة إليها وتصبح عنصراً فاعلاً في حياتها وبيئتها. بل تتحول لأصل الحكاية وحارستها. إنها الثورة التي تبث الحياة من جديد في النفوس قبل الأجساد. ويُحسب لقديح أن يبادر منفرداً ودون أي دعم أو رعاية، لتقديم عمل مسرحي جديد في زمن رمادي، وحيث لم تتضح خيوط المستقبل بعد. وإلى هذا كله داهم الشعب اللبناني فيروس كورونا وبدأ يزرع الرعب.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية