الجزائر: الحراك يدخل سنته الثانية بثبات والحكومة تحضر لتعديل دستوري يستجيب لتطلعات الشارع

كمال زايت
حجم الخط
0

الجزائر-“القدس العربي”: يتواصل الحراك الشعبي في الجزائر للجمعة 55 منذ اندلاع هذه الثورة الشعبية السلمية التي أصبحت مضربا للمثل ومثيرة للإعجاب والتقدير، لأنها تعكس وعي شعب على تحقيق تغيير حقيقي، بكل ما تتضمنه هذه الرغبة من عفوية وتسرع أحيانا، ليدخل الحراك سنته الثانية بكل عزم وإصرار على تحقيق كل المطالب المرفوعة منذ أكثر من سنة، في حين تقول السلطة الجديدة إنها تسعى إلى الاستجابة لمطالب المواطنين، من خلال عدة خطوات وقرارات، حتى وإن رأى البعض أن هناك غيابا لإرادة حقيقية، أو هناك تماطلا أو تلكؤا.

لا شيء تغير تحت سماء الجزائر، فالمظاهرات ما زالت تخرج كل يومي ثلاثاء وجمعة، حتى وإن كان عدد المشاركين فيها يتضاءل أحيانا، لكنه يتوهج أحيانا أخرى، فاستمرار الحراك طوال الأشهر الماضية، رغم كل ما حدث وما جرى هو إنجاز في حد ذاته، واستمراره يكاد يكون مطلب الجميع، بمن فيهم أولئك الذين ينظرون إلى نصف الكأس المملوء، من المقتنعين أنه حقق أهدافه أو يكاد، فاستمراره قد يكون ورقة ضغط مفيدة، تحرك المياه الراكدة، وتقضي على المقاومات الموجودة في البؤر التي خلفها السلطة السابقة، وكل السلط التي تعاقبت على الحكم منذ استقلال البلاد سنة 1962 لأن الكثير من السلوكيات والسياسات والتصرفات في الموروث الجيني للنظام، وليس من السهل التخلص منها لمجرد أن الآلاف أو حتى الملايين تظاهروا في الشارع لمدة تجاوزت السنة، فالتغيير الحقيقي لا يخدم الكثير من الأطراف، بمن فيهم بعض من من ينادون به، كما أن التغيير الجذري الذي يأتي مرة واحدة من الصعب أن يتحقق في أرض الواقع. لكن النقاش هذا تقريبا غير موجود، لأن هناك رأيين في الشارع الجزائري أو في الساحة السياسية، الأول يرى أن كل شيء تحقق وأن الجزائر اليوم تختلف عن تلك التي بناها نظام بوتفليقة ومن سبقوه إلى السلطة، وأن التغيير المنشود تحقق، ورأي آخر يرى الأمور بنوع من العدمية، ويعتقد جازما أن لا شيء تحقق، وأن النظام يراوغ ويناور من أجل تجديد واجهته والبقاء والاستمرار في السياسات والسلوكيات بأشكال جديدة يتأقلم من خلالها مع الواقع الجديد، لكن في الواقع أن هناك نسبة حقيقة في الرأيين، والحقيقة الماثلة أمام الذين ينظرون إلى المشهد بتجرد هي أن النظام وصل إلى نهايته، وبداخله أناس يدركون أنه لا يمكن الاستمرار في الطريق نفسه، لأن الواقع الداخلي تغير والواقع الدولي تحول، وغلق الأعين وصم الآذان عما يجري من حولنا عملية انتحار سياسية، والأمم لا تعرف الانتحار.

شارع منتفض وسلطة تعد

الشارع الجزائري ما زال ثائرا، بصرف النظر عما يعتقده البعض وما يراهنون عليه من أن الحراك سينطفئ من نفسه، فالآلاف ما زالوا يتظاهرون أسبوعيا في العاصمة ومدن أخرى، رغم الكثير من الصعوبات والمعوقات، فالحراك تجاوز الكثير من المحن والحفر والمطبات، وظل يحافظ على خط سيره الرئيسي، وانتزع الاحترام والتقدير، حتى من السلطة نفسها، فيكفي أن الرئيس الجديد عبد المجيد تبون يقول عنه “الحراك المبارك” ويؤكد أنه أنقذ البلاد من الانهيار، وهو كلام لا يثق فيه بعض الحراكيين، الذين يرون أنه تناقض مع سياسات السلطة، لأن استمرار الاعتقالات والمحاكمات دليل على أن السلطة لا تتعامل بهذه النظرة مع الحراك، لكن هناك من يرد بأن الأمور ليست دائما إما سوداء أو بيضاء، بل إن هناك الكثير من درجات الرمادي، فالكثير من المحاكمات انتهت ببراءة المتهمين، وفي تلك البراءة انتصار للحراك، وإدانة، ولو غير معلنة، لمن كان وراء هذه الاعتقالات، فحالة الثورة التي ما زالت الجزائر تعيشها تجعل من الصعب الركون إلى حكم نهائي وأخير بشأن الأحداث المتسارعة والمتلاحقة.

السلطة من جهتها تواصل خطة طريقها بخصوص حلحلة الأزمة السياسية، فهي مقتنعة أن تهدئة الشارع وكسب ثقته تمر عبر عدة مسالك متوازية، في مقدمتها مواصلة محاسبة الفاسدين والمفسدين من رموز نظام بوتفليقة الذين عاثوا في الأرض فسادا، والعمل على استرجاع الأموال المنهوبة، والتي هرب جزء كبير منها إلى الخارج، حتى وإن الكثيرين بدأوا يتساءلون عن عدم وجود أي مؤشرات بشأن استرجاع هذه الأموال، لكن في المقابل محاكمات رموز بوتفليقة مستمرة، فقد مثل رؤساء وزراء ووزراء ورجال أعمال كبار من رموز نظام بوتفليقة مجددا أمام مجلس قضاء الجزائر العاصمة، في قضية مصانع تركيب السيارات والتمويل الخفي للحملات الانتخابية، والتي لم يتم فيها تخفيف العقوبات ضد المتهمين، رغم محاولات المسؤولين السابقين تبرئة أنفسهم، وخاصة رئيسي الوزراء السابقين عبد المالك سلال الذي راح يذرف الدموع ويطلب إحضار الرئيس بوتفليقة، وأحمد أويحيى الذي قال بدوره إنه لم يفعل سوى تطبيق برنامج الرئيس، وأنه لم يكن فاسدا، ولم يحصل على أي رشاوى أو امتيازات، ولما سئل عن مبلغ 30 مليار سنتيم الذي يعادل 4 ملايين دولار التي عثر عليها داخل حسابه البنكي، قال إنه نسي أن يصرح بها، ولعل ما جاء على لسان النائب العام في ختام مرافعته دليل على التوجه العام بشأن هذه القضايا، إذ قال متحدثا عن المسؤولين المتابعين قضائيا: “هؤلاء أبقوا رجلا مريضا على رأس هيئة دستورية (يقصد الرئيس السابق) وأحاطوا أنفسهم بأصحاب المال، وقاموا بطرق احتيالية باستنزاف احتياطي النقد الأجنبي”. وواصل مخاطبا إياهم: “لقد لطختم جزائر نوفمبر (ثورة التحرير) وسمعتها، وتجاهلتم القانون وخنتم الأمانة”. كما قال وهو يخاطب سلال: “أبناء الشعب كانوا يموتون في البحر في إطار الهجرة غير الشرعية، وابنك كان يحصل على أسهم في شركات بصفر رأسمال، فقط لأنه ابن وزير”.

كما أن المحاكمات هذه تتزامن مع محاكمات رموز الحراك، فبعد محاكمتي سمير بلعربي وفضيل بومالة اللذين تمت تبرئتهما من التهم الموجهة إليهما، وإصدار حكم البراءة في حقهما، رغم أنهما قضيا قرابة ستة أشهر في الحبس المؤقت، جاء الدور على المعارض كريم طابو الذي حوكم على أساس تهمتي إحباط معنويات الجيش وتهديد الوحدة الوطنية، وهي محاكمة ستظل محطة مهمة في الحراك الشعبي، طابو دخل قاعة المحاكمة مبتسما، ودافع عن نفسه، وأدلى بتصريحات قوية، فرغم شكواه مما تعرض له من ظلم طوال فترة حبسه، ومطالبته بتحقيق قضائي بشأن ما تعرض له، إلا أنه بقي ثابتا على مواقفه، مشددا على أنه يحاكم بسبب مواقفه السياسية، وأنه لم يسئ يوما إلى المؤسسة العسكرية التي يكن لها كل الاحترام، وأن قناعته أن الجيش يجب أن يظل بعيدا عن النقاش السياسي، وأن كل ما قام به هو الرد على تصريحات سياسية لقائد أركان الجيش السابق، وفي ختام محاكمة دامت أكثر من 18 ساعة، سألت القاضية طابو إن كان يصر على العودة إلى الحراك فأجاب بنعم.

كما تواصل السلطة التحضير لمشروع التعديل الدستوري الذي وعد به الرئيس عبد المجيد تبون خلال حملته الانتخابية، والذي شرع في تجسيده مباشرة بعد توليه الرئاسة، إذ تم تشكيل لجنة من خبراء القانون، واستقبال الرئيس لمجموعة من الشخصيات الوطنية والسياسية، معظمها من المعارضة. فتبون والمتحدثون باسمه أكدوا في أكثر من مناسبة أن الهدف هو الوصول إلى دستور توافقي يستجيب لمطالب الحراك الشعبي، ويضع حدا لكل تجاوزات الماضي، والحيلولة دون تكرار سيناريوهات التسلط والتفرد بالحكم التي سبق للجزائر أن عرفتها في عقود خلت، ويفترض أن يتم الكشف خلال الأيام القليلة المقبلة عن المسودة الأولى لتعديل الدستور، والتي ستعرض للنقاش والإثراء، والتي ستكون أول امتحان للسلطة الجديدة، والتي يمكن من خلالها معرفة توجهاتها ونواياها، خاصة ما تعلق بالقضايا الأساسية المتعلقة بالحريات والفصل بين السلطات، واستقلالية القضاء ورقابة البرلمان على السلطة التنفيذية.

خطابات الكراهية

ويقول الأستاذ الجامعي والمحلل السياسي رضوان بوجمعة بعد دخول الحراك سنته الثانية أن “هذه الثورة مستمرة ولا توجد أي مؤشرات على تراجعها، كما أن وضوح رؤيتها ومطالبها وذكاء أدواتها لا يمكن أن يتم إجهاضه بكل المقاييس، رغم أن المتآمرين عليها يواصلون استخدام كل الدعايات بغية التشكيك في الحراك وفي مساره وأهدافه، فبعد الأجهزة الإعلامية، بدأت قيادات الأجهزة الحزبية ممارسة الدعاية، فتحول الذباب الالكتروني إلى ذباب سياسي، وعادت خطابات الكراهية ضد الحراك بمحاولة اختصاره في العاصمة، أو بمحاولة ربطه بتيار أيديولوجي معين، رغم أن الحراك ومنذ أكثر من سنة يعطي مؤشرات الثورة ضد كل الأجهزة السياسية التقليدية التي تعتبر امتدادا لمنظومة الحكم”.

وهاجم بوجمعة تصريحات سابقة لزعيم “إخوان الجزائر” التي تحدث فيها عما سماه سيطرة التيار العلماني المتطرف على الحراك، مؤكدا أن هذه التصريحات “هي تابعة لتصريحات أخرى تريد أن تمارس الحرب ضد ثورة الشعب السلمية” فمقري خرج للحديث عما “سماه بالتيار العلماني المتطرف الذي يريد الاستحواذ على الحراك” وهي تصريحات أقل ما يقال عنها أنها تسير في مسار الاستمرار في حملة كان قد بدأها الذباب الالكتروني والإعلامي، وللعلم فإن حديث مقري عن “التيار العلماني المتطرف” لا يحمل أي مصداقية، خاصة وأن الكل يعلم أن حركته تاريخيا كانت حليفة لهذا التيار منذ الانقلاب على الإرادة الشعبية في كانون الثاني/يناير 1992 لأن شيخها الراحل قاد المعركة نفسها مع سعيد سعدي وكان أرنب سباق في اقتراع 95 الذي أفرز الجنرال زروال في السلطة، وختم المتحدث ذاته كلامه قائلا: “الأمر الوحيد المؤكد أن نجاح الثورة سيؤدي إلى زوال مثل هذه الممارسة السياسية، لقيادات حزبية تسهر مع رموز السلطة الفعلية ليلا وتحاول تضليل الأمة نهارا، لأن الثورة واضحة في تصورها وترفص الغموض الذي أنتج قيادات حزبية تمارس التضليل والكذب والكراهية لضمان استمرار منظومة الفساد والاستبداد”.

ويعتقد الأستاذ الجامعي زهير بوعمامة أن القول إن لا شيء تغير في الجزائر هو كلام فيه الكثير من الإجحاف، وأنه في السياسة لا مجال للنظرة الأفلاطونية، لأن من يعتقد أن التغيير الشامل الذي يحقق كل الآمال مرة واحدة ممكن واهم، لكن الحقيقة إن هناك الكثير من الأشياء تغيرت في الجزائر بفضل الثورة الشعبية السلمية التي صنعها الجزائريون، والتي أصبحت اليوم مثارا للإعجاب والتقدير، وأن الأشياء التي تغيرت، مثل سلوكيات المسؤولين، ومحاسبة الفاسدين من رموز النظام السابق من رؤساء وزراء ووزراء ورجال أعمال، كلها أمور يجب تثمينها والمطالبة بما هو أكثر، ولذلك، يقول بوعمامة إن استمرار الحراك الشعبي ضروري من أجل حمل السلطة على الوفاء بالالتزامات التي قطعتها على نفسها، ووعدها بالاستجابة إلى جميع مطالب الحراك الشعبي، وأنه في حالة ما إذا كان هناك تقاعس أو تقصير أو محاولة التفاف على مطالب الشعب يجب التنديد بذلك والوقوف تصديا لها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية